]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جوته و ستون عاما من كتابة فاوست

بواسطة: فواد الكنجي  |  بتاريخ: 2016-05-21 ، الوقت: 01:22:11
  • تقييم المقالة:

جوته و ستون عاما من كتابة فاوست
فواد الكنجي 

     
 

 

فاوست مسرحية إلفها الكاتب الألماني المشهور (يوهان فولفجانج فون جوته 1749- 1832 ) الذي ولد في مدينة (فرانكفورت) الألمانية و هو واحد من أشهر وأهم الشخصيات الأدبية في تاريخ الأدب الألماني والأدب العالمي. 
وتعد مسرحية ( فاوست ) ابرز الإعمال الأدبية ألألمانية، كتبت المسرحية بأسلوب شعري من جزئيين ، بلغ عدد أبياتها على أكثر من 12 ألف بيتا ، ضم الجزء الأول 4613 بيتا، والجزء الثاني 7417 بيتا شعريا، ومسرحية فاوست تضارع أربع أو خمس مسرحيات من مسرحيات (شكسبير)، إلا أن مشكلة هذه المسرحية هي ان (جوته) لم يكتبها بشكل متعاقب ومتسلسل، فالجزء الأول أنهاه (جوته) عام 1806 إما الجز الثاني فقد أنهاه قبيل وفاته أي في عام 1832 ، بمعنى انه بدأ كتابتها وهو في مستهل شبابه وأنهاها وهو في شيخوخته فعاصرت مراحل جوته في شبابه ورجولته وكهولته وشيخوخته، إذ كان يكتب بعض الفصول ويتركها ثم يعود ليكمل جزء آخر، وهذا يعني بان هناك فارق سنوي لظهور الجزء الأول عن الثاني ، بما استغرق في كتابتها بنحو ستين عاما، ويعود السبب في ذلك بكون (جوته) لم يرغب في إنهاء عمله هذا، بكونه، من ناحية، أحب فكرة العمل وكانت قصة العمل محببة لنفسه إلى ابعد حدود، وثانيا أراد تفريغ كل ما في مشاعره وأحاسيسه وأفكاره ومواقفه من الحياة في هذا العمل، وخلال كتابته لهذا العمل لم يثني (جوته) تواصله في كتابة إعمال أدبية إبداعية أخرى، فقد إلف جوته خلال فترة كتابته لـ(فاوست) كتب مهمة منها كتب تجاوزت عن خمسين مجلدا من الأشعار والمسرحيات والروايات, واهتم إلى جانب الأدب بالعلوم الفيزيائية, واشتغل بإدارة المسرح والتنظير له, وتقلد مناصب سياسية في (فايمار)، ويعتبر هو و(شيللر) قطبي الفترة الكلاسيكية في ألمانيا, التي كان مركزها في فايمار. 
ومن أعمال جونه حسب التاريخ النشر : 
1770 ( أنيته ) ديوان شعري .
1770 - 1775 (جانيماد ) قصيدة .
1772 - 1775 ( اورفاوست ) مسرحية .
1773(جوتس فون برليشنجن- ذو اليد الحديدية) مسرحية .
1773 (في فن العمارة الألماني ) دراسة عن الفن المعماري الألماني القديم .
1774 (آلام الشاب فرتر ) رواية في شكل رسائل، وشبة ترجمة ذاتية .
1774 ( كلافيجو ) تراجيديا من خمسة فصول .
1774 ( بروميثيوس ) قصيدة .
1774 ( ملك من تولا ) قصيدة .
1775 (ستيلا ) إيجمونت ، مسرحية تراجيدية في خمسة فصول
1775 ( اللقاء والوداع ) قصيدة
1775 (ارفن والمرأة) مسرحية غنائية من فصلين .
1776 ( شتيلا) مسرحية .
1776 (اخ وأخت) مسرحية في فصل واحد .
1778 (انتصار الوجدانية) مسرحية في فصل واحد .
1779 ( ايفيجنيه في تاورس) مسرحية تراجيدية، العرض الأساسي لها 
كان في 1782 .
1780 (توركواتو تاسو ) مسرحية .
1782 (ملك العفاريت) قصيدة . 
1785 (رسالة فلهلم مايستر المسرحية) رواية، وهي الأولى في سلسة فلهلم مايستر .
1787 المتواطئون (مسرحية هزلية) .
1788 ( اجمونت) مسرحية تراجيدية .
1788- 1790 (المرثيات الرومانية ) قصائد .
1790 (توركواتو تاسو) مسرحية .
1794 (رينار الثعلب) ملحمة .
1795 (مرثيات رومانية) قصائد .
1795 (سنوات تعلم فلهلم مايستر) الرواية الثانية من سلسلة فلهلم مايستر .
1795 (هو الوحيد الذي يعلم ما الحنين) قصيدة تظهر في روايته (سنوات تعلم فلهلم مايستر) .
1795 (الثعبان الأخضر وليلي الجميلة) حكاية خرافية .
1796 (حكم من البندقية) مجموعة قصائد هجائية صغيرة .
1797 (هرمان ودوروتيه) قصيدة ملحمية رعوية .
1797 (هدايا المائدة) مجموعة قصائد هجائية سياسية .
1797( حكاية شعرية) .
1797 (صبي الساحر) قصيدة .
1799 (تحول النباتات) عمل علمي، في مجال علم النبات .
1803 (الابنة الطبيعية) مسرحية تراجيدية من خمسة فصول .
1805 (فينكلمان وعصره) دراسة في علم الجمال والنقد .
1808 (فاوست: الجزء الأول من التراجيديا) الجزء الأول من مسرحية فاوست لجوته .
1809 (التجاذب الاختياري) رواية .
1809 (باندورا) مسرحية مجزئة .
1810 (نظرية الألوان) عمل علمي في مجال علم الألوان .
1811- 1812 (من حياتي، الشعر والحقيقة) ترجمة ذاتية .
1816- 1817 (رحلة إيطالية) سيرة ذاتية، يصف فيها رحلته إلى إيطاليا من 1786 وحتى 1788 .
1819 (الديوان الغربي الشرقي) مجموعة من القصائد الغنائية استوحاها من أعمال الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي .
1819 (جنجو بيلوبا ) قصيدة نُشرت في عمله (الديوان الغربي الشرقي) .
1821 (سنوات تجوال فلهلم أو الزاهدون) الرواية الثالثة من سلسلة فلهلم مايستر .
1823 (مرثية مارينباد ) من أرقى قصائده .
1827 (عن الشعر الملحمي والدرامي ) بالاشتراك مع فريدرش شيلر . 
1832 (فاوست: الجزء الثاني من التراجيديا) الجزء الثاني من مسرحية فاوست لجوته .
1833 (مبادئ وتأملات ) مجموعة من أقوال جوته .
1836 (محادثات مع جوته) من تأليف يوهان بيتر إيكرمان عن محادثاته مع جوته في سنوات جوته التسع الأخيرة . 
وحينما نعود إلى العمل (فاوست) فإننا نلاحظ بان (جوته) في الجزء الأول من مسرحية (فاوست) يركز على شخصية (فاوست) الذي باع روحه للشيطان (مفستوفيليس) بينما نجده في الجزء الثاني يركز على كيفية معالجة الظواهر الاجتماعية وأمور السياسة والاجتماع في ألمانيا، لذلك جاء الجزء الثاني معمقا بالأفكار والأطروحات الفلسفية ليشكل هذا الجزء من أهم الأعمال الأدبية التي يختلط الأدب بالفلسفة .
ولفترة الطويلة التي بقى (جوته) يتناول موضوع مسرحية (فاوست) فقد اختلطت فيها حياته بحياة (فاوست)، وكان صدق إحساس (فاوست) فيها ملازما لصدق إحساس (جوته) في فتوته وشبابه وكهولته وشيخوخته التي وسعت حياتهما معا، وكلما طال الزمن بالراوي والرواية تعدد المكان، فقد كتبها جوته في أماكن متعددة بين ألمانيا وسويسرا وإيطاليا وشملت مناظر الجنوب والشمال والشرق والغرب، ولا عجب أن يعظم شأن الرواية بعد ذلك إذ شملت أحاديث الفكر.. والعقيدة .. والهوى .. والفن .. والعلم .. والسحر .. والواقع .. والحق .. والباطل، كل ذلك كما جرت في نفس إنسان في زمن بتعاقب العقود فيه وفي أماكن تتفاوت الطبيعة فيها بين القبح والجمال.
فقصة (فاوست) تعود إلى خرافة قديمة تنتسب الى القرن (الخامس عشر) وربما إلى قبل ذلك، حيث يردها بعض المؤرخين والمحللين إلى ما قبل غزو (النورمان ) لإنجلترا، وموضوع هذه الخرافة تناولها العديد من الأدباء والكتاب في مؤلفاتهم ومنهم الشاعر الإنجليزي( كريستوفرمارلو) والشاعر الفرنسي( روتبيف ) والكاتب الألماني (جوتهلد إفرايم لسنج).
وهذه الخرافة - كما يصورها (جوته) في مسرحيته - تحكي قصة "شخص اسمه (فاوست) ورث عن عمه أموالا، وتعلم كل ما أمكنه من علوم زمانه، ولكنه بعد أن أدركه الكبر اعتقد أن كل ما أخذه من علم لا نفع له، فندم على سنوات شبابه الذي أضاعها ولم يقضيها في متعته، فظهر له الشيطان)مفستوفيليس ( يقايض روحه وجسده على أن يمده بأربع وعشرين سنة وهو في شبابه، اقتنع (فاوست) بما عرض عليه الشيطان وقد مثل شخصية (فاوست) التي نسجت حوله الأساطير بأن الشيطان كان يرافقه على هيئة كلب أسود وظل مقترنا به حوالي أربع وعشرين سنة - كما ذكرنا - فمضى في سبيل الشر فقتل وفسق ووقع في كل رذيلة أمكنه فعلها، وفي هذه المسرحية عشق (فاوست) (مارجريت .. وتعرف أيضا باسم جريتشن)، وعندما عرض عليه الشيطان النساء رده ردا عنيفا قائلا بأنه لا يريد سوى (مارجريت) المرأة التي أحبها، وفي الخاتمة عندما أتى الشيطان ليأخذ حقه من الاتفاق في النهاية أتاه صوتا من السماء قائلا ((لن تفلح فيما تريد)) فمزقوه إربا وألقوا به فى الجحيم, ويكتب الخلاص لـ(فاوست ومارجريت ) . "
"إن (فاوست جوته) في قرار نفسه ممزق بين عالمين متناقضين هما قوى الخير والإيمان من جهة ومن جهة ثانية, قوى الشر ممثلة في الشيطان (ميفيستو) والرغبات والشهوة, وكما يمكن أن نتوقع, يميل (جوته) ببطله إلى الشهوات الآنية, وإلى أن يرجح الطرف الثاني في الرهان دون الإعلان عن أنه الطرف الشرير, لأن أحكام القيمة هنا غير محسومة بالنسبة له و لصالح أي طرف كان, ولذا كان العاجل الملموس يبدو طافحا على السطح أكثر من أي شيء آخر, وابتداء من إهداء المسرحية, الذي جاء في شكل قصيدة تسبق المقدمة, أما المقدمة نفسها (فهي عبارة عن حوار يتناول مصاعب المسرح, يدور بين الشاعر والمخرج المسرحي والمهرج، وتبدأ المسرحية بتمهيد أيضا تدور أحداثه في السماء, حيث نجد المخلوقات العلوية تتغنى بجمال العالم والوجود, ونجد الشيطان (ميفيستو) ينكي هذا الجمال بشدة, ويسخر من البشر ويعير (فاوست) بجشعه, ويؤذن للشيطان بإغواء (فاوست), وبسرعة ينقاد له ولشروره, وتزداد مأساته, وينغمس في الرذائل وتتوالى المشاهد, وحين يصل مرحلة اليأس من العالم والحياة يتدخل (مينفيستو) ويعرض عليه توقيع عقد معه, ومن ثم يأخذ بيده الى مباهج الحياة الحقيقية ويستمر الإغواء حين يستقبل الشيطان (ميفيستو) أحد الطلبة وينصحه لجميع أنواع الرذائل ويؤكد عليه أن يستمع إلى نصائحه كما فعل (فاوست), وينغمس الاثنان فيما نصح به الشيطان, ففي حانة ( أويرباخ بليبزيج ) تسمع بعض الأغاني يرافقها رقص رخيص مبتذل وجلسة عربدة ماجنة, ويبقى (فاوست) أثناء ذلك صامتا, ولكن (ميفيستو) ينخرط في أداء (أغنية البرغوث) ويملأ الأقداح, وفجأة يشل حركة الحاضرين, ويسقطهم صرعى للدلالة على قدراته الخارقة، ثم يبدأ شبح (هيلين) الجميلة يطارد (فاوست), كما يشغله خاصة مصير (مارجريريت), ويوبخ (ميفيستو) لأنه أخفى عنه حقيقتها, ومع تقدم السن به يحاول (فاوست) أن يثوب لرشده إذ نجده في الفصل الخامس يؤنب أيضا (ميفيستو) وثلاثة من جنوده ويعيرهم بما جمعوه من أموال وخيرات دنيوية من القرصنة والاحتيال, وفي تلك اللحظة بالذات نراه هو يقدم على نفس الرذيلة متمنيا الحصول على بيت (فيلمون) بنفس الطريقة ويستعين بالشيطان لتحقيق غايته، وفي النهاية يسقط (فاوست) ويأتي (ميفيستو) وأتباعه من الأشرار لأخذ روحه لكن المخلوقات العلوية الخيرة تسبقه اليها وترفع روحه عاليا إلى عالم الخير فوق العالم وبين الخيرين الذي يتغنون بالحب الأسمى وفي عالم السماء.."
وهذه النهاية السعيدة هي واحدة من أكثر عناصر مسرحية (جوته), لأنها تقدم لأول مرة نهاية ايجابية لهذه الشخصية التي جرت العادة على اعتبارها رمز الشر والسحر ومثالا لمن باع نفسه للشيطان وتخلى عن الفضائل لينال خسيس الرذائل, واستعاض عن الجواهر بالأعراض, وعن الحقيقة بزيف النفس وفسادها وفنائها الشهواني الخسيس، وهذه الرؤية المتفائلة الايجابية ما هو الا إعلانا من (جوته) تحمل عن قيمه الشخصية, خاصة اذ علمنا بأن حياته لها أوجه كثيرة من حياة (فاوست) كما رآها ورواها, وهي على النقيض تماما من رؤية الكاتب ((مارلو)) الذي كتب عن نفس الموضوع أي (فاوست) الذي كانت نهاية (فاوست) في مسرحيته بأيدي الشياطين ومصيره في العالم السفلي الشرير. 
ومع ذلك فان مسرحية (فاوست) لـ(جوته) تستحق الوقفة خاصة و أن (جوته) كتبها طيلة عقود عديدة كان يضيف اليها في كل مرة شيئا, حتى صدرت في خمسة فصول سنة 1808م, والفصول متفاوتة الطول تتعرض فيها مأساة (فاوست) من خلال ما يتجاذبه من عواطف وقيم بين (ميفيستو) الشيطان وعالم الحق والخير, ومحاولته الفكاك من ثلاث مآس متقاطعة الخيوط, أولها ((مأساة الرجل العالم)) حيث ان (فاوست) بعد أن سئم العلم اتجه إلى السحر, وقد أثبت جدارته, فبه ((استحضر روح الأرض)) كما أقنع تلميذه (فاجنر) ثم بقية الناس بخوارقه, وأيضا ((مأساة الحب العاصف)) الذي لا يعرف المنطق ولا القيم, وأخيرا (( مأساة الوجود الإنساني)) بصفة عامة .
وراوية (فاوست) او مسرحية (فاوست) بكل قياسات الأدبية هي رواية او مسرحية متعبة في القراءة لأن (جوته ) كان متعِبا في التفكير، هو يفكر بالجزئيات ثم يؤلف الحقائق الصغيرة عسى أن يصل إلى حقيقة كبيرة وقد يصل وقد لا يصل بسبب تشعب الأفكار وقلة عناية (جوته) بقراءة ما يكتبه سابقا، لذلك بدا التفكيك واضحا على الرواية او المسرحية، وكان تواصل الأجزاء بالعمل، عملا متعبا لـ(جوته) بسبب عدم مراجعة ما كان يكتبه، او تصحيح ما فاته، بقدر ما يتم ما يريد أضافه لاحقا ضننا منه انه لم يقله سابقا فجاء سبك الإحداث ضعيفا ولكن مع هذا التشعب والتفكك في الرواية او المسرحية تقرأ نصوص فتشعر أنك إزاء عمل عظيم أخرجته قريحة (جوته) المبدعة، فـ(فاوست) هي حقا واحدة من الأعمال التي تدفعنا إلى قراءتها لجمال كلماتها و روعة أفكارها، ملهمة فينا إحساسا جميل بقيمة الإنسان كانسان .
لذلك فالإنسان عند (جوته) يهزم اغترابه عن طريق التمرد و يرفض للانتحار ويتشبث بالوجود الإنساني، فالإنسان عند (جوته) يناضل وينتهي بالهزيمة ، ولكنه يهزم وهو يتشبث بطموح عظيم إلى الانتصار، ولعل هذا ما يبرز الدلالة الإنسانية فى (فاوست) .
ان (فاوست) عند (جوته) يسعى إلى امتلاك (المعرفة الإلهية) ليصير بها (اله)، انه يتمرد على أسباب اغترابه المتمثل في عجزه وقلة حيلته ومحدودية معرفته، ويفتش عن كمال إنسانيته المرتبط بكمال قدرته العلمية، لقد وضع (جوته) الإنسان بين الله والشيطان ، بتنازعه الخير والشر في معركة وجوده وكماله، وعلى الرغم من أن الإنسان ليس نزاعا نحو الخير أو الشر بالفطرة، بل يأتي هذا النزوع نتيجة لأسباب موضوعية وظروف اجتماعية ونفسية يمكن معرفتها ، فان (جوته) لا يتوقف أمام هذه القضية على نحو مباشر، بل يتجه إلى التأكيد أكثر على الرغبة العارمة في امتلاك المعرفة، بما يمكن أن يؤكد إلوهية الإنسان، حتى في لحظات الضعف والانكسار بما يفيد الرغبة فى التمرد على عقبات تقف عائقا أمام الطموح (اليوتوبى) في تحقيق الكمال الإنساني .
ان اهتمام الأدباء بشخصية (فاوست) الأسطورية والتي تعتبر شخصية (فاوست) واحدة من أبرز رموز الأدب الغربي الحديث والمعاصر فقد تم رسم صورة لهذه الشخصية اصطبغ شكلها بشكل معين لكل بلد من بلدان العالم ولكل حقبة بما يناسبهما, حيث تذهب معظم الروايات المتعلقة بحكاية (فاوست) إلى انه شخصية حقيقية, تحولت بفعل ألسنة الرواة, ومكائد السرد, لتصبح (أسطورة), وحين يؤمن الناس بإستراتيجية (الأساطير) في تسمية الأشياء, تصبح من وجهة نظرهم حقائق, ويسهل عليها بالتالي أن تمارس ذلك الانتهاك الجميل للخط الوهمي الفاصل بين التاريخ والأسطورة, على نحو ما قدر لـ(فاوست) أن يكون كشخصية نمطية في الأدب الغربي الحديث والمعاصر, وكبطل من أبطال الميثولوجيا, وكقناع أخفى وجوها كثيرة على خشبة المسرح والتاريخ، وطيلة القرون الخمسة الماضية اتخذ من (فاوست) بطلا لمئات القصص والحكايات الشعبية, كما قدم بطلا على خشبة المسرح بأشكال مختلفة منذ (مارلو) و( جوته) و(بول فاليري), ومع مرور الوقت رسخت الصورة حتى غدا (فاوست) شخصية نمطية ورمزا لحضارة الغرب, بكل أحلامها وانجازاتها وشرورها. 
و(فاوست) - كما قلنا - شخصية خرافة قديمة، لم يبتدعها (جوته) او(مارلو) او(بول فاليري) وآخرين, ، وإن اشتهرت بالكاتب ( جوته)، فهي خرافة خلاصتها " ..أن (فاوست) هذا ورث عمه، ثم أنفق إرثه في تعلم كل ما يمكن تعلمه في زمنه: الطب، الفلسفة، السحر، الدين، وكان أمله أن يصل إلى الحقيقة الكبرى التي تريح قلبه وعقله وضميره، ولكنه فشل في ذلك، وأشقته رغبته في الوصول إلى ما أسماه المعرفة الإلهية، فأقترف المعاصي، وأضاع ماله في شهوات الجسد، ثم ناهز الشيخوخة ولم يستنفذ رغبته في متاع من متعة وسرور، وهنا ظهر له الشيطان، ففاوضه على عمرا إضافي (أربعا وعشرين سنة) مقابل جسده وروحه بعد انقضاء المدة المتفق عليها، فقبل (فاوست)، وأعاد له الشيطان فتوته، فانطلق من جديد إلى سبل الشر فسقا وقتلا وغواية وجناية ورذيلة. 
فشخصية (( فاوست)) ولد في (ورتمبرج) بألمانيا حوالي 1480م وتوفي في مدينة بستوفن سنة 1540م, وكان محدثا لبقا ذكيا، مع أنه كان مشعوذ على قدر خارق من المعرفة بعلوم السحر والتنجيم, وقد سافر الى باريس وكراكوفيا للاستزادة غير انه بهر الجميع بطول يده في الطلاسم وقدرته على انجاز الخوارق, وكان الكيميائيون وقتها لا يزالون يبحثون عن (حجر الفلاسفة) الذي يحول الحجارة إلى ذهب, وكان السحرة يمارسون دورا موازيا لدور العلماء والمفكرين, لكن أحدا منهم لم يصل إلى درجة (فاوست), الذي أصبح بسرعة مضرب الأمثال ثم بطلا من أبطال الحكايات الشعبية في عموم أوروبا خلال القرن السادس عشر, فظهرت عشرات القصص عن خوارقه لتبتعد به إلى عالم الخيال, كما هي الحال مع معظم أبطال الحكايات, يزيد كل راوٍ على شخصياتهم مسحة من خياله, حتى ينتهي الأمر إلى أن يصبحوا مرتعا لجميع أنواع الممكنات والمستحيلات, ومتنفسا لمختلف الآمال والأحلام الجمعية.
بعد ان عاد ( فاوست) الى ورتمبرج غدا ساحرا عظيما, أبرم عقدا مع الشيطان, يجعل بموجبه قدراته السحرية غير محدودة, ويطلعه على أسرار وألغاز متعلقة بالمدينة والناس, على ألا يخالف هو للشيطان أمرا, وقد جاءت نتائج هذه الصفقة, كما يمكن أن نتوقع سريعة وفعالة, فقد تيسر لـ(فاوست) أن يسحر أعين الناس, وأن يعمل الكثير من الخوارق جعلت السحرة يذعنون له جميعا،
فقد استحضر (الاسكندر المقدوني) أمام (شارل الخامس), وأثار الضحك بخدعه, واصطحب ثلاثة أصدقاء نبلاء إلى الفضاء فوق ردائه, وابتز أموال بعضهم, وقام بألعاب سحرية بقصد تملق الآخرين, ودبر لأصدقائه طعاما فاخرا, وجلسات خليعة, وملاهي الكرنفال, وأظهر (هيلين) الأسطورية أمام الطلبة, ووبخ قرويا, وبإشارة قتل ساحرا وحين نصحه أحد الجيران بالتخلي عن السحر, ولان للنصيحة حضر الشيطان وأجبره على إبرام عقد إخلاص جديد, فعاد لغيه وزيف نفسه, وأسحاره وخدعه البصرية, مثل صرعه لبعض الحاضرين, وابتلاع النار وهنالك أمور مضحكة أخرى وحيل, وفي السنة الأخيرة من حياته أصبحت (هيلين) تلازمه, وأنجبت له ولدا, وفي آخرها تنازل (فاوست) عن أمواله وسحره لخادمه (فاجنر), ثم غمره الفزع والهم حين فكر بقرب وفاته, فراح يشكو بألم تشيعه سخرية الشيطان, ثم يدعو أصدقاءه وطلابه لتناول الطعام, ويخبرهم بعقده وقرب وفاته, ويعبر لهم عن ندمه الشديد, وتمر ليلة رهيبة على الساحر, وفي الصباح يعثر على جثته ممزقة إربا .. إربا, ولا يشك أحد في أن الشيطان هو من مزقها " .
انتهى (فاوست) هذه النهاية المفجعة, ومات ميتة تليق بالأشرار, لكن ما لم ينته, ما لم يمت هو الحكاية, فقد كان موته نقطة مولد شخصيته الأدبية, وبدأت تظهر عنه حكايات وسير شعبية منذ منتصف القرن السادس عشر, بعضها شفهي, والبعض الآخر مكتوب, وهي كثيرة يخطئوها العد, كما ازدهرت حكاياته في ألمانيا وأوروبا فأصبح بذلك رمزا على مستوى الوعي الجمعي الصاعد وقتها, وهنا تكمن المفارقة, لأن (فاوست) الخارج من معتقدات القرون الوسطى, المخلص للسحر والشعوذة واللاعقلانية, يفترض ألا يكون له مكان في القرن السادس عشر الذي عرف بداية العقلانية الحديثة, وظهور العلم والفكر الحديثين, ما يعني إلغاء كل ما له علاقة بالعصر القديم، وعلى العكس تماما, عرفت هذه الشخصية رواجا منقطع النظير, ووصلت الأمور بالبعض إلى مقارنته بالساحر (سيمون) الشهير, وأكثر من ذلك قدر له اختراق حاجز الزمان والمكان معا, وفي وقت قياسي, فالأول نجده في مجموعة (حكايات أرفورت) المتعلقة بـ(فاوست), حيث يجعله الراوي ساحرا في ليبزيج يركب برميل خمر ضخم كما لو كان البرميل دابة, فيخرج به متدحرجا من القبو, أمام حانة أويرباخ الشهيرة بليبزيغ, ووجه المفارقة الزمنية بينه الكاتب (ريسكه), الذي أثبت أن هذه الحانة لم تبن طيلة حياة (فاوست), ولا حتى أثناء القرن الذي عاش بدايته, أما اختراقه للمكان فكان أيضا سريعا حيث خرج من حدود ألمانيا, فقد كان موضوعا لأعمال كثيرة في انجلترا كان من أبرزها كتاب ظهر بلندن سنة 1588م عنوانه (أسطورة شعرية) حياة وموت ( فاوستوس) الساحر العجيب، وقد كتب الشاعر (روتبيف) عن (فاوست) في فرنسا، ثم كتب عنها قبل (جوته) ملك النقاد عند الألمان (لسنغ)، ثم كتبها (جوته) بعدهما، ولما ظهرت ترجمة توصف بالأصالة لحكاية (فاوست) الشعبية الألمانية, ومن هذه الترجمة استلهم الشاعر الانجليزي (كريستوفر مارلو) مسرحيته ((القصة المفجعة للدكتور فاوستوس)) التي مثلت لأول مرة ما بين سنتي 1589ــ 1592م وهي من خمسة فصول, و(مارلو) يستحق وقفة خاصة, لأنه شاعر حالم, وكاتب مفعم بالعواطف الجامحة التي جعلته يؤلف شخصية (فاوست) خاصا به, سوداوي المزاج, منقادا وراء أحلام غير متحققة, ونزوات متقلبة, تماما مثل شخصية(مارلو) نفسه, ومثل معظم شخوص مسرحياته (يهودي مالطة) و(ادوارد الثاني) و(مذبحة برتلمي في باريس) وآخرها مسرحيته هذه (فاوست( لقد كان (كريستوفر مارلو) أحد أصدقاء (شكسبير) ومعاصريه الذين طويت روائعهم في مجاهل النسيان, وكانت موضوعات مسرحه قريبة بعض الشيء من نظيرتها عند (شكسبير), إلا انه مات مبكرا سنة 1593م في إحدى الحانات بعد أن طعن بخنجره اثر مشادة بينه وصديقه (انجرام), حول من يدفع الحساب, وقد أصر كل منهما أن يكون الدافع, وكانت هذه القتلة الشنيعة موضوع فضول واهتمام الباحثين أكثر من اهتمامهم بمسرح (مارلو) الراقي, المعبر بصدق عن روح ذلك العصر، وهي روح يمكن الحفر عنها في طبيعة بطله (فاوست) الذي هو (عاشق هائم بالجمال المثالي) بـ(هلين) كما كان في وسع شاعر من عصر النهضة أن يتصورها, ويتغنى بها, مستوحيا الملاحم والأساطير اليونانية القديمة, واستعادة (هيلين) من أساطير طروادة, والإشارة الى (هو ميروس) و (الاسكندر), كلها تعبر عن ايمان (مارلو) بأن عصره كان يتخذ الإغريق مثلا أعلى, ويسير على طريقتهم في عبادة الجمال، وهكذا نجد (فاوست - مارلو ) شخصية مادية لا تتورع عن الانغماس في الشهوات والاستهتار حتى في العالم الروحي كأن يلطم البابا على وجهه, وكأن يصر على التأكد من شخصية (هيلين) بشامة في ظهرها, ثم تلك القسوة التي قطع بها الشياطين جسد (فاوست) بعكس ما فعله (جوته) بـ(فاوست) .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق