]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(أيقظي الحياة من مرقدها): قصة حوارية

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2016-05-09 ، الوقت: 17:59:28
  • تقييم المقالة:

لمْ يكدْ يبلغُ من العمرِ 20 سنة، حتى طلع علينا بكتاباتٍ أدبيةٍ، وهو الذي يدرسُ الطبَّ أصلاً، ولا يدرسُ الأدبَ، لكن يبدو أنه شغوفٌ بالأدب، ومُهتمٌّ به، ومُحبٌّ أنْ يشاركَ فيه بنصيبٍ وإنتاجٍ، وقد أنتجَ هذا العام 2016 عملاً أدبيّاً سمَّاهُ (روايةً) بعنوان: (أيقظي الحياةَ من مرقدها).

وهو ليس بدْعاً في هذا الأمر، وليس منفرداً ووحيداً، ففي آداب العرب والعجم أيضاً، كثيرٌ من أعلام الأدب كانوا أطباءً، وكانوا رجال قانون أو علوم حقة، ويكفي أن نذكر "يوسف إدريس" (1991/1927)، و"نجيب الكيلاني" (1995/1931)، و"مصطفى محمود" (2009/1921)، و"علاء الأسواني" (1957/...)، و"أنطون تشيخوف" (1904/1860)، على سبيل المثال.

ومن منظوري البسيط، ورأيي الشخصي، أنَّ (أيقظي الحياة من مرقدِها) ليست (رواية) خالصةً، وليست (مسرحية) خالصةً، وإنما هي بين الرواية وبين المسرحية، وفي إمكاننا أنْ نطلقَ عليها اسم (مَسْرِواية)؛ إذْ رأينا أنَّ الفنَّينِ تداخلا فيها وامتزجا، وغلبَ عليها الحوارُ، أكثر من السَّرْدِ، وافتقرتْ إلى كثيرٍ من العناصر الضرورية لفنِّ الرواية، وهذا الأمر لا يَعيبُ العملَ، ولا يَقْدحُ في محاولةِ صاحب العمل، وقد يُحْسبُ له تميُّزاً، خاصة أنه ما زال في شرْخِ الشباب، وأنه يدرس الطبَّ أولاً، ويعشق الأدب بعد ذلك.

فنحن نشجعه على هذه المحاولة، ونقول له قد أتيتَ ما لم يأتِ به كثيرٌ منْ أقرانِكَ الذين يدْرُسونَ الأدبَ أولاَّ.

لذا، لا بأس أنْ نتغاضى عن تصنيفه لعملِه هذا في خانة الرواية، لأنَّ الروايةَ تحتملُ هذا الجُهدَ، وقد سبق أنْ كتبَ الروائيُّ والناقدُ المغربيُّ "محمد برادة" (1939/...)، «أن الرواية تسمح بأن تدخل في كيانها جميع أنواع الأجناس الأدبية سواء كانت أدبية أو خارج أدبية... وجميع تلك الأجناس (الأنواع) تدخل إلى الرواية تحمل إليها معها لغتها الخاصة».

ولعلَّ للكاتب الشاب أسباباً أخرى غير عِشْقه للأدب دفعته إلى وُلوجِ عالم الأدب، قد تكون أسباباً فنية أو نفسية، موضوعية أو ذاتية، ومن خلال الإهداء الذي استهلَّ به كتابَه يحلو لنا أنْ نستشفَّ بعضاً منها، ونعلنُ أنَّ منها: التَّحدِّي، وإثباتَ الذات، وتسجيلَ علامةٍ مُميزَّةٍ، وإقرارَ حُضورٍ قويٍّ، عند من عرفهم في وسطه الاجتماعي والعائلي، واختلط بهم في مناحي الحياة المختلفة، وأبرزها منْحى الدراسة، فبتجاوزِ الأبويْن اللذيْنِ خصَّهما بإهداءٍ رقيقٍ، هناك آخرون يُوجِّهُ لهم إهداءً قاسياً فيه بعضُ اللَّومِ والتقريع والسخرية والتحدي، منهم أصدقاء (لم يؤمنوا به)، ومنهم (التي أعطته صفْراً في امتحان التعبير والإنشاء)... أفَلا يُوافِقُني "عبد الحكيم هرواشي" على هذا الطَّرْحِ؟... ويعترفُ لنا بهذه الأسبابِ؟...

إنه (الصفر) الذي جعله ينتفضُ، ويثور ثورةً أدبية، ويقرأ كتباً ومراجع في الفلسفة والتصوف والفكر الإنساني، ويطلع على أعمال بعض المفكرين في العالم العرَبي والغرْبي معاً، ويفكر فيها، ويناقشها مع ذاته، ويتأمل ارتباطها بالواقع والناس، وهل هي نافعة أو ضارة، صالحة أو غير صالحة.

إننا نجد هذه الأفكار منبثَّةً في سطورِ الكتاب، ونسمعها تترددُ على لسانيْ البطلين (ميلاء وأوريئيل)، إضافة إلى شخصيات أخرى ثانويةٍ عابرةٍ، لكن جرت على لسانها أفكارٌ محددة (الشخصية نذير مثلاً).

وبسبب الكمِّ الهائل من الأفكار، التي استقاها "عبد الحكيم هرواشي" من ينابيع القراءة، وهي أفكارٌ مختلفة ومتباينة، باختلاف أصحابها الذين ينتمي بعضُهم إلى الشَّرقِ، وبعضهم الآخر إلى الغرْبِ، لم يجد أفضل من تقنية الحوار، يعرضُ بها هذه الأفكار، ويُناقشها، ويغربلها، ويقبلُ بعضها ويتبنَّاها، ويرفضُ بعضَها الآخر ويدحِّضُها، وكان هذا الحوارُ مسيطراً على (الرواية) سيطرة واضحةً، وذلك من خلال البطلين، اللذين هما مختلفين أيضاً، من حيث انتماؤهما القومي والعقائدي؛ فالبطلة فتاةٌ من الشَّرقِ، من لبنان بالتحديد، والبطل شابٌّ من الغرْبِ، وإنْ كان يزْعُمُ أنه يَهوديٌّ مغربيٌّ، لكن ثقافته، ولغته الأصلية، وقناعاته، مستمدةٌ من حضارة الغرب.

إنه الحوارُ الدّائمُ والثابتُ في سجلِّ العالم بين الشرق وبين الغرب، الذي بدأ بظهورِ الأنبياء، ونزول الكتب السماوية، واجتهادِ أتباع كلِّ رسولٍ والحواريين والمفسرين والعلماء التجريبيين والمتصوفين والمؤمنين والملحدين، منذ أقدم العصور إلى عصرنا هذا، ويبدو أنَّه لن ينتهي ما دام هناك صراعٌ أزليٌّ بين أبناء آدم، وتدافعٌ حتميٌّ بين إخوة قابيل وهابيل.

أقول بسبب طغيان الحوار، بدت الرواية كأنها مسرحية!.. لذا قلتُ إنَّ في إمكاننا أنْ نُطلقَ عليها (مَسْرِواية).. و(المَسْرِواية) هي شكلٌ أدبيٌّ تتراوح فيها الصيغتان المسرحية والسردية، وتتواليان، ويتراجعُ فيه السَّردُ لحسابِ الحوارِ، وهذا ما نلْمَسُه بقوةٍ في (أيقظي الحياة من مرقدها).

وبما أنَّ فنَّ المسرحِ يعتمدُ على تقنياتٍ خاصة، ويُوظفُ إلى جانب الحوار شروطاً فنيةً أخرى ضرورية، تختلف تماماً عن الرواية، فقد يرفضُ البعضُ هذا التداخل بين الجنسين الأدبيين، ويُصِرُّ على استقلال كلِّ واحدٍ منهما عن الآخر، ويطالبنا، أو يطالب المؤلفَ، بتصنيفٍ مُركَّزٍ، لذا نقول لهؤلاء، إنَّ هذا العمل الذي بين أيدينا، هو (قصة حواريَّة)، فالقصة كما قلتُ تعتمد كثيراً على الحوار في عرْضِ الأفكار والمواقف، ولنا نماذج من هذا النوع من القصص في إبداع "نجيب محفوظ" (2006/1911)، منها (اللص والكلاب) وغيرها من الأعمال، حيث وردَ في كتاب (قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ) للدكتور "نبيل راغب" (1940/...) أنَّ «ملاحظة الكمِّ الهائلِ منَ الأفكار والرُّؤى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ضمَّنَها في ثنايا رواياته، حتى أنها كانت عِبْئاً ذهنيّاً ثقيلاً على بِنْية العملِ الروائي، مِمَّا دفعَ الدَّارسين إلى وَضْعِها في إطارٍ خاصٍّ ينْحو نَحو التشكيل الدَّرامي، وقدْ عدَّهُ بَعْضُ الدارسين اتّجاهاً مُميزاً في الرواية العربية، في حين عدَّهُ الآخرون خُروجاً مُبكِّراً لمحفوظ من عالم الرواية».

أعودُ فأقول بما أنَّ صاحبَ العملِ ما زال في شرْخ الشبابِ، وأنه جاءَ إلى عالم الأدب من عالمِ الطبِّ، فلا بأس علينا من تقبُّلِ مُحاولته هذه، واستقبالها استقبالا حسناً، وأنْ نَعُدَّها تميزاً له، ودُخولاً مُبكِّراً في عالم الرواية، ونرجو أنْ يتطوَّرَ فيه، ويتقدَّمَ، وذلك بالاطلاع على نماذجَ كثيرةٍ من الروايات والقصص، ولا يكتفي بالكتب الفكرية والفلسفية فقط، ـ فمن أرادَ أنْ يُصبحَ روائيّاً عليه أن يَبيتَ مع الرِّوايات ـ.

أقول لك هذا الكلام لأنه انتابني تخمينٌ أنك لمْ تقرأ كثيراً من الروايات، في حين أنك قرأتَ كثيراً من الكتب الفكرية والعلمية، وأنَّ لديك حماساً لكتابة الرواية، فاعلمْ أنَّ الرواياتَ نفسَها تمنحُ قارئَها عوالمَ غنيَّةً بتفاصيل الحياة،  ونماذج مختلفة من البشر، مثل أي موْسوعَة أو مُتحفٍ، كما قال الروائيُّ التركيُّ "أورهان باموق" (1952/...) في كتابه البديعِ: (الروائي الساذج والحساس). وإلى جانب ذلك تكسبُ الأسلوب، وتقنية كتابة الرواية، والمَهارةَ الفنية للتعامل مع الأحداث والشخصيات والزمن والمكان والحبكة والعقدة والبداية والنهاية، والسير بالقارئ في دُروبٍ مُحيِّرةٍ، مُدْهشةٍ، مُمْتعةٍ، ومُفيدةٍ.

وبذلك تحصلُ على درجاتٍ أعْلى، وتُبيِّنُ للنَّمطيين ـ كما سطَّرْت في كلمةِ إهدائك ـ أنَّ التي (أعطتْك صفراً في امتحان التعبير والإنشاء) لمْ تجْنِ عليك، بل منحتك قبساً من نار الأدب، أيقظتْ حياتَك مِنْ مرْقدِها.

ما أحلى نار الأدب!!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق