]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المخاض

بواسطة: Faraj Bouzaienne  |  بتاريخ: 2016-04-17 ، الوقت: 19:31:16
  • تقييم المقالة:

المخاض

تحلقت العائلة حول مائدة الطعام ومد عبد الله يده إلى الإناء ورفع اللقمة إلى فمه، لكن يده تسمرت عندما وقع نظره على اليد اليمنى المبتورة لأخيه الأكبر، الذي كان يحاول الأكل بيده اليسرى وأحس عبد الله بألم شديد يعتصر جوفه فأعاد اللقمة إلى الإناء ومسح يده بالمنديل الملقى إلى جانبه، وانسحب متوجهاً إلى غرفة النوم.

استلقى عبد الله على فراشه وأغمض عينيه والألم لا يزال يعتصر جوفه وأخذ يستعيد الأحداث التي مرت بها عائلته، بترت يد أخيه الأكبر جابر في إحدى المصادماتمع الجنود الصهاينة، ولم ينس المنظر البشع للجنود وهم ينهالون على يد أخيه الممسكة بالحجر، ضرباً بأحذيتهم الخشنة، وبأعقاب البنادق حتى طحنوها طحناً، ومنذ ذلك اليوم أصبح يحس بالغثيان والألم كلما جلس إلى المائدة، ووقعت عيناه على يد أخيه المبتورة فهي تذكره بكل المصائب والنكبات التي ألحقها العدو الصهيوني بعائلته وعشيرته، قتلوا أباه المسكين في ليلة من الليالي عندما خرج يبحث عن الدواء لأخته التي كانت على فراش الموت، وقد كان الوقت متأخراً والتجول ممنوعاً ولكن عاطفة الأبوة دفعته إلى المغامرة بحياته من أجل إنقاذ حياتها، وعندما كان عائداً من الصيدلية بكيس الدواء، ظن الجنود الصهاينة أنه يحمل متفجرات ومن دون إنذار انطلق الرصاص الغادر من فوهات البنادق الآلية ليصيبه في القلب وأفاق الحي على صوت زخات الرصاص وتذكر حالة أمه المسكينة في تلك الليلة وهي تدخل عليهم غرفة نومهم لكي توقظهم، وتصيح فيهم: أبوكم يا أولادي، أبوكم... ولكن صوت الرصاص سبقها وأيقظ الجميع من النوم فسأل هو وأخوه أمهما في اضطراب عن الخبر فقالت لهما: لقد خرج أبوكما لجلب الدواء لأختكما وقلبي يحدثني أن مكروهاً وقع له، لقد منعته من الخروج ولكنه أبى ولم يستمع إليّ يا ساتر يا رب، يا ربي احفظه من كل مكروه كانت تبكي بحرقة وتذكر كيف وجد أباه ملقى على الأرض مضرجاً بدمائه ولقد تناثرت الأدوية إلى جانبه، والتف الجنود الصهاينة من حوله فصاح فيهم هو وأخوه جابر: أيها الأوغاد الجبناء أيها القتلة وهجما عليهم ولكن البنادق التي توجهت إلى صدريهما والطلقات التحذيرية أوقفتهما وكم أحسا ساعتها بالألم ومرارة العجز فانطلقت الدموع من عينيهما غزيرة .. وتوفي والدهما قبل أن يصل إلى المستشفى فأقسم أخوه جابر أن ينتقم لوالده، فبترت يده اليمنى وهدم اليهود نصف المنزل الذي كان يأويهم فبيت عبد الله في نفسه الانتقام.

وتذكّر الحالة التي مر بها في الأيام الماضية كلما استلقى على فراشه، أو انفرد بنفسه أو رأى الجنود الصهاينة في طريقه ازدادت رغبته في الانتقام من هؤلاء الذين اغتصبوا أرضهم وشتتوا شملهم ودنسوا عرضهم والحقوا بهم الويلات، وكم تمنى أن تكون له ألف روح وألف رشاش وألف مدفع والآلاف من القنابل فيقتل ويقتل آلاف المرات ولكنه عندما يتذكر قصور أخيه جابر عن العمل بسبب يده المقطوعة وحاجة أسرته إليه للكد عليها واعالتها، يشعر بالمرارة وتخبو رغبته في الانتقام شيئاً فشيئاً لكنها سرعان ما تطفو على فكره من جديد كلما جلس إلى مائدة الطعام ورأى يد أخيه جابر المبتورة فيشتعل في قلبه لهيب الحقد والكراهية لهؤلاء اليهود الأنجاس وينمو في نفسه من جديد الشعور بضرورة التصدي لهم ومقاومتهم فتأخذه فورة الحماسة إلى عالم الخيال فيخطط في خياله آلاف الخطط وينفذ آلاف العمليات ولكنه عندما يعود إلى الواقع يسيطر عليه شعور الخوف على عائلته من الصهاينة الذين سينتقمون منها شر انتقام لو نفذ ما يدور في رأسه فتنطفئ أحلام الانتقام في نفسه ويسيطر عليه الشعور بالعجز.

أيام طويلة وقاسية مزقته فيها الأحاسيس بين الثورة والإحباط بين الرغبة الجامحة في الانتقام والخوف وتذكر فيما تذكر ذلك اليوم الذي وقعت فيه عيناه على المصحف والشعور الخفي الذي دفعه إلى قراءة القرآن وكيف شعر بالهدوء والطمأنينة يعودان إليه شيئاً فشيئاً وكيف كلما توغل في القراءة أحسب براحة لم يعهدها من قبل فكانت الآيات الكريمات بمثابة البلسم الشافي  لجراح نفسه المتعبة وكان كلما اعترضته آية من آيات الجهاد وقف عندها وتأملها ولكنه عندما مر بالآية الكريمة (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) استوقفته وتذكر كيف أخذ يرددها مراراً وتكراراً وقد أحدثت في نفسه تحولاً جذرياً فسيطرت عليه فكرة الجهاد في سبيل الله، ولم لا؟ فالجهاد في سبيل الله هدف سام وعظيم أسمى وأعظم من الانتقام بهدف الانتقام.

وتذكر كيف نمت عنده فكرة الجهاد شيئاً فشيئاً، حتى قتلت في نفسه الرغبة الذاتية المجردة في الانتقام وها هو اليوم قد طرح الفكرة على البعض من خيرة أصحابه الذين توسم فيهم الشجاعة والإقدام، فلاقت عندهم كل ترحيب، واتفقوا على اللقاء في المساء للتخطيط والتنفيذ مرت هذه الصور وكأنها شريط سينمائي في رأس عبد الله وهو مستلق على فراشه فزادت من الألم الذي اعتراه عندما وقعت عيناه على يد أخيه التي ذكرته بكل الأحداث الجسام التي عاشتها عائلته.

وفي المساء خرج عبد الله للقاء أصدقائه فوقعت عيناه على مجموعة من الجنود الصهاينة وقد التفوا حول إحدى الشابات وأمسك أحدهم بشعرها وأخذ يضربها بالهراوة التي كانت في يده فغلى الدم في رأس عبد الله وتقلصت كل أعضاء جسمه فعض على أسنانه وقذف برجله الحجر الملقى أمامه بكل قوة في اتجاه الجنود فطار الحجر في الفضاء وتدحرج بين أقدامهم فانتابهم الذعر والهلع فتركوا الفتاة وانطلقوا في إثر عبد الله وحاصروه في أحد الأماكن الضيقة وامتدت يد عبد الله إلى حجر وصوبه إلى رأس أحد الجنود وهو يهتف ويردد بأعلى صوته .. الله أكبر .. الله أكبر وصاح الجندي المصاب من الألم وسقط على الأرض مضرجاً بدمائه وانطلق الرصاص من فوهات البنادق إلى قلب عبد الله فتهاوى وسقط على الأرض شهيداً ...وتزامن مع سقوطه ارتفاع الزغاريد معلنة ولادة عشرة من نساء الحي أنجبن عشرة من الذكور لتستمر عجلة الحياة في دورانها والحلم بغد مشرق.  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق