]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

إنها ماكرة..لاتجعل العِصمة في يدِها

بواسطة: قريب قريب  |  بتاريخ: 2016-04-22 ، الوقت: 00:13:22
  • تقييم المقالة:

كوكبُنا الأزرق الجميل صارَ في قبضتِنا
صارَ كروياً أكثر، وأليفاً أكثر ، ورهنَ اشارتنا
بعد أن اجتاحتهُ ثورة التواصل والاتصالات
كما تجتاحُ الشمسُ الدافئة كل الأماكن ..
تحوَّلت خطوط الطول والعَرض شراييناً للربط الالكتروني والانساني
بعد أن كانت تقسِّـمُ العالمَ إلى مناطق معزولة متباعدة جغرافيا ..
ثورة الاتصالات وتقنية الساتالايت وغيرها
جعلونا أكثرَ شباباً ، بل وربما أكثر مراهقة ، وربما أكثر حَذراً
حيثُ التلاقي الحر مع الآخر المجهول ، في فضاء هذا العالم الممتد ..
قالَ لي أحدُهم " إنها رِجسٌ من عمل الشيطان ..
قلتُ في نفسي : بل إنها الشيطان ذاته ، ( ولكن ليست كل الشياطين قبيحة )..
..
أدهَشـَتنا في البداية تقنية البث الفضائي ونظام الساتالايت
والقمر الصناعي الدوَّار فوق رؤوسنا ليلَ نهار
حيث صارت كل الأماكن والزوايا مكشوفة ، وصديقـُنا الساتالايت
لايزال يُمطرُنا بما نشتهي من المَنِّ والسلوى ..
صرنا مُبَرمَجين حسب مواعيد البث الفضائي للبرامج الساقطة علينا من فوق..
نتعشـَّى قبل حلول ِ موعدِها ، ونشربُ الشاي على إيقاعِها ، وننامُ عند انتهائها
نعم إنها الأزمنة الحديثة التي بكى منها يوماً شارلي شابلن ..
..
لم تمهلـْنا عَجَلةُ الحضارة طويلاً ..
فبعدَ فترة دخل الانترنت علينا كالفاتحين..
ونـَصَبَ شبكته العنكبوتية فوق بيوتِنا ونوافذنا
حتى كادتْ أن تخنقـَنا وتحرمَنا من التنفس ..
الانترنت حوَّلَ دهشـتـَنا الأولى إلى ذهول ..
ذهولٌ عَقـَلَ ألسـنتـَنا وأصابَنا بهشاشةٍ في العِظام وبمرض الجلوس والبواسير
وحرَّكَ فينا أشياءَ كانت نائمة أو ضامرة ..
اليوم صارت القارات تتنفس معاً من رئةٍ واحدة ، وتنامُ على سرير ٍ واحد
تشابكتْ الرؤى والأفكار.. تعانقتْ واشتبَكتْ ، وعَلا ضجيجُها في هذا الفضاء الرحب..
..
كعادتنا نحن العرب كنا آخر الواصلين المتخلفين عن الركب
لذلك
أمسكـْنـا القافلة المسرعة من ذيلها
تجُرُّنا خلفها لابأس ، تشحَطـُنا لابأس ، مادمنا مبسوطين ومستمتعين ..
طبعاً التعميم يُفسِـدُ التقييم السليم ، لكن هناك سمة ٌعامة
تـُميِّزُ فرداً عن آخر ، ومجموعة ًعن أخرى ، وأمَّـة ً عن أمَّـة
في نمط العيش وفي استخدام الحداثة
ومنها طريقة استخدام التقنيات الخادمة للانسان
وأقربُها إلى حياتِنا ، تقنيات الاتصال والتواصل ..
..
ربما منطقتنا العربية اليوم هي الأكثر استخداماً لتلك التقنية
والأكثر تعرُّضاً لأشعـَّتِها الضارة ،لأننا كـُنا الأقل استفادة ً من ثمارها..
فهي سَلـَبـَتـْنا القدرة على التركيز والتمييز
فتاهَتْ أصابعُنا وهي تبحثُ عن الحروف والألوف
وعن الأماكن المناسبة وغير المناسبة ..
المواطن الياباني مثلاً يصرفُ من وقته ساعاتٍ طويلة على النت ووسائل الاتصال
ولكنكَ ترى معها مردوداً فكرياً خـَلا َّقـاً ، وصروحاً حضارية وانجاز
هو يدخل النت ، ويعرفُ كيف يسحبُ خيوط تلك الشبكة إلى ناحيته
ويعرفُ كيف يلفها حول اصبعه الصغير ..
في حين تسحـبـُنا خيوطـُها بعيداً بعيداً عن مَضاربـِنا ، لنـُضِّلَ الطريق..
فتقنية التواصل والاتصال الذي عهدناه ، كان الحَمام الزاجل
وإيقاد النيران في أعالي الجبال لنقل الرسائل ..
وعندما جائت ثورة الاتصالات المُذهلة ، أصابَتنا صدمة حضارية أفقدتنا التوازن
وأبعَدَتنا عن حَمامِنا الزاجل ، وعن جبالِنا ونيرانِنا وقهوتِنا والمضارب
ونقلتنا نقلة نوعية إلى عالم الوناسة الالكترونية
وغـُرف الدردشة المفروشة ، الخالية من النوافذ ..
..
إحصاءٌ بسيط لنوع المواقع العربية الالكترونية المنثورة على الشبكة كالرز
وعدد الفضائيات العربية الترانزيت التي تتوالد كالفطر كلَّ صباح على شاشاتِنا
تعطيك فكرة عن موقعنا الحضاري في هذا العالم ..
وأنَّ ثورة الاتصالات لم تجعلـْنا إلا أكثرَ استهلاكاً للوقت والسجائر..
فقد أدمَنـَّا الدخول من بابـِها الخلفي للأسف ، فلم نلمح وجهَها المُشرق بل قفاها..
..
مع دخول ثورة الاتصالات حياتنا بدأنا بالزعيق في هذا الفضاء الواسع
عسى أن يسمعَنا أحد ..
ربما هي ثورة المحرومين ..لكنها للأسف كشفتْ عوراتنا البنيوية أكثر فأكثر..
لقد أعطتنا مانحتاجه لسَــدِّ فراغاتِ أيامِنا ، وثقوبِ عَطالتِنا وبَطالتِنا ، وتفريغ ِشحناتِنا
وأعطتْ الآخرين مايستحقونه من وسائل التواصل الفكري والعلمي والانساني
فكانت خير صديق وخير مُعين ٍ لهم في بناء مجتمعاتهم ..

مع وسائل الاتصالات الحديثة ، صارت الدنيا غير دنيا
والانسان غير انسان ، ووقعَ كوكبُنا الأزرق أسيراً
في حضن تلك الساحرة العنكبوتية الماكرة ..
الكلُّ صارَ يريدُ اقتحام العالم بكبسة زر
الكل يحاول أن ينتقم .. من فترةِ قحطٍ وعُزلةٍ قد عاشها
فرضتها عليه المسافات والجغرافيا والسياسة
والتي عزلـَتهُ لزمن ٍطويل في حدودٍ ضيقة جداً ، قد لاتتعدى قريته أو مدينته..
..
مع ثورة الاتصالات الكلُّ بات يبحثُ عن ذاتهِ الضائعة..
عن شخصية ، عن هوية ، ولو افتراضية
يَعبـُرُ بها حدود هذا العالم دون جوازِ سفر ٍ أوطوابع
ودون أن تقبضَ عليه الشرطة بتهمة تجاوز المحظورات والحدود ..
عالمٌ حوَّلته فعلاً وسائل الاتصال ، إلى قريةٍ صغيرة وجيران كـُثـُر..
..
لكن ومن أفضال تلك الديكتاتورة الجميلة القابضة على الانسان
أنها ساهمَتْ في قـَطع ماتبقـَّى من الخيوط الأسرية الدافئة
فخلـَقتْ جُدراناً سَميكة بين أفراد الأسرة الواحدة
وأدخلـَتْ الناس في عزلة من نوع ٍ جديد ..
الإبن والبنت والزوج والزوجة ، كلٌّ في عالـَمِهِ وفضاءاتِهِ يسبح ..
باتَ الأبُ ينامُ قـَلـِقاً من موبايل ٍصغير يَرنُّ في جيبِ ابنتِهِ التلميذة أو ابنِهِ
فثورة الاتصالات جعَلتْ منهُ قنبلة موقوتة قد تنفجر في كلِّ حين ..

..
هي ثورة ٌ بكلِّ معنى الكلمة لاجدالَ في ذلك
لكنها ثورة بوجهين متناقضين
وجهُها المُشرق يحملُ مساحة كبيرة من الحريَّة والأفـُق واسع الطيف
كأنها ينبوعٌ لاينضب من الثقافة والمعرفة والتعبيرعن الذات
وإمكانية الولوج إلى عوالم واستكشافِ أنماط جديدة لم تكن متاحة ولامعروفة..
هي حرية وانطلاق وانعِتاق ، لكن دونَ انفلات أرجوكم (هكذا يجب أن تكون )
هي حرية في مخاطبة الأفكار ، ومعالجة الأحداث والاحاطة بها
والاطلاع على حياة ذلك الساكن في الطرف الآخر من العالم
وتضييق الفجوة بين الانسان والانسان ماأمكن .

أما عندما تتحوَّل تلك الوسائل الحديثة إلى آلة لاستهلاك الوقت والانسان
عندها نكون قد دخلـْنا مرحلة التبَعيَّة وربما العبودية التي لابراءَ منها
ولايختلفُ وقتها مُدمن النت أو الموبايل مثلاً ، عن مُدمن الكوكائين..


وحتى لاندَّعي المثاليَّة في استخدامِنا تلك التقنيات الحديثة
يجبُ أن نعترفَ أننا جميعاً كنا مبهورينَ بها ككلِّ شيءٍ جديد
ولاسيما في البدايات ، حيث مَرَرنا بمراحل عشوائية في استخدامِنا لها
وشيئاً فشيئاً أصبحَ تفاعلـُنا معها ، أكثرَ نضجاً وتوازناً
فلم يعد الدخول إلى تلك الشبكة العنكبوتية مثلاً للسياحة وتمضية الوقت
بل صار أكثرُ حرصاً وانتقائيَّة ً، عندَ تعاملِنا مع هذا الوافد الجديد ..

لكن المشكلة المُستحدثة ، ومع التطوُّر السريع لتقنيات الاتصال
أنكَ صِـرتَ تجدُ نفسَكَ أحياناً مُحاصراً بجاذبيتِها رغماً عنكَ
ففي السابق حينما كنتَ تأوي للفِراش وتـُطفىء جهاز الكمبيوتر
تضمن أنه لن يلحقَ بكَ إلى السرير ..
أما اليوم ، فالموبايل نت مثلاً ، باتَ يخترقُ خـُلواتـكَ في يقظتِكَ ومَنامِك
فلا حَرَجَ لديه في أن يسحبَكَ من غفوتِكَ اللذيذة
أو حتى في مشاركتِكَ أحلامِكَ السعيدة ، أو يشحطـَكَ من تحتِ لِحافك..
صارت التقنيَّة تتطفـَّلُ على الانسان وعلى تفاصيل ِ حياتِه الصغيرة ..
..
لكن لنعترف بعَظـَمة هذه المنجزات وفضلها على الأداء العالمي
ولنعترف بأهميتها ، التي قد تتجاوز أهمية اكتشافَ الكهرباء ..
فهي تستطيعُ أن تمنحَكَ الحرية والمعرفة والتواصل
إن أمسكـْتَ بلِجامِها ومَنـَعتـَها مِنَ الجموح
وستغدو بين يديك كالفرس الأصيل المنطلق نحوَ آفاق بعيدة ..
أما إن تركتـَها تسيطرُ عليك ، وتتملـَّكُ مَدارِكـَكَ ووقتـَك
ستصبحُ تقـنـيَّـتـُكَ الجديدة ، كالفرس الجامحة
والتي قد تمضي بكَ إلى الهاوية .. لاسمحَ الله ..
وتحرمُكَ من يومياتِكَ الجميلة ، وأوقاتِكَ الحميمة
ومن لحظاتِ التأمُّل والهدوء التي فقدناها ..
..
لقد حَلـَّت التقنيات الحديثة للأسف ومنها تقنيات الاتصال
محلَّ المُربي الفاضل والصديق الوفي ، ووضَعَتـْكَ عزيزي في سجن ٍانفرادي
وتطاوَلـَتْ وتطفـَّلتْ وتدخـَّلتْ حتى في مزاجكَ وفي حالتِكَ النفسية
وحالةِ مَن حولـِك من البائسين .
..
برغم ِ كلِّ ذلك ..سيبقى كوكبُنا الأزرق جميلاً
وستبقى التقنيَّة كالمدينة المتلألئة ، للناظرِ إليها من بعيد
أما الداخل إليها ، فيجدُها مليئة ً بالمتناقضات والأوجاع ..
المهم أن يبقى المفتاح بيدِكِ أيها الانسان
تعرفُ كيف تفتحُ بابَ تلك المدينة العجيبة ، ومتى تـُغلقـُهُ
لتمشي آمِناً في شوارعِها الواسعة
ولاتـَدَعْ ساحاتها الرَحبة تبتلعـُكَ
فتصبحُ مُتسَكـِّعاً على أرصِفـَتِها
بدلاً من أن تستمتعَ بأنوارِها وازدهارِها .

 

إنها ماكرة .. لاتجعل العِصمة في يدِها


..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • قريب قريب | 2016-04-24
    عزيزي روح العقل
    حتى الطبيعة اقتحمها الانسان
    وصارت الاشجار الباسقة أقصر
    والخمائل هجرتها الطيور الى الشقق والفيلات
    وأضحت الابقار تدرُّ الحليب على صوت الموسيقى
    والحقول الخضراء اضحتْ مليئة بالالغام والنار
    ومع ذلك لابدَّ ان تكون الطبيعة البكر التي تعشقها الروح
    ملاذاً آمناً لارواحنا المتعبة في نهاية المطاف
    للاسف التكنولوجيا حجبت بمَكرٍ فِطرتنا السليمة
    وشوَّهت أذواقـَنا وحاصرت لحظاتنا
    ألف شكر عزيزي حضورك الاخضر ومرورك العَطِر كالربيع
    دمتَ بخير روح العقل
  • روح العقل | 2016-04-24
    اعتقد ان العودة الى الطبيعة حل للانسان من هدا الضياع في عتمة النت ...انا ادعو الى تامل الطبيعة وخاصة في فصل الربيع حيث تتكثف العوالم طبيعيا...لقد انبهرنا بصنع الانسان ولم ننبهر بخلق الله الدي له ما في السموات والارض...ان في خلق السموات والارض اكبر من خلق الانسان وما بالك بالتقنيات الحديثة...الطبيعة نص مقدس مفتوح على قراءات عدة ...فيها الجمال والبراءة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق