]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(شقاوات بغداد) .. أحياء في ذاكرة معاصريهم

بواسطة: قصي صبحي القيسي  |  بتاريخ: 2016-04-11 ، الوقت: 10:48:31
  • تقييم المقالة:

قصي صبحي القيسي

أسماء أُحيطت بهالة من الجرأة والإقدام والقوة، ما زال العديد من كبار السن ممن عاصروهم يتذكرون جيداً تلك الأسماء التي لمعت في ذلك الوقت، كخليل أبي الهوب وخصمه جبار كردي وشقيقه ستار كردي وغيرهم الكثيرون ممن كانوا يلقبون بشقاوات بغداد .

ظاهرة (الشقاوات) في بغداد قديمة جداً، تعود الى العهد العثماني، وفقا لأقوال الباحثين والمؤرخين، وقد تحدث بعضهم عن الشقاوة احمد قرداش وسردوا قصته الشهيرة التي تتلخص في قيامه بالسطو على منزل احد التجار اليهود.

فخلال عملية السطو التي نفذها مع رفاقه خلال نوم التاجر، وجد قرداش طعاما في الدار فتناول منه، وفجأة طلب من رفاقه التراجع عن عملية السطو وإعادة كل شيء الى مكانه، معللا ذلك بأنه (أصبح بينه وبين ساكني الدار زاد وملح ولا يجوز سرقة ممتلكاته) .

ولعل هذه الحكاية تدل على عدم تجرد الشقي البغدادي من القيم والأخلاق، فهو بطبيعة الحال شاء أم أبى، جزء من المنظومة الأخلاقية في المجتمع العراقي المبنية على الشهامة والنخوة ونصرة المظلوم .

لكن ظاهرة الشقاوات قبل العهد الملكي، لم تكن تتعدى كونها نظاما أمنياً مناطقياً يفرضه فرد يتمتع بالقوة البدنية والشجاعة والجرأة، ويتولى هذا الفرد الذي يسمى بـ (الشقي) أو (الشقاوة) مهمة حماية المنطقة التي يسكن فيها، ويجمع الإتاوات (الخاوات) من الموسرين، وقد يبادر الى تقديم مساعدات مالية للفقراء .

إلا أن هذه الظاهرة بدأت تأخذ منحى آخر في أواخر العهد الملكي عندما انخرط البعض من هؤلاء في العمل السياسي .

توجهت بالسؤال حول ما بقي من ذكريات حقبة الشقاوات في ذاكرة من عاصر تلك الحقبة ، الى الباحث والمفكر حسن العلوي، فقال انه :" على الرغم من ان ظاهرة انضمام الشقاوات الى الأحزاب والتنظيمات السرية بشكل خاص، برزت بعد ثورة 14 تموز 1958 ، إلا أن من الإنصاف القول أن الأمر يعود الى زمن نوري السعيد الذي كان يعتمد على الشقاوات في الانتخابات ".

ويضيف " لمعت منذ ذلك الوقت أسماء شقاوات مشهورين بعضهم كان يعمل للترويج للمجموعة الانتخابية التابعة لنوري السعيد، وبالمقابل كان يمنحهم حق السيطرة على احد الكراجات والاستحواذ على أرباحها، وأصبح بعضهم ذوي نفوذ في المجتمع، وكانوا يشتركون في إيذاء الشيوعيين المناهضين للنظام الملكي وعملوا الى جانب الأجهزة الأمنية ".

واستدرك قائلا " لكن الأحزاب العقائدية حولت العديد من هؤلاء الى سياسيين من طراز آخر، وبعضهم انسلخ عن ماضيه انسلاخا كاملا وقام بأدوار كبيرة في السياسية ، كجبار كردي وخليل ابو الهوب وأبو المعلاك وغيرهم، وبعضهم ابدى شجاعة فائقة وروحا فدائية في الدفاع عن أحزابهم سواء كانوا شيوعيين أو بعثيين "

ويرى العلوي ان من أهم أسباب انخراط الشقاوات في العمل السياسي وانتماء قسم منهم الى الحزب الشيوعي وحزب البعث هو (غباء) الأجهزة الأمنية في حكومة نوري السعيد، إذ انها كانت تعتقل في مكان واحد السياسيين والمجرمين العاديين الى ان يتم تفريقهم لاحقا .

ويتابع " وبطبيعة الحال كان هؤلاء الشقاوات بسبب ما يمتلكونه من جرأة وشجاعة وإقدام دون عقل وحكمة وتروٍ، يعجبون بالسياسيين الذين يتكلمون عن الفكر السياسي والثورات وحقوق الإنسان، وكانوا يصغون إليهم بإعجاب وذهول وكأن شيئا جديدا دخل الى عالمهم، ومن هنا كان الشقاوات يتأثرون بزميلهم السياسي المعتقل ".

ويستطرد " فإذا كان السياسي شيوعياً أصبح الشقاوات شيوعيين، وإذا كان بعثياً أصبحوا بعثيين، وهكذا تشكل لدى الحزب الشيوعي وحزب البعث مجموعة من هؤلاء الشقاوات كان أبرزهم خليل أبو الهوب الذي انضم الى الحزب الشيوعي وجبار كردي الذي انضم الى حزب البعث بالإضافة الى شقيقه ستار كردي، حيث كان جبار كردي من البارزين في مجموعة ناظم كزار، وقد تم اعتقالهم وفقا لقائمة واحدة ضمت أسماءهم، بالإضافة الى عضو القيادة القطرية لحزب البعث محمد فاضل الذي تم إعدامه مع ناظم كزار مدير الأمن العام في بداية سبعينات القرن الماضي ".

ويستذكر العلوي " صادف ان تم اعتقالي مع جبار كردي (الشقي البعثي) لمدة تقرب من سنة في عام 1961 ، وكان جبار يذود عنا في المعارك الدامية التي تحدث في السجن والتي كانت غالبا ما تدور رحاها بين البعثيين والقوميين العرب، وكان الفريقان يستخدمون فيها قناني البيبسي كولا المكسورة، وخارج جدران السجن كان يتم استخدام الشقاوات لضرب الأحزاب المنافسة او لاحتلال المقاهي التي يرتادها الشيوعيون أو البعثيون، أو لغرض السيطرة على أحد المقاهي وتحويله للحزب الآخر ".

وحول حادثة اغتيال شقي الفضل الشهير خليل أبي الهوب، يقول العلوي :" كنت موجودا في مقهى يعود الى أحد أقربائي بمنطقة البتاويين مقابل ساحة النصر (وسط بغداد) عندما سمعنا صوت إطلاق نار، فهرعنا الى ساحة النصر لمعرفة ما يحدث ، فعرفنا ان خليل ابو الهوب قد تم اغتياله هناك، فكان مقتله نصرا سياسياً كبيراً لشقاوات البعثيين وخصوصا جبار كردي ".

ويسرد حكايات عن أشقياء عاصرهم، ويقول :" التقيت بأحد الأشقياء في السجن سنة 1960 ويدعى حسين حبة، وسبب دخوله السجن هو اعتراضه على شعار الجمهورية العراقية الجديد الذي استخدمه عبدالكريم قاسم في ذلك الوقت، فعند وضع الشعار الجديد على لوحة أمام مبنى وزارة الدفاع، توقف حسين حبة مع الحشد لمشاهدته، واعترض عليه قائلا بسخرية انه شبيه بثياب المومسات، فتم اعتقاله ".

وتابع العلوي السرد :" كانت هناك أسماء كثيرة من الشقاوات الذين دخلوا الحياة السياسية وحصلوا على مواقع مهمة في الأحزاب وأجهزة الأمن العراقي، وهؤلاء لعبوا أدوارا مهمة في السياسة، ولكن بعضهم رفض وبشدة ان يدخل المعترك السياسي لسبب او لآخر، ومن بين الشقاوات الذين تعرفت اليهم في السجن شقي يدعى كاظم الباشا، واعتقد أنه كان آخر الشقاوات ، وكان قد اتخذ من سطح مبنى سينما السندباد في شارع السعدون مقرا له ولأتباعه، وكان له مجموعة من الصبيان الذين يستخدمهم لاغراض السرقة (النشل) في المنطقة المحصورة ما بين سينما السندباد والجندي المجهول ".

ويضيف :" ان هذا الشقاوة اعتقل معنا في مديرية الأمن العامة بسبب رفضه تنفيذ مهام أمنية، وحسب ما حدثني به، قال أن السبب في سجنه هو أن احد رجال الأمن كلفه بأن يقوم بمهام أمنية داخل الملهى الذي يرتاده، فرفض ذلك قائلا انه حتى لو تقاضى راتبا قدره 100 دينار من الأجهزة الأمنية فهو يحصل على مبلغ أكثر من ذلك عن طريق صبيانه (النشالين) ، وهو لايريد التخلي عن مملكته الخاصة فوق سطح سينما السندباد والتي يشعر فيها بأنه (باشا) ، فتم اعتقاله والتحقيق معه ".

ويتابع " وعندما عاد إلينا لاحظتُ أن جسده اصطبغ بلون الخشب (الصاج) لكثرة ضربه بالسياط على ظهره ، ولم يكن يتوفر لدينا مرهم للجروح لنعالجه به في المعتقل، فظل يعاني طويلا ".

ويشير العلوي الى أنه بعد عام 1968 صدر قرار بقتل الشقاوات، وأشرفت على تلك المهمة وزارة الداخلية آنذاك.

من جهته يرى أبو كفاح (من أهالي منطقة الفضل) أن شقاوات بغداد ورغم انخراطهم في السياسة وتورطهم في صراع الأحزاب، كان الكثير منهم يتصف بالشهامة والنخوة ونصرة المظلوم ، وهذا ما يميزهم عن البلطجية و(الفتوّات) المصريين.

فقد عرف عن خليل أبي الهوب سمعته الطيبة وأخلاقه الحميدة ونصرته للضعفاء، فقد كان يجمع الإتاوات (الخاوات) من الأغنياء ليوزعها على الفقراء، وهذا ما جعله شبيها بـ (روبن هود) الذي تحدثت عنه اساطير الغرب، بل انه لقب بـ (عروة بن الورد) الذي جاء ذكره في تراثنا العربي، والكلام لـ (أبي كفاح) .

ويضيف " اُعجب أبو الهوب بالفكر الشيوعي من خلال الشيوعي المعروف جعفر ابو العيس الذي تعرف إليه في السجن، فبعد أن نشأت صداقة بينهما، تم السماح لخليل بالانتقال من الجناح المخصص للسجناء العاديين الى جناح السجناء السياسيين ".

ويستطرد قائلا " تغير اسلوب ونمط حياة خليل أبي الهوب بعد انخراطه في العمل السياسي، بل إن شخصيته تغيرت بشكل جذري ، فقد أدرك أن القوة البدنية يجب أن تكون مقرونة بالعقل والحكمة، وبعد أن خرج من السجن بات بمثابة الحامي والمدافع عن رفاقه في الحزب حتى لحظة اغتياله سنة 1959 في ساحة النصر ببغداد على أيدي خصومه ".

ويتابع " رغم مرور أكثر من نصف قرن على اغتياله، ما زالت الأجيال في منطقة الفضل وشارع الكفاح تتناقل الكثير من قصص خليل أبي الهوب وعصره الذهبي، ومن بينها القصة التي تتحدث عن استدعائه في ساعة متأخرة من الليل من قبل نوري السعيد، إذ كلفه في تلك الليلة بحماية ابنه صباح من أية اعتداءات متوقعة، خصوصا وأن صباح كان يرتاد ملهى الفنانة زهور حسين ".

ويضيف (ابو كفاح) " يقال أن صباح كان على خصومة مع شقي يدعى محمود قرداش (وهو ابن الشقاوة المخضرم احمد قرداش الذي عاصر العهدين العثماني والملكي) وقد حدثت بينهما مشاجرة تبادلا فيها اللكمات واضطرت الشرطة للتدخل للفصل بينهما، وكان صباح ابن الباشا يتمتع هو الآخر بقوة بدنية، إلا أن والده كان يخشى عليه من الغدر ".

ويقول " إن خليل أبا الهوب رغم انخراطه في العمل السياسي لم يتورط بارتكاب جرائم كبيرة كالتي ارتكبها خصومه، إلا انه كان من أبرز الأسماء المثيرة للرعب لدى خصومه السياسيين الذين اعتبروا قتله انتصارا لهم ".

وتحفظ ذاكرة بغداد قصصا كثيرة عن شقاوات العهود الماضية ، قد لا يتسع المجال لذكرها، لكن ما يلفت الانتباه هو بساطة الحياة في تلك الحقبة بكل تفاصيلها، تلك البساطة التي توسعت لتشمل الخصومات السياسية.

فقد كان الشقاوات والفرق التي يتزعمونها تلجأ الى تصفية بعضها البعض بشكل مباشر دون إلحاق الأذى بالأبرياء ، فمن كان ينأى بنفسه عن خصوماتهم ومشاكلهم يسلم من الأذى حتى لو وجد بالصدفة في ساحة المعركة، أما اليوم، فلعل الحال قد اختلف، وبات الجميع وقودا للخصومات السياسية.

 

قصي صبحي القيسي


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق