]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

من الأرشيف: إمبراطورية الكلام والورق

بواسطة: Faraj Bouzaienne  |  بتاريخ: 2016-04-18 ، الوقت: 11:14:50
  • تقييم المقالة:

إمبراطورية الكلام والورق

قامت أمريكا بالاعتداء على ليبيا، وهي دولة عربية مسلمة، ورجعت إلى قواعدها سالمة كما يقولون .. وجاء الرد الليبي متواضعاً دون مستوى التصريحات والتهديدات الرسمية التي وصلت إلى حد التهديد بضرب البيت الأبيض، أو تفجير إحدى قطع الأسطول السادس المرابطة قبالة المياه الإقليمية الليبية(1).

أما عن الردود الرسمية على الساحة العربية والإسلامية فحدث ولا حرج، حيث عجز البعض عن مجرد الاستنكار والتنديد، وأدان البعض الآخر وشجب بشدة العدوان الأمريكي.

ومن مهازل القدر أن نرى ردود فعل الدول الغربية جاءت أكثر فاعلية، حيث برهنت بما تفجر فيها من مظاهرات احتجاجاً على الغارات الغادرة، وعن تضامن لم يظهره العرب ولا الدول الإسلامية ..

ولما أرادت الشعوب العربية القيام بالمظاهرات احتجاجاً على العدوان الأمريكي الغادر قوبلت في بعض الدول بما لم يكن في الحسبان .. قوبلت بالهروات والأسلحة .. الأسلحة التي كان من المفروض أنها اشتريت لحمايتهم لا لتوجه إلى صدورهم، واحتمى العدو الغادر الذي قتل وشرد، بديارنا وبأسلحتنا التي اقتطع ثمنها من قوت شعوبنا .. (2)

يا له من منطق! هم يقتلوننا ونحن نحميهم ونوفر لهم الحياة الهنيئة .. شهامة وكرما لم يحدث مثلهما في تاريخ البشرية، ومنطق حضاري متقدم تجاوزت به الدول العربية والإسلامية التقدم التكنولوجي الغربي!

أما عن الدول العربية والإسلامية المعتدلة فإنها نادت بعقد قمة عربية طارئة للنظر في العدوان على ليبيا، والعمل على لم الشتات العربي، والوقوف صفاً واحداً في وجه العدو .. وقبل الاتفاق وقع الانشقاق المنتظر! ما الأمر يا عرب؟ اختلفنا حول جدول أعمال القمة الطارئة!! وكالعادة سخرت الوفود للاتصال أو المباحثات، ووصلت تقريباً إلى جميع الجهات، لا سعياً وراء عقد القمة، وإنما للاتفاق على جدول أعمالها ..

وبينما العرب في الانتظار اجتمعت أمريكا وأوروبا وضربوا الحصار .. الحصار الاقتصادي والدبلوماسي على ليبيا وبإجماع من دول السوق الأوروبية المشتركة .. وافقت هذه الدول على القرار الأمريكي .. وما يضيرها من ذلك ما دامت الدول العربية والإسلامية لم تتخذ ما من شأنه أن يعمل حساب لها ولردود فعلها.

وانتظرت وشدت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة آذان وأنظار الملايين من المسلمين، وجاءت المفاجآت بين انعقاد القمة وعدم انعقادها، بين الأمل وخيبة الأمل .. ومرت الأيام وتمخضت المشاورات عن خطوة جريئة تتمثل في الاتفاق على اجتماع وزراء الخارجية .. واجتمعوا .. واتفقوا ولأول مرة اتفقوا .. لا على عقد القمة بل على تأجيلها، أو قل على عدم عقدها. (3)

وضاع أمل الملايين من المسلمين بين إمبراطورية الكلام والورق، وابتلعت غصتها جافة، ودخلت قضية العدوان على ليبيا باب التاريخ، واستمرت دموع الثكالى واليتامى والمشردين في السقوط وجفت الدماء العربية على الأرض العربية دون أن يثأر لها .. وها هي أنظار العالم تتجه اليوم إلى سوريا، وتتوقع لها من حين لآخر ضربة شرسة من العدو الإسرائيلي وحليفته أمريكا .. فهل استعدت الدول العربية لذلك؟ أم أنها تنتظر العدوان لتندد وتستنكر من جديد؟ لست أدري، وإنما أقول ما قاله الشاعر: ناموا ولا تستيقظوا فما فاز إلا النوم ..

ولعلني بهذا أضيف ورقة إلى بناء إمبراطورية الكلام والورق التي تبنيها حولنا يومياً وسائل الإعلام.

 

(1) وقع العدوان على ليبيا في: 15/4/1986م – 25 طائرة أمريكية انطلقت من قواعد بريطانية وأغارت على طرابلس وبنغازي، وكان من بين الضحايا ابنة القذافي بالتبني، وقد أصيب أحد أولاده أيضاً.

(2) في مصر وتونس وقع قمع المتظاهرين – أما في أوروبا الغربية فقد عمت المظاهرات أغلب المدن فيها.

(3) وبالفعل لم تعقد القمة فيما بعد.

أرسل هذا المقال في 10/5/1986م ونشر بجريدة الخليج الإماراتية عدد 2585 بتاريخ 17/5/1986م


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق