]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الملحمة الباديسهيمية

بواسطة: البشير بوكثير  |  بتاريخ: 2016-04-14 ، الوقت: 23:39:54
  • تقييم المقالة:

الملحمة الباديسهيمية

البشير بوكثير

الباديسْهيمية: كلمة منحوتة من كلمتين: ابن باديس والإبراهيمي

سرتِ النّارُ في الهشيم واحلولك الليلُ البهيم، وتوشّحت البلاد بالسواد وأعلِن الحداد وغارت النجوم، وانطمست جميع المعارف والعلوم ،واختلت الأفكار والفهوم.. مئةُ عام على احتلال اللئام لأرض الكرام، لكنْ دوامُ الحال من المحال، فقد بزغ فجرُ النهضة والتجديد ،وتحقق الوعدُ وحقَّ الوعيد على مستدمرٍ رعديد لايفهم إلا لغة النّار والحديد.

ويا فرحة الكبار والصغار ببزوغ الأنوار.. أنوارِ جمعية العلماء التي أسسها رجال أصفياء أذكياء ، جهابذةُ العلم والطروس، ودهاقنةُ الفهم وتهذيبِ النفوس، وأساطينُ القراطيس و السنا والشموس، وماسِحو الغبش والتجهّمِ و العبوس.

لقد قيّض الله تعالى للجزائر خيرَ جمعية أُخرِجت للنّاس، كانت الأساسَ والنّبراس ، بل الرّوحَ والأنفاس ، والسّوسنَ والآس، هي جمعيةُ العلماء رافعةُ الهمّة والرّاس ، وبالغةُ القمّة في الإصلاح بين النّاس. 

قادها رُوّادُ أعمال، لامَاضِغِي أقوال، هم رجالٌ ليسوا كباقي الرّجال، وأبطالٌ ليسوا كباقي الأبطال، نَسُوا في خدمتها الكرى والشّهوات، فَجابوا المداشر والفلوات، ونادموا الذّخائر والدّفاتر، وسامروا - كما قيل قديما- القماطرَ والمحابر ، ونظَموا القلائد الثّمان، ودبّجوها بالزّبرجد والعِقيان، ونقشوها باديسية في جِيدِ الزّمان، عربية مسلمةً مُعتزّة بشمائلها الحِسان. 

شعب الجزائر مسلم* وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن اصله * أو قال مات فقد كذب

لقد أجالوا في هموم الأمّة أبصارهم، وبـثُّـــوا فيها أرواحَهم وأفكارَهم، وأنفقوا في الذّود عن حياض العلم أعمارَهم، فتفتّحتْ في رُبى الجزائر المكلومة أكمامَهم وأزهارَهم، حيث وصلوا ليلهم بنهارهم ، فتعطرت بعبقهم القرآنيّ وتكحّلت مُقلُ التائهين بأنوارهم، فهمُ الهداة الأباة، الثّقاتُ البُناة في عصرالبدع والخرافات.

هي جمعية الفيء والدوح، وروضةُ الشذى والفوْح، وخميلةُ النهضة والبوْح، وأيكة الرُّوح والرَّوح، بل بابٌ مُشرَّع مفتوح ، ووَدقٌ سلسال ممنوح ، لكلّ مُصلحٍ عارفٍ بالله ذي كراماتٍ و فتوح . 

في ناديها العريق ارتقَتْ كلّ هامة، وعلى صحُفِها السيّارةِ علَتْ كلّ قامة، وفي ربوع مدارسها الحُرّة تلاقحتِ القرائحُ الصّمْصامة، بسجعِ البلابل وهديل الحمامة ، فأحيتْ صولاتِ الحارث بن عبّاد والنّعامة.

  لقد قرّرالنشامى الأبرار جعلَها مِنبرا للأحرار، وروضةً غنّاء تتلاقح فيها الأفكار، وعقيلةً حسناء ترفل في الدمقس وفي الحرير، وتواكبُ عصرَ النهضة والتنوير. 

فرسانُها أئمّةٌ فُصحاء بلغاء، كُتّابٌ وشعراء ، ودُعاةٌ أتقياء أنقياء، يتوسّدون القماطر، ويُنادمون المحابر، ويُسامرون الدفاتر ، ويلتحفون الطُروس ، فيُطربون المكلومَ المهيض المتعوس، ويُسعدون النفوس. 

ياصاحِ هي درّة ُ الجزائر المكنونة، وجوهرة الإسلام المصونة ،ازدانتْ بالدّملج والماس، حين دبّجَ حواشيها خيرَ الناس ، ابنَ باديس النّبراس، والإبراهيميَّ اللمّاح الفَرّاس، فهذّبتِ الإحساس، وغيّرتْ دنيا الناس ، وكشفتْ زيفَ المستدمر الدّلاس ، وكلَّ شيطان ووسواس ، يريد إحياء نكبة "المهلهل" مع "جسّاس.

لاألومكِ يا "باريس"، وقد لبستِ السّوادَ مثل "عجوز دردبيس"، وقد هدَّ بنيانكِ فكرُ الإبراهيمي وابنُ باديس، وانكشف إعلامُكِ الرخيصُ الخسيس ، حين تكلّمَ "الشّلعلع" فتعاطف معه "الأوراس" وشاهقاتُ آريس. 

فمن قال إنّ الكلمةَ سلاحُ الضعفاء ، فقدْ فقَدَ نعمةَ العقل والذكاء، وهاهو الظلام ،يفرّ من طُهر الكلام في حضرة هؤلاء السادةِ العظام ،الذين وضعوا القواعدَ ورفعوا الأركان والهام، فكانوا أمضى على "قمير" من العَضب الصّمصام، في زمنٍ قلّ فيه الرّفدُ والمال والطّعام. 

هي قائمة التأسيس والالتزام.. العربي التبسي عالي المقام، والطيب العقبي المهنّد الحُسام، ومبارك الميلي المؤرّخ القمقام، وأبو اليقظان فارسُ الصحافة الهمام وهلمّ جرّا يابن الكرام لأنّ الحديثَ يطول ومعه الكلام ، إذا استطردتُ في ذكر هؤلاء السّادة الكرام، من حمَلة الأقلام ، في تنوير الحِجى والأفهام ، وأرجو أن أكون بينهم الخادم والغلام ، لأمّة الإسلام .

أيها الصحبُ الكرام: ماذا أقول في شيخين جليلين حاربا الجهل والحيْف، والبدعَ والزّيف ، ورسما معالم الحقّ بالحكمة لا بالسّيف.

أمّا أوّلهما : فهو المصلح الفقيه، والزّاهد النّبيه ، والشاعر الخنديدُ النّادر، والبحرُ الموّار الهادر بل المحيط الزّاخر ، باللآلىء والجواهر .فأكرمْ به من مصلح ثائر !

فهو العلاّمة الفهّامة شيخُ المصلحين ، ورائدُ النّهضة الأمين، الشّيخ "عبد الحميد بن باديس" ، قاهـــرُ باريس ، وداحر زيف وزحف الفرنسيس . كان نعم الجليس، وخير الأنيس ، فهو الذي بنى عقول النّاشئة وشاد،وارتقى بهم في مدارج الكمال وساد، وما انحرف يوما عن منهجه ولاحاد.

علّمه شيخه " حمداني لونيسي" " الأصول والمُتون، ولقنه شتىّ ضُروب العلوم والفنون، فأتى بمالم يأتِ به الأوّلون، فقرّتْ به العيون، ونام مِلْءَ الجفون،مثلما نام "أبو الطيّب" في تلك السّنون. 

أنام ملء جفوني عن شواردها * ويسهر الخلق جرّاها ويختصم

ارتشفَ من منهل" الزيتونة"، تلك الجامعةِ الميمونة، والدّرّة المصونة ، في أفئدة كل جزائري ساكنةً مدفونة، لقد أخذ شيخنا بيد النّشء إلى الفلاح والنّجاح، وغرس في قلوبهم محبّة آي القرآن والحديث الصّحاح، وأذكى مروءة العرب الأقحاح ، ونشر الخير ونثرَ بُذور الإصلاح، فوق هذه الوهاد والبطاح.

وما إنْ صدح الحادي، ونادى المُنادي ، حيّ على النهضة والجهاد، لبّى النّداء، وعاد إلى الجزائر الجريحة الولهاء، وأسّس رفقة أخيه " البشير " جمعية العلماء ، لإحياء ماضٍ تليد، وتاريخ مجيد، حاول طمسَه الاستدمار الرّعديد 

وأمّا ثانيهما: فهو ثاني اثنين إذْ هما في الجمعيّة ، بعزيمة قويـّة ، وهمّة ذكيـّة ، وسريرة نقيّة، ونفسٍ أبيّة.. إنـّه الأديب اللّبيب ، واللّغوي الأريب، العلاّمة الأمجد، والدرّاكة الأسعد، والنابغةُ الأوحد... هو سليلُ الأصمعيّ، الفهّامةُ اللّوذعيّ، والعلاّمة الألمعيّ، والخطيبُ الأروعيّ، والمُفوّه السّميذعيّ: شيخُنا البشير الإبراهيميّ الذي جمع فصاحة اللسان، وقوّة الجنان، ونصاعة البيان، فخجل من نثره وسحره سحبان. 

لقد فاق "الأصمعيّ" في غريب اللغة والأنساب ، وبـَـزَّ "قُسّ بن ساعدة" في البلاغة وفصلِ الخطاب ، وأغاظ البُلغاء والوُعّاظ في سوق عكاظ ، حتّى قلّده "عبد المالك مرتاض"، فلم يأتِ سوى بالرّذاذ. 

حاز التقدير والوقار، وغرّد في سمائنا مثل الهزّار، فحفظ الأسرار، وبلّغ الرّسالة بكلّ اقتدار ، أكرمْ به من شهم مغوار ، لايشقّ له في ميدان البيان والجهاد غبار.

لقد كان الشيخان السّنا والشعاع، والمؤانسةَ والإمتاع والإقناع ، وروعةَ الفكر وقمّةَ الإبداع، وحكايتهما مع فتنة الضّاد صنعت الدهشة والإمتاع ، وتطوافهما في أرض الله لنشرِ العلم بسطَ لهما جناح الفهم والإقلاع بلا شراع. 

لقد تعرّفتُ على فكرهما منذ الصّغر ، فطافت بخَلدي أحلى الصّور، معلّميْن مُصلحيْن يريدان الظّفَر، يبنيان العقول يدكّان الحجر ، فقد صنعا في سنوات ، شبهَ معجزات، وصارت سباسبُ القفار بفضل جهودهما بساتين خصبٍ ربوع نماء وحياة.

  حاربا الجهل والجمود، وقطعا آلاف الحدود، وتحديا كلّ القيود ، كاسريْن جدران السّدود، فطلع النهار ، وأزهرت القفار، وتحقّق الانتصار ، وانجلى الصّقيع، وأمْرعَ الرّبيع، واكتسى بالوشي البديع ، معلنا ميلاد شعبٍ لا يبيع ، حفنةً من ثرى الوطن المنيع، وتحققت بذلك نبوءة الشاعرِ الحكيم في شعبه الأبيّ الشهم الكريم:

يانشء أنت رجــــاؤنا * وبك الصباح قد اقترب

خذ للحياة سلاحها * وخُضِ الخطوب ولاتهب

وفي الختام لايسعني سوى ترديد هذه الأبيات لشاعر العرب محمد جربوعة من قصيدته العصماء: (ما رواه الشيخان عن شعب الجزائر) التي يقول في خاتمتها: 

من قال مات ؟ الشيخ حيٌّ، إي نعمْ * وفقطْ نأى كي بعدها يلــقانا 

ما عنـــــدنا موتٌ، ولا ندري به * أبدا ، ولا يُبلي الثرى موتانا 

أبـــدا ولا يوما رأينا صـــــــــــادقا * لبسَ الغيابَ وودّع الإخــوانا

وفقط نغـــــيب ، لكي نراقبَ بعدنا * في الدربِ من وفّى لنا أو خانا

فلنكنْ أوفياء لنهج ابن باديس حتى نغيظ أبناء باريس.

على شيخيْنا شآبيبُ الرحمة والغفران، والله المستعان وعليه التّكلان.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق