]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

غباس شاه بندر التجار

بواسطة: Faraj Bouzaienne  |  بتاريخ: 2016-04-13 ، الوقت: 20:55:40
  • تقييم المقالة:
من جد وجد ومن زرع حصد

    يروى أن رجلاً اسمُهُ عباسْ، كان قويَّ البنية معافى البدنْ اشتهر بالكسلِ وكرههِ للعملْ، فكان يتسوّلُ الناسْ حتى فقد الإحساسْ، فقل حياؤهْ وأسود من الذلّ وجهُهُ وذَهب ماؤُهْ، فاحتقره الناسُ وأبغضُوهْ وبأسوأ النعوت وصفُوهْ، وأصبح الجميع يتحاشاهْ ويتشاءم من رؤياهْ، فساء حالهْ وتبددت بالعيشِ على التسوّلِ آمالهْ، وفي لحظةٍ من الصفاءْ والهدوءِ والنقاءْ، رجعَ إلى نفسهِ فعنّفها وزجرها واشمأز منها واحتقرها، ثم عقد العزمَ على الرحيلْ ومغادرة المدينة قبل الأصيلْ، ولمَّا توغل في الطريقْ شعر بالتعب والضيقْ، فمال إلى شجرةٍ وارفةَ الظلالْ بربوةٍ تشرفُ على التلالْ، فأسند ظهره إليها ونام في الحالْ، ولم تمضِ لحظةً أو لحظاتْ حتى أخذه السباتْ، فتقاذفته الأحلامْ وطاردته الأوهامْ، فرأى في المنامِ أنه أصبحَ مِنَ الوجهاءْ ومِنْ أغنى الأغنياءْ، فاشترى الدورَ والدكاكينْ والقصورَ والبساتينْ، وأصبح يعمل بين يديه العشراتْ من الخدمْ ويملك المئاتِ من الجواري والحشمْ، وأصبح وُجهاءُ المدينة التي نبذتهُ وقوفاً على بابهِ ينتظرون المثولَ بين يَدي جنابِهْ، وبينما هو في صفوهِ ومرحهِ وزهوهِ، فرحاً مسروراً وبرغيد العيش فخوراً، لسعتْهُ نحلة فاستيقظ فزعاً مذعوراً ولا يزال بالحلمِ الجميل منتشياً مبهوراً، فتمنّى لو طال الحلمُ مع الزمنْ ولكنْ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُفنْ، وأعادتهُ النحلةُ إلى واقعهِ المريرْ فأطال التفكيرَ والتدبيرْ، وبعد طولِ عناءْ هداه تفكيرُهُ للبحثِ عنْ عَملٍ في الميناءْ، وبينما هو في قاعةِ الانتظارْ مر به أحد التجارْ، فتأملَ جسمَهُ وتفرَّسَ في وجهِهِ ثم قال لَهُ: أتبحثُ عن عملْ؟ فقال عباس: وأكادُ أفقدُ الأملْ!

قال التاجر: أبحثُ عن رجلٍ قويْ وشجاعٍ جرئْ، يحب الأسفارْ ولا يخشى ركوب البحارْ؟

 قال عباس: لقد ساقتك إليَّ الأقدارْ، فأنا قوي كما ترى ولا أخشى الأخطارْ وليس لي قريب أو صديق في هذه الديارْ!

فقال التاجر: اتفقنا إذاً .. اُنظرْ هذا هو مركبي .. الثالثُ مِنْ جِهَةِ اليسارْ ..

قال عباس: ومتى يكون الإبحارْ؟! قال التاجر: غداً بإذن الله .. قبيل منتصفِ النهارْ.

وحانتْ ساعةُ الصفرْ وانطلقَ المركَبُ يشقُّ عُبَابَ البَحْر.

   ومرت الأيامُ والشهورُ والأعوامُ على غياب عباسْ الذي لاكت سيرته ألسنةُ الناسْ، وجاب عباس في غربته البحارْ ووصل تقريباً إلى جميع الأمصارْ، وتعرف على كبار التجارْ، واشتغلَ بعزمٍ وهمةْ وأمانةٍ وذمةْ، وأصبح من كبارِ تجّار اللؤلؤ والمرجانْ الذين يشار إليهم بالبنانْ، وصارَ محلَّ احترامٍ وتقديرْ وجمع المال الوفيرْ. وفي يوم من الأيامْ اشتد حنينُ عباس للوطنْ رغم ما لاقاهُ فيه من مِحَنْ، وتضاربت في رأسه الذكرياتْ والأفكارْ، فاحتار عباس في حسمِ الأمرِ واتخاذِ القرارْ، وبينما هو على تلك الحالْ أقبل عليه صديقه التاجر فحياه وقالْ: سلام الله عليك أيها الصديقْ، مالِي أرى على وجهِكَ علاماتُ الحيرةِ والضيقْ...

   تنهدَ عباس ثم قالْ: إنهُ الحنينُ إلى الوطنِ يا صاحبي ... فأنا محتارْ في اتخاذ القرارْ بين البقاء في الغربة والعودة إلى الديارْ.

  قال التاجر بنبرة حزينةْ: لقد فاجأتني أيها الصديقْ وأصبتني بالهّم والضيقْ، أشعر وكأنني في حلمْ .. لقد شغلتنا الحياةُ عن التفكيرِ فيها اليومْ .. فكيفَ أَصبرُ على فراقكَ يا رفيق الدربْ .. يا من قاسمني لحظاتِ الفرحِ والكربْ ... فاحتضنه عباس وقال بتأثرٍ بالغْ: سأظلُّ لفضلكَ عليَّ ذاكراً ولمعروفِكَ ما حييت شاكراً..   

    وذات مساءٌ وصلت سفينة كبيرة إلى الميناءْ، وانتشر في المدينة الخبرْ لقد عاد عباس المتسول من السفرْ، لقد عاد ومعه من المالِ الكثيرْ والخيرِ الوفيرْ، وخلال أيام اكتسح عباس الأسواقْ وطبقت شهرته جميع الآفاقْ، فاشترى الدور والدكاكينْ والقصور والبساتينْ وأصبح من الوجهاءْ عندما صار من الأغنياءْ، وفتحت له الأبوابْ وكثر عنده الأحبابْ، ونسي عباس إساءاتِ أهلِ المدينةِ أيام زمانْ وعاملهمْ بمودةٍ وإحسانْ، ولكنه لم ينسَ أن يكتبَ على كل بابٍ من أبوابِ محالِّه ودكاكينهْ، وقصوره وبساتينهْ (من جد وجد ومن زرع حصد).


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق