]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تمثال الحرية (قصه قصيره)

بواسطة: Ahmed Hassan Bakir  |  بتاريخ: 2016-05-04 ، الوقت: 10:38:25
  • تقييم المقالة:

لم أفهم سبب التغير المفاجيء الذي طرأ على نبرات صوت وتعبيرات وجه صاحبي االفنان !!.. لقد استقبلته البارحه بمطار بلدتنا بصعيد مصر وهو قادم من فرنسا لقضاء عطلته الصيفيه  بين الأهل والأحباب ..كان وجهه متهللا فرحا مستبشرا فزيارته تلك المرة ليست كسابقاتها من الزيارات فالبلدة تحتفل بالثورة المجيده التي حدثت  مؤخرا والتي طالما حلم بها في شبابه .. ثورة الحريه والديمقراطيه على حد تعبيره ..

وصاحبي  يعمل بفرنسا كفنان تشكيلي يحترف النحت وصناعة التماثيل ....تربينا سويا وتصاحبنا طيلة فترة الصبا والشباب .. تزاملنا في نفس المدرسة الإبتدائيه والإعداديه والثانويه والتحقنا بنفس الجامعه وبالرغم من تقارب مجموع كل منا في الثانوية العامه إلا أنه اختار كلية الفنون الجميله لميوله الفنيه  واخترت أنا كلية الطب .. ولفرق سنوات الدراسه بين كلية الفنون وكلية الطب فقد سبقني في التخرج بثلاث سنوات كان يعد خلالها الدقائق والثواني كل يوم منتظرا الحصول على تأشيرة لفرنسا حتى يتاح له فرصة استكمال دراسته والعمل بها .. كان لا يكف منذ تخرجه عن لعن أحوال البلاد والعباد ويرى دوما أن بلادنا لا تقدر فنه ولا موهبته .. وأن الناس لا تفهم قيمة فن النحت وصناعة التماثيل ناهيك عن تحريمها .. كنت أعلم برغم كل ذلك أن من داخله عشق لا حدود له لوطنه لكن عقله لا يفهم هذا الوطن ولا يستطيع احتواء تركيبة الناس فيه  تماما كطفل صغير يسب أمه في سريرته باكيا كلما حرمته من شراء حلوى يشتهيها أو لعبه يشتاق اليها  فلا يفهم لذلك المنع سببا لكنه يعود كل ليلة لينام في أحضان تلك الأم القاسيه في قراراتها الحانيه في أحضانها .. كنت واثقا أن كل تلك اللعنات والدعوات بالهجره التي يشتعل بها لسانه إنما هي من وراء قلبه .. وهذا ما تأكد لي طيلة السنوات العشر الماضيه منذ أن هاجر الى فرنسا وهو دائم السؤال والحنين الى مصر وأهل مصر .. كان كلما أتى لزيارتنا تبدى الحنين إلى تراب مصر في نظراته وكلماته بيد أن ذلك الحنين كان يتبخر في أواخر فترة الزياره بعد أن يصطدم كل مرة بواقع مرير يزداد رجعية وتخلفا أو هكذا كان يشعر كل مرة .. حاولت مرار أن أقنعه أن الفنان الحقيقي هو من يتفهم عقلية أهله وتاريخ بلده حتى يشاركهم معاناتهم الحقيقه فيستطيع التعبير عنهم لا عن نفسه ومعاناته .. لكن كل محاولاتي تلك دوما ماكانت تبوء بالفشل وأحيانا بالمشاجرة بيننا بعد أن يكيل لي الإتهام بأني وأمثالي من المتعلمين - ممن لا يقدرون الفن وأهله - من أهم أسباب الرجعيه والتخلف وأكيل أنا الاتهام له بالرغبة في التحرر والإنفلات..

المهم أعود إلى تساؤلي عن سبب التغير المفاجيء الذي طرأ على ملامحه عندما فتح لي باب منزل شقيقته  الوحيده والتي اعتاد أن يقيم عندها خلال أجازته الصيفيه خاصة بعد وفاة والديه .. فقد كنت معه على موعد للذهاب إلى قصر ثقافة بلدتنا لحضور احتفاليه بالثوره هو أحد المدعوين لها ..

كان وفق ما وعدني به ونحن بالمطار قد أحضر معه مفاجأة لقصر الثقافه بتلك المناسبه وهو ما أبلغت به على الفورالقائمين على الحفل - ففي مثل تلك الأخبار السعيده لا يُبَلٌ في فمي حبة فول - غير أني لا أعرف بعد ماهية المفاجأه ..

سألته وقد بدا قلبي يتوجس خيفة عما به .. خير ؟؟..لم يرد ونظر إلى الأرض في غضب وهو يسحب أنفاس دخان من لفافة تبغ ويشير لى بالدخول .. هو إذن غضبان لاحزين .. كنت اتوجس أن يكون ثمة شيء أصابه بالحزن .. لكن دخان التتبغ الخارج من فمه فائرا كأن فمه فد تحول الى فوهة بركان طمأنني بأنه في حالة غضب لا في حالة حزن وتلك عادته .. فهو بطبعه كثير الغضب ولو على أتفه الأسباب ..هو من ذلك النوع الذي لايعجبه العجب ولا الصيام في رجب

كررت سؤالي  بعد أن حوقلت .. ماذا بك خيرا إن شاء الله؟ ..

رفع رأسه ونظر الى الجدار المقابل لوجهه وهو ينفث دخان التبغ .. رد ممتعضا وهو يمط شفتيه :

- لا فائدة !!

-         لا فائدة من ماذا ؟ ألم تقم الثوره التي حلمت بها ؟ -         هل تذكر المفاجأه التي وعدت بها  قصر الثقافه في احتفال اليوم ؟ لقد دفنها ذلك العفريت في بطنه الصغير بعد أن ساحت من درجة الحرارة  .. وأشار بيده إلى ابن شقيقته  الطفل ذي السنوات الأربع والذي كان جالسا يلهو بلعبه وعلى وجنتي وجهه البريء آثار أكل شيكولاته!!! بدأت الحيرة تنهش رأسي .. وأردفت مذهولا : -         لا أفهمك عن أي شيء تتحدث .. ما علاقة المفاجأه بهذا الطفل البريء كيف دفنها ببطنه وكيف ساحت -         لقد نسيتها بحقيبتي منذ ليلة امس لم أراع فرق درجات الحراره بين باريس وصعيد مصر فساحت المفاجأه وأكلها ذلك العفريت -         كيف أكلها .. كأنك تتحدث عن قطعة شوكولاته ؟ -         نعم -         نعم ؟؟ .. هل المفاجأه التي وعدت بها قصر الثقافه في احتفالية كبيره يحضرها جمع من المثقفين ووجهاء البلد هي قطعة شوكولاته ؟؟؟ .. هل ظننت أنه حفل عيد ميلاد لطفل في المرحله الابتدائيه؟؟ وياترى الشوكولاته سويسري ولا .. قاطعني بلهجة حاده -         قطعة الشوكولاته هذه  ياجاهل هي رمز الحريه الحقيقيه .. الحريه من العادات والقيم والمعتقدات الباليه .. حرية الفن والتعبير والفكر والثقافه .. وهو مايجب على الثورة أن تستكمله إن كانت ثورة ناجحة بحق..قطعة الشوكولاته يادكتور هي تمثال الحرية الذي نلت عنه جائزة في المعرض الأخير بباريس بدأت الحيرة تنسحب من رأسي منجرفة أمام طوفان الضحك الذي انتباني وكدت أن أحبسه وأردفت قائلا :- -         آه فهمت إذن المفاجأه كانت عباره عن التمثال الذي فزت به بجائزه النحت في المعرض الاخير بباريس .. وهذا التمثال مصنوع من الشوكولاته؟؟ ولم الشوكولاته ؟؟ اه ربما لأن الحرية لذيذة المذاق كالشوكولاته  .. وطبعا حضرتك نسيت التمثال دون أن تحفظه بالثلاجة حتى ساح في حرارة الجو فاكتشفه  ذلك الطفل العفريت فأكله  ..برافو عليه ..هههههههه نظر لي وشرار الغضب يتطاير من عينيه وتمتم بصوت خفيض لكني اسمعه جيدا :- -         طبيعي أمثالك يأخذون الموضوع بشكل هزلي فأنت لا تقدر الفن ولن تقدره ولن تشعر بما بداخلي   رددت عليه والهدوء يشمل جوارحي وقد ذهب عني الضحك : -         أمثالي يقدرون الفن الذي يعبر عنهم وعن احتياجاتهم .. أما تماثيل الشوكولاته فأكلها عندنا أجدى نفعا ثم أردفت مداعبا : - لكن كم يبلغ حجم ذلك التمثال هل كان صغيرا إلى الحد الذي أمكن ذلك الطفل من أكله بالكامل ؟؟.. ألم يتبق منه شيء ؟ .. رد بامتعاض يشمل ملامحه :- -         أمثالك همٌ البطن عندهم يسبق همً العقل والتذوق -         لأن أمثالي يافيلسوف الغرب يعرفون أوجاع الناس الحقيقيه في البحث عن العيش قبل الحريه .. قل لي أي حرية تلك التي يبحث عنها الجائع إلا أن تكون الفوضى بعينها -         إذن أنت تراها ثورة جياع لا رمز للحرية فيها ولا هدف لها إلالقمة العيش .. ففيم كان الهتاف إذن عيش حريه عداله اجتماعيه إن كان الهدف هو العيش فقط؟ -         أنا لم أقل أن الهدف هو العيش فقط .. أمثالك لا يسمعون من الكلام إلا مايروق لهم لا مايطلبه الناس بحق.. أنا اقول وفقا للهتاف أن العيش أولا ثم تاتي بعده الحريه ..أنا لم أسافر مثلك ولم أترك الوطن .. وعشت بين الناس طبيبا وعايشت شكواهم وألامهم وأحلامهم الحقيقيه ..نحن نريد ثورة إنتاج في الزراعه والصناعه  تحررنا من قيود الغرب الذي انبهربتمثالك المأكول ..فلنتحرر أولا مما يفرضه علينا الغرب من تبعية له ثم لنتحرر بعدها من قيود الجهل والتخلف والظلم بكل أنواعه .. لقد أسقطت الثورة الحاكم الظالم وبقى أن نغير نحن ما بأنفسنا حتى يغير الله مابنا ..تلك هي الحريه الحقيقيه ياعزيزي التي نحتاجها والتي ستكفل لنا العداله بكل أشكالها وليست العداله الاجتماعيه فحسب .. أما الحريه التي تنادي أنت بها فهي في الحقيقه تحرر لا حريه .. تحرر من عادات وقيم نحاول جاهدين الحفاظ عليها  وتحاول أنت وأمثالك هدمها تحت اسم الفن وحرية التعبير والثقافه.. -         عدنا لدروشتك القديمه -         إنها ليست دروشه لكنها عين الواقع  .. الدروشه هي ان تغيب عن الواقع هائما بتمثال لايسمن ولا يغني من جوع .. تمثال لا يستطيع الصمود في أجواء بلادنا التي لا تناسبه ..تمثال يعبر عن حرية لا نريدها بل نعوذ بالله منها تسربت ضحكة ساخرة من بين شفتيه وهز رأسه باحباط :- -         هل صدقتني عندما قلت لك لا فائده ؟. أيقنت أن لا فائدة حقا معه في الحوار فأجبته منهيا حوارنا قبل أن يتطور كالعاده الى جدل عقيم يفسد للود بيننا كل قضيه -         نعم وأتفق معك مائه بالمائه .. لا فائده .. والآن هيا بنا الى قصر الثقافه  .. -         آسف لن أذهب فلتذهب أنت ولتبلغ إعتذاري عن الحضور للقائمين على الحفل .. لقد فقدت الرغبه في البقاء بالبلاد ولربما أنهى إجازتي في أسرع وقت ممكن للعوده إلى فرنسا بلد الحريه  بكل أشكالها.. نظرت إليه آسفا ولم أعقب .. ولم ألح عليه هذه المره لمراجعة قراره في استعجال العوده فقد شعرت أن ذلك هو الأسلم له فلربما لو مكث أكثر من ذلك لساح عقله كما ساح تمثاله فثمة عقول ماعادت تتناسب مع أجوائنا بعد أن تجمدت في أفكار الغرب البارده .. وهممت بالانصراف مودعا ومتمنيا له التوفيق والهداية لي وله .. لكني لم أنس قبل الإنصراف  أن أحمل ذلك الطفل العفريت لأقبله وأعانقه وأداعبه وأطمئنن على صحته وقد ساورني شك كطبيب على معدته الصغيره بعد أكل كم ليس بالقليل من الشوكولاته  وعبثا بحثت في يديه عن أي بقية لتمثال الشوكولاته فأنا من عشاق الشوكولاته أيضا إلا أن التمثال فيما يبدو قد التهمه ذلك الفم البريء عن أخره .

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق