]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رحلة دمية

بواسطة: Faraj Bouzaienne  |  بتاريخ: 2016-04-14 ، الوقت: 16:06:32
  • تقييم المقالة:

     من الحكايات الشهيرة والغريبة، المليئة بالأحداث المثيرة والعجيبة، والتي تجمع بين الحقيقة والخيال، حكاية الدمية الجميلة ياسمين وصاحبتها الطفلة مريم، التي بين أيديكم يا أطفال.

 

مريم أحبت دميتهاحبا كبيرا وكانت لا تنام ولا تصحو إلا والدمية الجميلة في حضنها، وعندما تصحو مريم في الصباح، تغير ملابس دميتها وتمشط شعرها، ثم تجلسها إلى جوارها وهي تتناول إفطارها، وقبل أن تنطلق إلى مدرستها، تضمها إلى صدرها وتقبلها ثم تضعها في فراشها، وتودعها ملوحة لها بيدها.

 

   مريم وياسمين كانتا تنعمان بحب عميق ومتبادل بينهما، فالسعادة كانت تملأ قلبيهما، مريم سعيدة بحبها لدميتها الجميلة التي لم تفارقها منذ أن فتحت عينيها على الحياة، وياسمين سعيدة بهذا الحب الفياض الذي غمرتها وتغمرها به أحب الناس إلى قلبها صديقتها ورفيقة دربها مريم.

  

   ولكن عندما أهداها والدها حاسوبا، فرحت مريمبه فرحا شديدا، ورمت بالدمية الجميلة جانبا، ولأول مرة تنسى مريم دميتها ملقاة على الأرض تتقاذفها الأرجل، ولأول مرة تحس الدمية الجميلة ياسمين بالإهانة والظلم، فحزنت حزنا شديدا، وانقلب حبها العميق لمريم إلى كره شديد لهذا الحاسوب البغيض الذي شغل صديقة عمرها وأنساها إياها.

 

     الفرحة أنست مريمدميتها الجميلة، وحبها الكبير للدمية تحول إلى الحاسوب، وذات مساء، أرادت مريم الخروج لتلهو على شاطئ البحر، فبحثت عن دميتها فوجدتها ملقاة على أرض المجلس، فأخذتها معها، من غير أن تبدي لها اعتذارها أو أسفها.

الدمية أحست بالغبن والجفاء الذي لم تعتده من مريم، فزاد ذلك من حزنها، ولكن الأمر الذي لم تتحمله ياسمين وضاعف من ألمها وحرقة قلبها، أن مريم عادت إلى البيت ونسيتها على الشاطئ.

الظلام بدأ يطارد الشمس الخجولة التي لفتها حمرة الغروب وبدأت الشمس تتهادى أمامه، كما تتهادى العروس إلى خدرها. تأملت ياسمين ذلك المنظر المهيب، وشعرت بالوحدة والخوف ثم أحست بقشعريرة تسري في جسدها وامتلأت عيناها بالدموع، فامتدت إليها موجة وأخذت تداعبها بلطف ثم سحبتها برفق إلى الداخل، فوجدت الدمية نفسها نائمة على ظهرها، تهدهدها الأمواج تارة، وترفعها تارة، وتغمرها تارة أخرى، فأحست ياسمين بسعادة شديدة لا توصف وكاد قلبها أن يتوقف، وأنساها الفرح همومها وأحزانها، فبدأت ترقص ساعة وتغني ساعة أخرى، والأسماك من حولها أخذت تتجمع وترقص مكونة بذلك فرقة استعراضية.

المنظر كان رائعا، وقد زاد من روعته ضوء القمر المنكسر على سطح الماء والنجوم المتلألئة، والراقصة على أمواج البحر الهادئة.

 

   الدمية الجميلة ياسمين وهي في رحلتها البحرية قد تعرفت على كثير من الأسماك والشعب المرجانية والنباتات البحرية، ومن الأشياء التي لن تنساها أبدا، تلك الدلافين الجميلة واللطيفة التي صادفتها في عرض البحر وغمرتها بحنانها ورافقتها في رحلتها.

 

   مرت على رحلة الدمية الجميلة عدة أيام قبل أن تصل إلى الشاطئ المقابل وتجد نفسها نائمة على رماله الذهبية تحت أشعة الشمس الدافئة، نظرت ياسمين حولها تستكشف المكان فرأت مدينة رائعة الجمال غير بعيدة عن الشاطئ، ومجموعة من الأطفال يلعبون، فشعرت ياسمين بضيق شديد يخنقها وحنين فياض إلى صديقتها مريم وبلدها الذي عاشت فيه أسعد أيامها، فأغمضت عينيها و سرحت بخيالها تستذكر الأيام السعيدة الماضية، وفجأة أحست ياسمين بأيد غريبة تمتد إليها، ففتحت عينيها وإذا بطفل  يأخذها بين يديه وبريق الفرحة  يملأ عينيه، ثم انطلق بها كالسهم مزهوا وسعيدا بلقيته، ولم يتوقف إلا عندما وصل إلى مبنى جميل قد ازدانت واجهته بالأضواء المختلفة الألوان، ويافطة مضيئة كتب عليها بخط فني جميل  ( السيرك العالمي لدمى الأطفال).

 

   ويدخل الطفل المبنى وهو ينادي بأعلى صوته: سيدي المدرب.. سيدي المدرب.. أنظر ماذا وجدت؟!

المدرب:ما بك يا فتى وما هذه الضجة؟!

الطفل: وجدت هذه الدمية الجميلة على الشاطئ يا سيدي.

المدرب يتقدم نحو الطفل: دعني أرى هذه الدمية التي أفقدتك صوابك !

 

   المدرب يتفحص الدمية بإعجاب ظاهر ثم يقول: الحق معك يا فتى.. إنها دمية فائقة الجمال، عيناها زرقاوان وكأنهما زمردتان وشعرها أصفر ذهبي، وقوامها ممشوق لولبي.

الطفل:أريد أن تلحقها بالفرقة يا سيدي...

 المدرب: ولكن يا فتى هذا غير ...

الطفل مقاطعا: أرجوك يا سيدي... أرجوك لا ترفض طلبي... أمنحها فرصة يا سيدي واختبرها فإن نالت رضاك أبقيتها وألحقتها رسميا بالفرقة، وإلا صرفتها.

المدرب هازا رأسه: حسنا... حسنا... سوف نرى

 

    التحقت الدمية الجميلة بالفرقة، ووجدت نفسها وسط عالم جديد ملئ  بالدمي المختلفة الألوان والأشكال والأحجام،  وأحست بنظرات حادة ترشقها من كل جانب كالسهام المسمومة، فشعرت بالخوف الشديد ينتابها، ولكنها خشيت أن تتحول حياتها إلى جحيم إذا علمت الدمى بخوفها، فتمالكت نفسها واستردت شجاعتها ثم قالت كالواثق من نفسه: مرحبا أيها الأصدقاء...اسمي ياسمين ... أنا غريبة عن هذا البلد ... وقد جاءت بي الأقدار إلى هذا المكان لأجد نفسي بينكم ... فأرجو أن تقبلوا صداقتي...

فتعالت الأصوات  بين مرحب ورافض ومستهزء وغاضب ...

 

     الأيام الأولى مرت على ياسمين بطيئة وثقيلة، واندماجها في الفرقة لم يكن سهلا. ووجدت ياسمين صدودا ورفضا خاصة من الدمى الجميلة التي كانت تغار من جمالها الأخاذ وملابسها الأنيقة والناصعة البياض، ولكنها لم تيأس ولم تستسلم وسهرت الليالي وهي تتدرب حتى تفوقت على جميع دمى الفرقة، وأبهرت الجميع برشاقتها وخفة حركاتها وروعة عروضها، فأقبل الكبار والصغار لمشاهدة عروضها، فغص المسرح بالجمهور، ولم تمض بضعة أشهر، حتى ذاع صيتها ووصلت شهرتها إلى جميع البلدان وغطت صورها الجدران، وعندما وصل خبر شهرتها إلى الطفلة مريم شعرت بالحزن والأسى على فراقها، وأحست بمرارة الندم، فلامت نفسها على تفريطها في دمبتها وقررت استردادها بكل الوسائل، فراسلت الفرقة وأخبرتها بأن تلك الدمية الجميلة كانت دميتها، وتوسلت إليها بكل الطرق لكي تعيدها إليها، ولكن الفرقة رفضت طلبها.

     عاشت مريم تنام وتصحو على صورة دميتها الجميلة ياسمين، وكثيرا ما كانت تلتقيها في منامها وتحاول أن تضمها إلى صدرها وتقبلها وتتوسل إليها لتغفر لها إهمالها إلا أن الدمية تتملص من بين يديها وتختفي فجأة، فتستيقظ مريم مذعورة والحسرة تملأ قلبها، ثم تعاود النوم من جديد وكلها أمل في أن يتحقق حلمها وتفتح عينيها فتجد دميتها الجميلة بين يديها،فقررت مريم السفر لحضور أحد العروض المعلن عنها والتي تداولتها معظم وسائل الإعلام، وكم كانت سعادة مريم وهي تشاهد العروض الرائعة التي قدمتها دميتها الجميلة ياسمين والتي ألهبت أكف الحاضرين.

مرت على مريم لحظات تشبه الحلم شعرت فيها وكأنها تحلق في الفضاء، ولكن التصفيق الشديد وصيحات الإعجاب بالدمية الجميلة التي أنهت عروضها بانحناءة رشيقة، أيقظت مريم من حلمها فقفزت من مكانها وصعدت إلى الركح وهي تنادي ياسمين  ياسمين..فانتبهت الدمية لندائها فتسمرت في مكانها من المفاجأة ولكنها تداركت أمرها وركضت نحو مريم وارتمت بين أحضانها متعلقة في رقبتها وأجهشت كل واحدة منهما بالبكاء وهما يغمغمان بكلام غامض يوحي باللوم والعتاب.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق