]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

موت الضمائر

بواسطة: Faraj Bouzaienne  |  بتاريخ: 2016-04-05 ، الوقت: 21:14:55
  • تقييم المقالة:

موت الضمائر

في عالم ما..في قارة ما..في بلد ما..في شارع ما..في نهج ما..في درب ما..استفاق السكان على صراخ وولولة عامل النظافة فأقبل السكان عليه من مختلف مناطق المدينة ليستطلعوا الخبر ولما وصلوا عنده وجدوه بجوار جثة قد تعفنت وبدأت في التحلل وفاحت رائحتها حتى أزكمت الأنوف فتعالت الأصوات محوقلة ومندهشة بين مصدق ومكذب لما حصل، وتساءل الجميع بصمت كيف يحدث هذا الأمر بين ظهرانينا من غير أن نشعر بهذا القتيل أو نكتشف جثته وكلنا يمر من هذا النهج وهذا الطريق..إلى هذه الدرجة وصل بنا الحال؟؟؟ وتحول الصمت إلى مرجل يغلي فبركان ثائر ثم إلى زلزال هز كيان ذلك الشعب النائم فأقبل الناس من كل حدب وصوب وفي مقدمتهم فرقة مكافحة الإجرام والأطباء والخبراء وسيارة الإسعاف، فتراجع الجميع وأفسحوا الطريق للمحققين والمسعفين الذين أخذوا الجثة ووضعوها في السيارة بعدما تمت معاينتها من قبل الفريق المختص الذي توجه أحدهم بكثير من الأسئلة إلى الحاضرين إلا أنه لم يلق أي رد بل وجد الوجوه شاحبة والعيون زائغة قاكتفى بهز رأسه وأشار إلى الفريق بمغادرة المكان. ورجع الناس إلى بيوتهم مثقلين بالهموم ومستنكرين لذلك العمل المشؤوم، ولكن سبحان مبدل الأحوال والحالات فلم تمض ساعة أو بضع ساعات حتى عاد كل إلى ليلاه وجعل من الدنيا همه ومبتغاه، ومن الأشياء العجيبة عاد الجميع بسهولة إلى ممارسة حياتهم الرتيبة، وقتل الوقت من غير حسيب ولا رقيب، وسرعان ما نسوا ذلك المنظر الشنيع والفعل الوضيع الذي لم يراع فيه فاعله إلاّ ولا ذمة..وفي نشرة أخبار المساء أطلت من شاشة أحد القنوات  مذيعة هيفاء أجهشت عند ظهورها بالبكاء وقد تلفحت بالسواد وأعلنت هذه القناة من خلال شعارها الحداد، فشد الأمر أنظار الجميع وتعلقت أذانهم بشفتي المذيعة منتظرين الخبر المريع الذي دعا إلى إعلان الحداد وتنكيس علم البلاد، قالت المذيعة وهي تمضغ الكلام  مضغا: أيها السادة والسيدات.. المشاهدين والمشاهدات الكرام..بكل حزن وأسى تنعى دولتنا الحبيبة موت " ضميرنا " العتيد الذي تغنينا به في مطلع كل نشيد وكتبنا فيه كم قصيد، والذي وجدت جثته اليوم في نهج الأنانية على رصيف درب الندامة بجوار حيث ماتت الكرامة.. وقد أثارهذا الحدث كثيرا من الإستياء بين السكان الذين أصيبوا بحالة من الغثيان، وساء بهم الحال وكثر بينهم القيل والقال، وانتشرت بينهم الإشاعات، والحكومة تدعو الكل أن يهدأ ويطمئن حرصا من الجميع على سلامة وأمن الوطن، كما تدعو أن يرفع الجميع أكف الضراعة متوسلين بكل عمل صالح وطاعة، أن يشمل الله فقيدنا الغالي بعفوه ومغفرته، ويتغمدنا نحن بصبره وواسع رحمته..إنا لله وإنا إليه راجعون.

هكذ أيها الأحبة أكون قد لبيت الدعوة التي وجهها لي بعضكم،للكتابة عن موت الضمائر الناتج عن فساد السرائر وعماء البصائر، وخوفا من النسيان ومن غير تردد كتبت ما تقدّم من غير زيادة في التأصيل ولا مبالغة في التفصيل، ومن غير أن أطيل حتى لا يكون كلامي ثقيل ومملّ، فيصبح الموضوع بليد ومبتذل، مع اعتذاري لعمال النظافة وما يتعرضون له من سفاهة، فهم في خدمة الكبير والصغير ويحتاجون منا إلى كل تقدير، فهم وجه المدينة ومقامهم كبير فلولاهم لماتت النظافة كما مات الضمير.

في الختام أحبتي الكرام حتى لا يتسرب إلى نفسي الغرور وأبدو بما أسلفت فخور، فإني أرد الفضل إلى صاحب الفضل الواحد الديان الذي علم الانسان الحكمة والبيان، فمن غير توفيقه لن يكون لأي منا شأن.     

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق