]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

من الأرشيف: ظاهرة الانحراف

بواسطة: Faraj Bouzaienne  |  بتاريخ: 2016-04-18 ، الوقت: 12:45:42
  • تقييم المقالة:

ظاهرة الانحراف

 

إن ظاهرة الانحراف لم يخلو منها مجتمع من المجتمعات على مدى العصور، لكنها تتفاوت من حيث حدتها من مجتمع إلى آخر، فكلما ازدهرت القيم الروحية في مجتمع ما إلا وانكمشت ظاهرة الانحراف وكلما تقلصت القيم الروحية وازدهرت القيم المادية إلا وطغت ظاهرة الانحراف، كما أن وسائل ونوعية الانحراف تختلف هي أيضاً من مجتمع إلى آخر، فمظاهر الانحراف في المجتمعات القديمة تختلف من مظاهر الانحراف في المجتمعات المعاصرة والمعقدة بما توصل إليه الإنسان من اكتشافات واختراعات فيها السيء والمفيد، كما أن دور الأسرة قد تقلص في مجتمعاتنا المعاصرة وهذا التقلص فرضته فرضاً عدة عوامل خارجية رغم إرادة الأسرة.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن ظاهرة الانحراف ليست خاصية من خصائص الشباب فقط وإنما تنسحب أيضاً على فئات أخرى من المجتمع ربما لم تصل بعد إلى مرحلة الشباب أو قد تجاوزت هذه المرحلة بعقود، لكن الباحثين الاجتماعيين والتربويين ركزوا دائماً في بحوثهم على ظاهرة الانحراف عند الشباب وذلك لما تمثله هذه الفترة من حساسية وأهمية خاصة في مثل هذا السن الذي يمثل مرحلة انتقالية ومصيرية في حياة الفرد، وكذلك لما تتطلبه من عناية خاصة.

وسعياً للمساهمة في هذا الموضوع الحساس ومن منطلق الغيرة على المجتمع الإسلامي الكبير بصفة عامة ومجتمع الإمارات بصفة خاصة، هذا المجتمع الذي ما زال الانحراف فيه حسب اعتقادي في بداية مراحله مقارنة بالمجتمعات العربية الأخرى، وأتقدم بهذا الرأي المتواضع بعدما اطلعت على ما جاء في ندوة المشكلات الاجتماعية في الإمارات والتي اختتمت أعمالها مساء يوم الخميس 6/12/1990م والتي نقلت وقائعها إلى القراء جريدة البيان في عددها 3823 الصادر يوم الجمعة 7/12/1990م وقد كان من ضمن ما تناولته موضوع ظاهرة انحراف الشباب.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه أولاً وبكل صراحة هل نحن فعلاً نريد معالجة ظاهرة الانحراف عند الشباب، أم نريد أن نكتب ونكتب بحوثاً وبحوثاً لنملأ بها صفحات الكتب والمجلدات لتجد هذه الأخيرة طريقها إلى أحد الرفوف بإحدى المكتبات؟

فإن كنا جادون فعلاً في ذلك يجب علينا عمل الكثير، وهنا يجب علينا أن لا نتوهم بأن البحوث والدراسات والندوات الاجتماعية هي كفيلة بحل مشكلات ظاهرة الانحراف عند الشباب ما لم تساندها سلطة تنفيذية عليا، وكذلك يجب أن لا نطمح إلى القضاء على هذه الظاهرة لأن ذلك هو ضرب من ضروب المثال، ولكن علينا أن نحاول حصرها والتقليل من حدتها.

وأسباب الانحراف عند الشباب من وجهة نظري تكاد تكون معلومة بداهة ولا تتطلب جهداً كبيراً في البحث والتمحيص وإنما تحتاج إلى حلول واضحة المعالم تشرف على تنفيذها سلطة عليا .. ولو عدنا إلى البحث عن أسباب هذه الظاهرة لوجدنا العديد من الأطراف مسؤولة عن ذلك مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة.

أولاً: الأسرة: لا ينكر أحد أن للأسرة دوراً هاماً في تربية النشء ولكن دورها تقلص شيئاً فشيئا حتى أصبح لا يكاد يذكر في مجتمعنا المعاصر وذلك رغم إرادتها، فظهور الوسائل السمعية والبصرية وما يمثله جانبها السيء من تأثير على الفرد والمجتمع وتعرض المجتمع الإماراتي لاحتواء الكم الهائل لفئات بشرية مختلفة الجنسيات والأجناس وما تمثله هذه الفئات من اختلاف في الديانات وبالأحرى في العادات والتقاليد والمستخفة في أغلبها بالقيم الأخلاقية التي يمثلها المجتمع المسلم كمجتمع الإمارات، فهذان العنصران نازعا الأسرة دورها في تربية النشء وجعلاها تفقد السيطرة تماماً على زمام الأمور إلا من رحم الله من الأسر المحصنة بدينها وأخلاقها والقادرة على إدارة أمورها ولا ننسى كذلك أن أمية أولياء الأمور من أب وأم تجعلهم غير واعين لفداحة الحالة وغير قادرين أيضاً على تربية أولادهم تربية سليمة وأضف إلى ذلك زواج الآباء من الأجنبيات وجلب الخدم والمربيات غير الملتزمين بعاداتنا وفتح أحضان بيوتنا لهم مع كل هذه العناصر الآنفة الذكر أضيف إليها سهولة انسياب المال إلى جيوب الشباب وعادة ما ينجر عن ذلك العديد من المآسي.

ثانياً: المؤسسات التربوية: لو تأملنا في دور المؤسسات التربوية قديماً وحديثاً لتبين لنا أن هذه المؤسسات فقدت الكثير من مميزاتها، فالمدارس التي تعتبر الحضن الثاني للطفل بعد الأسرة، والتي كان لها دور فعال في مواصلة تهذيب سلوك الطفل وترسيخ القيم والمثل العليا في ذهنه اضافة إلى المسؤولية التعليمية بدأت شيئاً فشيئا تفقد ذلك الدور التربوي نتيجة لما طرأ عليها من عوامل خارجية خارجة عن إرادتها كظهور البيداغوجيا ووسائل التعليم الحديثة والقيود الأدبية والمعنوية المفروضة في النظم التربوية أفقدت المربي دوره وأهميته في العملية التربوية مما انجر عليه استخفاف الطلبة بالتعليم والمعلمين وفيهم من تصل به الجرأة إلى حد الاستهتاروالتعدي اللفظي والمادي على المدرسين، اضف إلى ذلك فقدان ذلك الحماس للاقبال على التعليم ومرده يقين الطالب في الحصول على وظيفة بكل بساطة ويسر حتى في أسوأ الحالات وهي الطرد ونتيجة لما تقدم أصبح دور هذه المؤسسات مقتصراً في غالبه على الدور التعليمي البحت، مع الإشارة إلى وجود بعض المجهودات الفردية أو الجماعية الضيقة التي تحاول جاهدة رغم كل الظروف المحافظة على دورها التربوي ولكن ذلك غالباً ما ينسف من طرف الوسائل السمعية والبصرية ومما يحتويه الشارع من استخفاف بالأخلاق والعادات والتقاليد.

ثالثاً: الوسائل السمعية والبصرية: تتحمل هذه الوسائل نصيب الأسد في انتشار ظاهرة الانحراف عند الشباب وكذلك عند فئات أخرى من المجتمع وسوف أتحدث هنا عن عنصرين يختلفان من حيث الأهمية والانتشار والتأثير، وأولهما جهاز التلفزيون هذا الصندوق العجيب الذي احتل كل البيوت بمحض ارادتنا فأصبح له عشاق ومدمنون أغلبهم من الأطفال والشبان الذين يقضون معظم أوقاتهم متسمرين أمام شاشة التلفزيون إلى حد انعدام الإحساس عندهم بالمكان والزمان ما لم يوقظهم موقظ أو يقطع تركيزهم دخيل.

لا ننكر أن للتلفزيون نواحي إيجابية عديدة لو أحسن استغلاله، لكن النواحي السلبية طغت إلى حد يلفت الانتباه، فالمسلسلات والأفلام الوضيعة والمخلة بالآداب تكاد تسيطر على نصف فترة البث أو أكثر، وهي تتحدث في أغلبها في الحب والجنس والسرقة والاغتصاب وعن المخدرات والخيانة الزوجية والبحث عن اللذة الحرام، إضافة إلى ما تقدمه من إعلانات لا تكاد تخلو من حركات وايحاءات جنسية تخدش الحياء، وحتى بعض أفلام الكرتون لم تنج من ذلك، وكل ما تقدم يولد عند الشباب نوع من الثورة الحيوانية والكبت الجنسي مما يدفعهم للبحث عن طرق قذرة وغير شرعية للتنفيس عما يختمر في داخلهم من حرمان، وتختلف هذه الطرق باختلاف الأمزجة واختلاف مدى حدة المعاناة عند هؤلاء الشباب.

أما العنصر الثاني فهو المجلات والتي يتبع فيها أصحابها الأساليب الشرعية وغير الشرعية، همهم الوحيد العمل على توزيع أكبر عدد ممكن من النسخ وتحقيق أكبر قدر من الربح المادي، ولا يقلقهم ما ينشرونه على صفحات مجلاتهم من فضائح وصور عارية وسموم يبثونها في كيان المجتمع.

رابعاً: البيئة الثالثة أو ما يسمى بكل بساطة الشارع: إن تأثير الشارع على الفرد لا يقل أهمية عما تقدم لأنه يمثل للفرد واقع ملموس، يعيشه بكل ما فيه من ظواهر سيئة أو حسنة تؤثر على السلوك العام ولذلك ربما يعتبر الشارع أخطر عامل مؤثر في تربية الفرد.

وشارع المجتمع الإماراتي مثله كمثل أي شارع من شوارع دول الخليج بصفة عامة هو مزيج من مختلف الفئات والأجناس المتباينة في العادات والتقاليد والأديان وقد انجر عن هذا المزيج الاعتياد شيئاً فشيئا على رؤية المناظر الغريبة والتصرفات الشاذة من بعض الفئات الوافدة التي تعتبر تلك التصرفات أمور طبيعية؛ لأن المجتمعات التي عاشوا فيها لا تنكرعليهم مثل هذه السلوكات، وذلك انطلاقاً من مفهوم الحرية الفردية، بحيث النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات مألوفة في الأسواق والمحلات وفي الأماكن العامة، بل هناك من لا يخجل من المغازلة في وضح النهار أمام أنظار الناس لأنه يعتقد أن ذلك لا يمثل اعتداء على حرية غيره.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه هنا هو كيف نجابه تلك الثورة الجامحة المخيفة الكامنة داخل الشباب الذي غالباً ما تستهويه هذه الحرية الزائفة، وربما يصل به الاعتقاد بأنها تمثل الطريق السوي للفرد ودليلاً على تقدمه وتحضره، ما دامت ليست هناك قوانين تتصدى لمحاربة تصرفات هؤلاء الفئات، فتحدثه نفسه بأنه هو أحق بهذه الحرية ما دام هو على أرض الوطن؟

وانطلاقاً من هذا الاعتقاد وبالإضافة إلى كل ما تقدم من عوامل ومؤثرات يصبح الشاب مذبذباً تتجاذبه التيارات المختلفة والمتناقضة فينشأ عنده الانحراف ويأتي بالسلوك الغريب الذي نؤاخذه عليه ويصبح متهماً وهو في واقع الأمر ضحية.

وللحد من ظاهرة الانحراف بصفة عامة وانحراف الشباب بصفة خاصة يجب اصدار قوانين واضحة وصارمة تعاقب كل فرد يسيء بملبس أو سلوك إلى عادات وتقاليد المجتمع الإماراتي المسلم، والعمل على مصادرة الأفلام والإعلانات التي تشيع الرذيلة، وكذلك المجلات التي لا تلتزم بنظافة المحتوى، ويتم تقييم ذلك انطلاقاً من منظور إسلامي بحت.

كما يجب كذلك التأكيد على مفهوم الرسالة المناطة بعهدة المؤسسات التربوية ووجوب دعمها من طرف أولي الأمر وأهل الاختصاص.

 

أرسل إلى جريدة البيان الإماراتية في: 9/12/1990م وأرسل أيضاً إلى مجلة الإصلاح، نشرته البيان على ثلاث حلقات كالتالي: (في عددها 3631 بتاريخ 15/12/1990: ظاهرة الانحراف ليست خاصة بالشباب فقط) – (في عددها 3834 بتاريخ 18/12/1990: الأسرة والمؤسسات التربوية الحالية – أطراف مسؤولة عما يحدث لبعض الشباب) – (وفي عددها 3835 بتاريخ: 19/12/1990: تأثير التلفزيون والشارع العام على الشباب)


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق