]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

الانتحار و جنون المبدعين

بواسطة: فواد الكنجي  |  بتاريخ: 2016-04-19 ، الوقت: 02:20:28
  • تقييم المقالة:

                          الانتحار و جنون المبدعين    

فواد الكنجي

   الهام (المبدع) هي المشاعر وأحاسيس التي تكمن في النفس وترافق خطوط (الإبداع) التي تفرز من مخيلة المبدع في العمل الإبداعي أدبا كان او فنا،  سواءكان بالوعي او اللاوعي، نتيجة تأثر بظاهرة ما، فيتم تركيز النظر على مختلف زوايا الموضوع  ليطرح كعمل إبداعي وفق الدوافع العقلية والنفسية،  ومن زاوية معينه وفق تحليل خاص وبما يثير حوله من شكوك و تساؤلات بشكل مستمر، والتي يترتب عنها  القدرة على تكوين و تركيب وخلق وتأليف شيء جديد، حيث يقوم المبدع، وعبر الخيال والخبرة والمعرفة تطوير أدواته التعبيرية بما توازي الرغبات النفسية ليتم تفريغ شحناتها والانفعالات عبر (التخيل) التي تعتبر منشأ العملية الإبداعية لتفريغ كل شحنات النفس الداخلية بما تنسجم مع المكون المبدع بين العقل والانا . فـ( الإلهام ) هو الذي يحفز المبدع للإبداع بطبيعة الملكة النفسية له والتي تدفعه على التمرد من الواقع ويسعى نحو التجديد لتأكيد دوره ووجوده بطبيعته المتأملة والتي تمعن في مظاهر المحيطة حوله وتدقق في جوهر الأشياء حسب قدرته على تدوين الصور ورسم الأفكار، فهو غالبا ما ينظر إلى الأشياء بنظرة مختلفة عما ينظر الآخرين إلى نفس الأشياء (فهم) قد يعتبرونها أشياء عادية لا تستحق الوقوف عندها، بينما نرى هذه الصورة (عنده) شيء مختلف فيضخم منها صور وأفكار ومواضيع.  بهذا المعنى فإن (الإبداع) هو انفجار خارج من الأعماق، إنه ولادة تجيء بعد مخاض عنيف وخطير في النفس، وهكذا يستعيد (المبدع) توازنه لفترة من الزمن، وذلك قبل أن يدخل في دورة تأزمية جديدة تنحل و تحل أيضا عن طريق (إبداع جديد) وهكذا دواليك تدور العملية الإبداعية دايلكتيكيا . فـ(المبدع) له سلوكيات تشذ عن المفهوم العام لطبيعة الأشكال، فهو يجمع ويربط الأشياء بترتيب لا منطقي ليخلق منها تراكيب منطقية، يصور الحقيقة وكأنها خيال ويحول الخيال إلى حقيقة، يستوعب شتات الأفكار ويرتبها بنسق ليلفت الأنظار إليها، ويتفنن في تغيير قوالب الألفاظ وتشكيل الألوان، فهو يمضي قدما نحو الإيجابية ونحو خدمة الحياة وتذوقها، يتلذذ بشتى صنوف المعرفة ويأخذ منها ما يشاء فيصوغ مواضيع منها بترتيب وزوايا أخرى تارة يحسن ترتيبها وتارة أخرى يواجه مباضع العبث فيها،  فهو يعم من اجل ان يحرر الشخصية من أزمتها الداخلية أو من تناقضاتها الحادة والتي تبدو عصية على تجاوزها في الحالات العادية. وهذا الخاصية في التركيبة النفسية للمبدع، واستعداده النفسي، وحب الخروج عن المألوف، ونقد العادات والتقاليد السائدة في المجتمع، والتمرد عليها، هي السمات التي لا يتقبلها المجتمع باعتبارها نوع من الشذوذ وتمرد عن المألوف وهذا اللا قبول من الآخرين لهؤلاء المبدعين قد تمر عليهم وقتا طويل لحين إن يتم فهم أطروحات واعتراف بهم، وهذا ما يجعل المبدع يشعر بالإحباط مستمر ويلاقون صعوبة في تعامل مع محيطهم، لذلك يشعر المبدع بالإحباط  على طول مشواره الإبداعي، فهو من جهة يرفض مجارات الوقع ويريد التمرد عليه لتغيره دون استسلام، ومن جهة أخرى فان ما في داخله من قوة تدفعه لاستمرار بعناد مهما كلفة الأمر ومن هنا فهو لا يبالي بتصرفاته بقدر ما يهم تحقيق ما يصبو إليه وهذا ما يجعله في غاية التوتر ويشعر بالمعانات واضطرابات نفسية شديدة تظهر على سلوكه ولهذا تجد المبدعين شددي الرغبة بالوحدة والعزلة والاستقلالية الشخصية وهذه العزلة والوحدة تأتي من أجل التفرغ لإبداعهم وإنتاجهم، بكون المبدع لا يستطيع التفكير والتأمل وسط زحمة الشارع أو في وسط صخب العائلة والأطفال، لذلك فان اغلب (المبدعين) يحبون الوحدة والعزلة ليتفرغوا لمشاعرهم وتأملاتهم وأفكارهم، فهناك في ذاتهم رغبات أنية و مزاجية متقلبة، فتجدهم  تارة يرغبون الدخول وسط زحام الجماهير في الأسواق والشوارع والأندية الليلية ومضاجعة النساء والسكر والعربدة، وتارة تأمل والسير لوحدهم في طرقات ولساعات طويلة والإدمان على التدخين او شرب القهوة  وهذه هي طبيعة المزاجية المعروفة لدى (المبدعين) لتعويض عن نقص ما في الشخصية أو البحث عما هو بحاجة إليها إثناء تفكيره عما يريد التعبير، فلو أخذنا سلوكيات لبعض من (المبدعين) على سبيل المثال وليس الحصر، فان ما كان يقوم به (بلزاك) من تصرف كان أمره غير طبيعي بالنسبة للإنسان السوي، بينما عنده فأمره يختلف، فقد كان يسهر في الليل وينام في النهار، وهكذا كتب معظم مؤلفاته . إما ( مارسيل بروست) فقد عاش ومات عام 1922 ضمن ظروف بائسة فقد قضى حياته كلها في غرفة حقيرة لا تحتوي إلا على سرير وكرسي وثلاث طاولات فقط . اما (تشارلز ديكنز) فقد كان يغادر منزله وسط الظلام ويتيه في شوارع مدينة (لندن) كالمجنون قاطعا مسافات طويلة من دون أن يكون له أي هدف في هذه النزهة الليلية، وكان يدخل بيوت أصدقائه من نوافذها وهو يرتدي ملابس البحارة أو يرقص الرقصات التي تنسجم وأنغام الناي، وحين زار أميركا كان يرتدي الثياب المخملية القرمزية والخضراء اللامعة ويقوم بحركات مستهجنة نابية .  و ( فرانز كافكا ) كان يفرض على نفسه عادات عجيبة خوفا من المرض وكان يفرض على نفسه الاستحمام بالماء البارد جداً والمثلج، ويمتنع عن تناول الكثير من الأطعمة اللذيذة ويعاقب جسده معاقبة صارمة، وكل ذلك بسبب (العصاب ألهوسي) الذي يلاحقه والذي أدى إلى تفتح عبقريته على الرغم من كل شي . و (جورج ساند ) وهو الاسم المستعار لـ(أمانتين أورور لوسيل دوبان) الكاتبة الفرنسية المعروفة، والتي عاشت حياة متسكعة بين الأندية والملاهي الليلية والمغامرات الغرامية والتي لا تحصى خلال الفترة الممتدة من وفاة زوجها ( البارون دودفان ) إلى التقائها شاعر الغزل (ألفريد دوموسيه) من اجل تسجيل اكبر عدد من المضاجعات . و(شيللي) كان هذا الشاعر يعاني الهلوسة، ويدعي أن القيمة الفنية العالية يمكن الحصول عليها من خلال ذلك.  إما  عن (نيتشه) و (بودلير) و (جان بول سارتر)  فقد عرف عنهم تناول القهوة بشكل مسرف جدا وذلك من أجل إيقاظ وعيهم الإبداعي وتحريكه، فقد كانوا مدمني القهوة  بغية تنبه الأعصاب ليكونوا قادرين على الاستمرار في الكتابة . وأما (بودلير) فقد كان مدمنا في شرب الكحول بشكل مسرف وتعاطي المخدرات، وقد دفعت صحتهم ثمن ذلك غاليا.  اما( بلزاك) وقدرته الرهيبة على العمل خصوصا إثناء الليل، فقد كان يغلق النوافذ عليه من الساعة العاشرة مساء ثم يحضر كمية غير محددة من القهوة ويبتدئ الكتابة  وشرب القهوة حتى الصباح دون توقف، وهكذا كان يشتغل خمس عشرة ساعة يوميا، بعد أن يبتلع عشرات الفناجين من القهوة .  و( فلوبير) كان يجلس وراء طاولته من عشر إلى اثنتي عشرة ساعة يوميا  ويشرب كم هائل من القهوة لكي يستطيع أن يكتب رواية واحدد كل أربع أو خمس سنوات فقط، ومع هذا الجهد فانه لم يكتب الا خمس أو ست روايات طيلة حياته ومنها روايته (مدام بوفاري) رائعته الخالدة . اما (جان جاك روسو) فقد كان مصابا بعقدة الاضطهاد، وكان يعتقد أن هناك مؤامرة جهنمية تحاك ضده في كل مكان، وخصوصا في الفترة الثانية من حياته، وكان يشك حتى بأصدقائه من أمثال (ديادرو) و (هيوم) و (فولتير)،  بل ويقال بأنه كان يغير سكنه أكثر من مرة خوفا من ملاحقة وهمية، و كان يخشى البرق والرعد ويظن أن حدوثهما موجه ضده، وكان يظن أن كل إنسان في الوجود هو منافس له، فكان لا يأكل إلا الطعام الذي يجهزه بنفسه لأنه يخشى إذا أكل طعام طاهيته أن يكون أحد منافسيه قد أغراها ودس له السم فيه . و (شوبنهاور) فقد كان مصابا بجنون العظمة وعقدة الاضطهاد في آن واحد، وكان يعتقد بأنه ملاحق باستمرار دون أن يلاحقه أحد، ولم يكن أحد يستطيع أن ينزع من رأسه تلك الفكرة التي تقول بأن هناك مؤامرة كونية تحاك ضده من أجل القضاء عليه و على إبداعه الفلسفي، وكان ينتابه موجات هوس وهواجس القلق إلى درجة أنه كان يرفض أن يسكن في الطابق الثاني أو الثالث من البناية خشية أن يحصل حريق فيها فلا يستطيع القفز أو الهرب قبل فوات الأوان، وكان يحمل مسدسا معه باستمرار ويضع يده عليه مستنفرا ما إن يسمع ضجة خفيفة أو هبة ريح في الخارج باعتبار أن هناك دائما أشخاصا قادمين لاغتياله، يضاف إلى ذلك أنه كان يكتب أفكاره للوهلة الأولى باللغات الإغريقية واللاتينية بل وحتى السنسكريتية ويخبئها بين صفحات كتبه كي لا يقع عليها أحدهم ويسرقها منه، فقد كان يعتقد بان هناك من يحاول سرقة كتباته وينسبوها إلى أنفسهم، وكان يحقد على معاصره (هيجل ) حقدا شديدا لأنه نجح ولمع، في حين أنه هو بقي مجهولا طيلة حياته كلها .  فهذه السلوكيات لهؤلاء المبدعين أتت نتيجة شعورهم بالنقص وهذه التصرفات والأفعال الغير المعقولة جاءت نتيجة - وحسب تفسير علم النفس - لتعوض عن نقص وإحساس بعدم الاكتمال فيحاولون تصرف بشكل غريب إراديا او غير إراديا نتيجة تفاقم ضغط (العصاب) في نفوسهم،  بكون عملية البحث والتعويض دوافع تكمن في قوة المبدع لعدم الانهيار الداخلي والاستسلام واليأس بل تحويله إلى انتصار والى شيء ايجابي وهذه هي صورة إبداع المبدعين حينما يبذلون جهودا جبارة للتغلب على أنفسهم، لقهر العقد النفسية المتجذرة في أعماقهم، وهكذا يحولون السلب إلى إيجاب والجنون إلى الإبداع. بكون (المبدعين) يتميزون بالمزاجية وبتركيبة نفسية غير طبيعية لا يتعاملون مع الأخر بشكل اعتيادي بكون أفكارهم تسبق أي فعل مباشر يبادر منهم وهذا ما يفسره الكثير بكون شخصيتهم معقدة ولكن الحقيقة هي الاحتراس الشديد الذي يبدونه في تعامل مع الأخر ولاحتساب لكل فعل مهما كان حجمه ونوعه هي التي تجعل تعامل معهم صعبا لأنهم أناس يتعاملون بالمنطق وهذا ما يجعل شخصيتهم  معقدة غريبة الأطوار قلقة وحساسة إلى أقصى درجة قد تصل إلى حالة مرضية (بالمفهوم الطبي) ولكن سلوكهم هو سلوك عادي وطبيعي وهذا نوع من التصرف يسميه او يصنفه علم النفسية بـ(العصاب). فـ(العصاب)، هو اضطراب نفسي تتضافر في نفس المبدع عدة عوامل علي رأسها صراعات لاشعورية تبدو في صورة أعراض جسمية ونفسية ومنها القلق والوساوس والأفكار المتسلطة والمخاوف الشاذة واضطرابات جسمية وحركية وحسية من الاكتئابو الخوفو غياب الشعور بالعواطف والأحاسيس و غياب الاتزان النفسي والعاطفي و القلق والوساوس والشكوك التي لا أساس لها والحزن و الغضب و التشويش الذهني  وهذه المشاعر متعددة تعوقه عن ممارسة حياة سوية في المجتمع الذي يعيش فيه،  وهنا تكمن الحاجة النفسية لإفراغ ما يعوم في النفس وتسبب له هذه الإرهاصات بطريقة الإبداع في عمل أدبي او فني - فلا ريب - في أن العمل الإبداع ينقذ المبدع من مرض (العصاب) و يعيد إليه توازنهم،  فبالإرادة يمكنه التغلب على (العصاب) . فاغلب (المبدعين) يمرون بمرحلة (العصاب النفسي)، وما الإعمال الفنية والأدبية التي تزخر في تاريخ المعرفة البشرية الا وقد أتت من خلال ما عانوه (المبدعين) من حالات (العصاب) بهذا الشكل او ذاك، وبمستويات تتفاوت إعراضها وشدتها بين هذا المبدع و الأخر. فلو استعرضنا أسماء (المبدعين) وما أنتجوه وما تركوه من ارث  ثقافي، أدبي و فني هائل في تاريخ البشرية سندرك ما ثمن الإبداع الذي جاء على حساب معانات (المبدعين)  والاضطرابات النفسية التي عانوها طوال حياتهم  ونذكر على سبيل المثال لا الحصر: سقراط  و هولدرلين و بارثولوميوس و دنيس فونتانون و فليكس بلاتر و وتيموثي برايت و الشاعر جيرار دونيرفال و أنطونين أرتو و فان كوخ  و دو موباسان و فرويد و نيتشه و بودلير و رامبو و  أنطونين أرتو و ميشيل فوكو و لويس ألتوسير  و  لوتريامون و الشاعر سان جون بيرس و سارتر  و ديكارت  والشاعر الألماني الكبير نوفاليس و جوته و بلزاك و دارسون و فلوبير و مارسيل بروست و فرانز كافكا و شوبنهاور و جان جاك روسو و الموسيقار روبيرت شومان و أندريه بريتون و كونراد، وموباسان و همنجواي و  ألتوسير و البير كامو و بيتهوفن و  الرسام الفرنسي الشهير كلود مونيه و الفنان التشكيلي مازوشيا  و فيرجينيا وولف و الفيلسوف الفرنسي الكبير أوجست كونت و ديستويفسكي و الفيلسوف كيركغارد و  وبيرتون و سويفت و جونسون و كاوبر و ساوشي و شيلي  و بايرون و كامبل و جولد سميث و تشارلز لامب و لاندور و باسكال و شاتوربريان و جورج صاند و تاسو و ألفيري و إدجار آلان بو و  تشارلز ديكنز و وموتسارت و إرنست همنغواي وغيرهم الكثير -الكثير من المبدعين . وحينما نقرا سير حياة هؤلاء المبدعين فإننا نجد بان ما أنتجوه من الإعمال الأدبية والفنية العظيمة كانت سببا لتجاوزهم مرحلة (العصاب النفسي) الذي كانوا يعانون منه، لنتيقن في المطلق، بان إنتاجهم الإبداعي هو من كان يحررهم من العقد النفسية التي كانوا يعانون منها ويشفيهم، لذا كان إنتاجهم حافزا لهم يعطيهم ثقة  وراحة نفسية وينقذهم  وينجيهم من الانهيار ويحفزهم لاستمرار في الحياة والإنتاج الإعمال الإبداعية أدبا كان أو فننا  فهم بتكريس جل أوقاتهم  وحياتهم للأعمال الأدبية  والفنية ما هو الا لنتيجة ما يعانوه ورغبة لإفراغ ما في ذاتهم لتخفيف الضغط النفسي الذي يشعرون به ، ولولا نجاحهم في هذا المضمار لما كانوا أنتجوا إعمالا خالدة و  انجوا أنفسهم من مرض (العصاب)، وهذه هي حقيقة التي تجمع وتربط بين الإبداع  والجنون. وهنا قد يبادر في الذهن القاري سؤال وهو ان كان ما ينتجه المبدع يشفيهم من مرض (العصاب) و(الجنون) لماذا نجد الكثير من عمالقة الأدب والفن رغم إنتاجهم الإبداعي العظيم قد سقطوا صرعى لهذا (الجنون) الذي أودى بحياتهم بـ(الانتحار)،  ليصبح (الانتحار) سمة لنهاية مشوار الحياة لكثير من (المبدعين)، ولأمثلة عن ذلك كثيرة وسوف نأخذ منهم نماذج معينه ولكن ما يجب توضيحه لسؤال المطروح هو ان حالة (العصاب) التي تثور في أعماق النفس لهؤلاء (المبدعين) هي غير اعتيادية غم ما يتم إنتاجه كإفراز عن مكبوتات النفس، ولكن حينما تزداد الضغوط النفسية على (المبدعين) فانه بذلك يفقد السيطرة والتحكم على سلوكياتهم فإما ان ينتهي المطاف بهم في (المصحات العقلية ) وإما إن  يلجئوا إلى (الانتحار) لوضع حد على معاناتهم، نتيجة لعدم قدرتهم مجارات الواقع الذي يسخطون علية.  وعنهم اذ أخذنا على سبيل المثال وليس الحصر الفيلسوف (نيتشة) وهو من كبار الفلاسفة، ومع ذلك فقد جن بشكل كامل في أواخر حياته وظل أسير جنون كامل لمدة أحد عشر عاما حتى مات سنة1900، فـ(نيتشة) عان مرض (العصاب) وهو يحاول الكتابة إعمال كبيرة ومهمة ولكن مشكلة التي ضل يعاني منها هي ان المثقفين والقراء لم يعترفوا به إلا نفر قليل في حياته، وفي عام 1880 كان عمر نيتشه 36 سنة عندئذ ترك الجامعة بعد أن قدم استقالته وذهب لكي يعيش حياة التشرد والضياع على الطرقات والدروب منكبا في كتابة إعمال فلسفية مهمة، ولكن مزاجه كان دائما متقلبا وفكرة (الانتحار) كانت تلاحقه باستمرار، وقد اشتد تأزمه بعد أن فشل حبه الكبير للغادة الحسناء( لواندريا سالومي) ويبدو أنه قام بثلاث محاولات (انتحار) فاشلة عن طريق تجرع كميات ضخمة من سائل (الكلورال) ولكنه لم يمت، والغريب في الأمر أنه على أثر تلك الفترة بالذات راح يكتب رائعته الشهيرة( هكذا تكلم زرادشت)، ثم انفجرت شهرته في كل بقاع العالم بعد جنونه أو موته بوقت قصير، وكان قد تنبأ بذلك عندما قال جملته الشهيرة: ((البعض يولدون بعد موتهم، سوف يجيء يومي، ولكن لن أكون هنا ....! )) وهذا ما حصل له فعلا...! اما الفنان التشكيلي (فان كوخ)  فقد عاش حياته وهو يعاني سلسلة من الكوارث والهزائم النفسية حتى وصل إلى حافة الجنون، فقد ظلت حالات الهياج الجنوني تعاوده من حين لآخر حتى قام بقطع احد (آذنه) وربط رأسه المصاب ثم قدم (الأذن المقطوعة) في لفافة إلى حبيبته التي طلبت منه (أذنه) خلال إحدى مداعباتها له، وعندما عاد إلى بيته أغمى عليه ولم يفق إلا في المستشفى، وعندما استرد صحته طاردته أنظار أهل البلدة وصيحات أطفالها، فانهارت أعصابه ولم يجد أخوه سبيلا لتهدءته الا بنقله إلى مستشفى للأمراض العقلية بالقرب من (أرل) وهو المستشفى الذي مكث فيه عاما، وسمح له بالرسم فيه، فظهر في لوحاته بهذه المرحلة شيء من عنف نوبات الصرع التي تعرض لها، ولكن نوبات الصرع راحت تتوالى بانتظام عليه وسئم (فان كوخ) الحياة فخرج إلى حقل مجاور وأطلق على نفسه الرصاص ولكنه لم يمت على الفور حيث نقل إلى المستشفى الذي مات به بعد يومين وهو لم يتجاوز السابعة والثلاثين من عمره بعد أن رسم أكثر من (700 لوحة) وحوالي (1000 رسم) كتب بها اسمه في قائمة الخالدين وأصبحت لا تقدر بملايين الدولارات.. وهو الذي كان يعيش أياما بأكملها على رغيف خبز واحد...!     وهكذا عاش (فان كوخ) حياة قصيرة ومأساوية ومات فقيرا مغمورا ولم يبع في حياته سوى لوحة واحدة، لكن الهوس بأعماله جاء بعد موته. اما (بيتهوفن) فقد عاش حتى مماته حياة اكتأب شديدة وهو اليوم يعتبر من عمالقة الموسيقيين دون منافس، ولكنه لم يعش حياة هنيئة قط، فـ(بتهوفن) فقد حاسة السمع وسببت له عقدة نفسية حقيقية، وربما كانت هي الدافع التي فجرت إبداعه الموسيقي والذي جاء كتعويض عن نقص - كما يفسره التحليل النفسي- وقد كان الاكتئاب يطغي على حياته فقضى جل حياته وهو حزين ولم يضحك قط، وان صادف وان ضحك فإن ضحكته كانت بشعة، عنيفة، ناشز،  بما توحي لمن يسمع ضحكته بأن صاحب هذه الضحكة شخص مجون...! ولكن عندما تجيئه لحظة الإلهام، فإنه يخرج عن طوره وكأنه أصيب بمس من الجنون، فتراه يصرخ، ويتمتم، ويدندن، ويقضي وقته ذهابا وإيابا وهو في حالة من التوتر والهذيان،  لحين ان يخرج بتأليف قطعة موسيقية المنشودة، وهذا ما يفسره علم النفس بان هناك علاقة واضحة بين التوتر النفسي  وبين الإبداع، لذا جاء إبداع (بتهوفن) مكللا بنجاح باهر قل نظيره في العالم، في وقت الذي ظل الرجل أسير معانات لم يذق طعم نجاحه حتى وفاته  . اما  (بودلير) .. فقد مات أبوه وهو صغير، وكان متعلقا بأمه إلى درجة المرض، ولكن الكارثة حصلت عندما تزوجت أمه بعد فترة قصيرة فقط من موت والده، وهذا ما سبب له حزنا عميقا لم يستطع التخلص منه طيلة حياته، فقد ضن في قرار نفسه أن أمه سرقوها منه، وأنها خانته، ولم يعد يستطيع أن يتخيل أنها مع رجل آخر، وهذا ما تم تفسيره لاحقا بكون (بودلير) كان يعاني من عقدة (أوديب) التي تحدث عنها (فرويد)، وقد فكر(بودلير)  بـ(الانتحار) أكثر من مرة، بل وقام بمحاولة (انتحار) فاشلة عندما طعن نفسه بالة حادة، ومما قاله لأحد أصدقاءه عن ما يعانيه: (( أسوف أقتل نفسي غير آسف على الحياة   سوف انتحر لأني لم أعد قادرا على الحياة  لقد تعبت من النوم والاستيقاظ كل يوم  يا لها من عادة مملة رتيبة  أريد أن أنام مرة واحدة وإلى الأبد  سوف انتحر لأني أصبحت عالة على الآخرين  لأني أشكل خطرا حتى على نفسي   واني لسوف انتحر  لأني أعتقد بأني خالد ومليء باللا أمل...)) .   وعلى نحو ذلك فلو أخذنا الكاتبة الانجليزية (فيرجينيا وولف) التي (انتحرت) رغم أنها حققت نجاحا باهرا وذاقت طعم الشهرة في حياتها، ولكن ظلت طوال حياتها تفكر(بالانتحار) حيث كان الحزن والكآبة سمة طبائعها، وكانت تقول بأن حالتها تعود إلى شعورها بالذنب، ولكن لم تفصح قط بحق من اقترفت الذنب  ....؟ لم يعرف أحدا هذا السر إلى يومنا هذا ....! وعندما وصل تأزمها إلى ذروته، حاولت ( الانتحار) مرة أولى عام 1895 عن طريق إلقاء نفسها من النافذة،  ثم حاولت مرة ثانية عام 1913 عن طريق تناول السم، ثم حاولت مرة ثالثة عام 1941 (ونجحت ) عن طريق إلقاء نفسها في النهر والموت غرقا . وإذ أخذنا الموسيقار الألماني الشهير (روبيرت شومان) ففي يوم الاثنين بتاريخ 27 فبراير 1854 كان (شومان) جالسا مع أصدقائه في جلسة سمر في بيته، وفجأة يترك الزوار ويخرج بثيابه العادية، واعتقد أصدقاؤه عندئذ أنه خرج لحاجة ما وأنه سيعود بعد قليل، ولكنه في الواقع توجه مباشرة إلى نهر( الراين) وألقى بنفسه فيه رغبة في ( الانتحار) بعد أن وصل تأزمه إلى حده الأقصى، ولحسن حظه (أو لسوء حظه، لم نعد نعرف ) كان هناك صيادون بالقرب منه فانتشلوه وأنقذوه من الغرق. أما الكاتب الفرنسي الشهير( دو مو باسان ) فقد حاول (الانتحار) عام 1892 عندما أطبقت عليه الأفكار السوداء ووصل تأزمه إلى ذررته ولكنه لم ينجح، فاقتادوه إلى المصحة العقلية حيث مات بعد سنة من ذلك التاريخ، وهكذا دفع ثمن شهرته وإبداعه غاليا . و الفيلسوف الفرنسي الكبير( أوجست كونت)، مؤسس الفلسفة الوضعية، كان على حافة الجنون أكثر من مرة، وأنه حاول (الانتحار) عن طريق رمي نفسه في نهر (السين)، ولما كانت الوضعية تمثل قمة العقلانية في الغرب، فإن أحدا لم يتوقع أن يكون مؤسسها قد أصيب بالجنون أو بالانهيار النفسي، وهو دليل على أن العبقرية يمكن أن تخرج من رحم الجنون، بل وتنتصر على الجنون، ولولا أن (أوجست كونت) استطاع التوصل إلى بلورة فلسفته الوضعية وحظي بالإعجاب والتقدير من قبل معاصريه لكان قد انهار وجن جنونا كاملا . وأما (جوته) فعلى الرغم من الجنون الدوري الثقيل الذي كان يصيبه من حين إلى آخر، إلا أنه لم يقدم على (الانتحار) وإنما اكتفى بأن جعل بطل روايته الأولى ( آلام الشاب فيرتر) هو الذي ينتحر ليشفي غليله . فحالة القلق واليأس التي كانت سبب في انتحار المفكرين هي حقيقية ونذكر ما قاله ( البير كامو) فقد صرح لأحد أصدقائه المقربين أكثر من مرة بأنه يشعر بأن الخواء الداخلي يكتسحه كليا، وأنه ملي ء باليأس القاتل ولا يستبعد أن يلجأ إلى (الانتحار) لحل مشاكله، والواقع أنه مات في حادث سيارة على طريق ( ليون – باريس)، فهل كان ذلك انتحارا واعيا أم ماذا ....؟ رغم انا (البير كامو)  في كتابه ( أسطورة سيزيف ) يقول: " الانتحار، ليس حلا مناسبا أبدا، لأن قتل نفسك ينفي المشكلة فقط بدلا من حلها،  إذا الجواب يكمن في تقييد أنفسنا بالعبثية: أن نختار في حياتنا خيارات مفعمة بالعبثية، فبدلا من عزاء أنفسنا بالأمل في عالم أفضل، علينا أن نثور على محكوميتنا ونخلق فنا يعكس حالتنا الإنسانية.." . على الرغم من قتامه هذا المنظور، يقترح (كامو) نهاية مختلفة للأسطورة، عندما تتدحرج الصخرة وتهوي إلى قاع الجبل، يقترح (كامو) علينا أن نتخيل (سيزيف) سعيدا، بكونه يحقق ثورة ويخلق معنى داخل عقوبته العبثية . ومن ثم ان معانات (المبدعين) والضغوط النفسية التي ظلوا طوال حياتهم يعانون من وطئتها في عدم إمكانيتهم السيطرة على تصرفاتهم لكي يتصرفوا بشكل طبيعي هي التي قادتهم إلى (الجنون) و (الانتحار) والتصرف العبثي، متمردين على واقعهم ليعيشوا بحالة فوضوية غير معقولة، حيث التطرف واللا معقول، الأمر الذي قادهم إلى الانعطاف التام في الكتابة والتفنن في فنون الإبداع بشتى صنوف الفنون الإنسانية من العمارة .. و الموسيقى .. والرسم .. و النحت .. والشعر .. والرقص  والسينما، فأبحروا في فنون الأدب والفن والفلسفة كمطاف يفرغون كل شحناتهم النفسية التي ما انفكت من تطوق الخناق على نفوسهم وأجسادهم.  ومن هنا يمكننا القول بان لا يوجد (مبدع) إلا وكونه مصاب بـ(العصاب النفسي)  ولكن درجات المرضية هي التي تختلف من مبدع إلى أخر، وقد اثبت كل الدراسات النفسية هذا الأمر في دراسة معمقة لسير الذاتية للمبدعين، ولهذا نقرأ العجيب من وقائع لحياة هؤلاء المبدعين لدرجة التي نندهش فيها ونتعجب متسائلين هل من معقول الكاتب او الفنان ألفلان الفلاني والذي كتب إعمال رائعة انهي حياته في المصحات...! وهل الأخر قاده الضغط النفسي إلى (الانتحار) وهو في أوج شهرته ....؟ ومن خلال ما تم نشره من تلك الدراسات نستطيع إن نختار بعض ما ورد منها لأنه هناك  عدد من الشعراء والروائيين الذين أصيبوا بالجنون أو المرض العقلي  او الشذوذ بشكل جزئي مؤقت أو كلي  دائم لا يمكن ذكرها في هذه الأسطر القلائل، وهذا الكلام إن يقال لهؤلاء (المبدعين) لا يلغي إبداعهم أو عظمتهم بأي شكل من الإشكال، لان الثروة الأدبية والفنية وعلوم المعرفة التي تركوها لنا لا تقدر بالثمن، لأنها هي اللبنة الأساسية التي بنيت عليها حضارة الإنسان على هذا الكوكب، وما يذكر من كلام هنا وهناك، إنما يأتي في سياق التوضيح و لتسليط الضوء عن هذا الأمر ومن باب الاستشهاد وليس الحصر . فقد كتب الطبيب النفساني (مورو دوتور) دراسة تحليلية لشاعر(جيرار دونرفال) في عام 1859  الذي نشر آنذاك خبر (انتحاره) والذي فوجئ الكثير بهذا النبأ، مؤكدا بان سبب في إقدام الشاعر الكبير الى (الانتحار) يعود إلى كونه كان مصاب بتهيج هوسي نتيجة انفعاله الشديد إثناء كتابه الشعر فحالة الهوس الذي عاشه الشاعر (جيرار) وصلت إثناء إبداعه إلى أقصى حالات التهيج لدرجة التي لم يتمكن من السيطرة على تصرفاته فأقدم على (الانتحار) ليضع حدا لمعاناته ، فإشعار الشاعر (جيرار دونرفال)  لا أحد يستطيع أن ينكر عظمة شعره لمجرد أنه جن أو انتحر....! وعلى نحو ذلك، لا أحد يشك بعبقرية  (دوموباسان) الكاتب و الروائي الفرنسي الشهير والذي ولد عام 1850، وتوفي عام 1893 بعد أن قدم حوالي 300 أقصوصة، وسبع روايات، وعددا من حكايات السفر ومن اليوميات، ويعتبر وأحد من أشهر كتاب القصة القصيرة الحديثة، ومن أشهر قصصه (كرة الشحم، بيير وجان، بيل أمي(، ومن أهم قصصه القصيرة( العقد) و (الآنسة فيفي)، وكان موباسان يصاب بصداع وكان يتلوى ساعات من الألم حتى أصيب بالجنون سنة 1891 ومات في إحدى المصحات العقلية بعد أن انهارت قواه النفسية . وفي تاريخ الإبداع اليوم هنالك أسماء وقصص (انتحار) او (جنون ) المبدعين كثيرة وكثيرة جدا من (انتحار) فان كوخ و جو جان وشومان و تشايكوفسكي و جيرار دونيرفال و مايكوفسكي و بودلير و همنجواي و مونترلان و جي دوموباسان و فيرجينيا وولف و نيتشه و  إدغار ألان بو  و القائمة تطول بأسماء مبدعين تركوا ورائهم ثروة معرفية هائلة أتت على حساب مخاض عسير مع المعانات واليأس وصل إلى درجة لا تحتمل، ليكون (الانتحار) او (الجنون) نهاية مطافهم مع رحلة الإبداع . ومن هنا نستخلص حقيقة مفادها: بان (لا) إبداع دون ان يكون (مبدعه) وغز وغزة من وغزاة الحياة، ولو بحثنا عن سيره كل مبدع وما عناه وكيف عاش وكيف أنتج لاحتجنا مجلدات لذلك، ولكن ما يهمنا هو إنتاجهم وما تركوه ورائهم من أدب وفن وعلم ومعرفة أغنت ثقافة الإنسانية بذخيرة معرفية التي تركوها لنا والتي لا يمكن الاستغناء عنها بكونها هي بذور التي بلورة مفاهيم العصر  لتنموا وتتجذر لتجديد الحياة بعلوم المعرفة على الدوام  .  

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق