]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الهجرة إلى الضفة الأخرى

بواسطة: Faraj Bouzaienne  |  بتاريخ: 2016-04-03 ، الوقت: 11:06:36
  • تقييم المقالة:

أيها الأحبة في لحظة من الصفا طال انتظارها وتأخر قدومها، تسلل بصيص من النقاء إلى نفسي المثقلة بركام التجاذبات السياسية والصراعات الإيديولوجية، جعلني أربأ بنفسي عن الخوض في زوووم على التفاهة لصاحبته عالة الدجالة التي قل حياؤها ومن فرط السفاهة جف ماء محياها، وكيف لي ببائع " الملاوي" المحلل السياسي" المحتار الحلفاوي " و"مايعة السفوري" التي أصبحت " ترللي " في كلام الناس بحضور المهرج لهفي المسلي، ولن نتحدث عن بائعي الكلام ولا عن مروجي الأمراض والأسقام، نافثي السموم في الفضاءات، المرابطين في "البلاتوهات" لذلك قررت أن أشطب الجميع من اهتماتي وأتفرغ في هذه اللحظة الفارقة من حياتي إلى دعوة أبنائي وبناتي وإخوتي وأخواتي من المبدعين والمبدعات، إلى المساهمة في كتابة القصة الآتية التي وضعت خطوطها الكبرى وأسميتها " الهجرة إلى الضفة الأخرى" ...داعيا الجميع إلى الغوص في معانيها والتأصيل لمراميها من غير تفصيل مبتذل ولا اختصار مخل، حتى إذا انتضمت حباتها واكتملت حلاقتها، أعد كل من سام في كتابتها بطباعتها وإرسال نسخة إليه.

الهجرة إلى الضفة الأخرى

تسلل النور إلى أزقة المدينة، فتراجع الظلام أمامه، وتثاءبت الطبيعة وهي تزيح عنها عبء ليل طويل جثم على صدرها، ثم أخذت نفسا عميقا بعث فيها دفء الحياة وجدد نشاطها، فغادرت الطيور أعشاشها، ودبت الحركة في المدينة واستيقظ السكان بين متوجه للعمل ومغادر للسفر، وكان من بين هؤلاء صاحبنا ابن بطوطة العصر، عبد الله المسافر الذي عرف من بين السكان بكثرة ترحاله، وقد تعود صاحبنا بتأدية صلاة الفجر قبل مغادرته للمدينة.

  امتطى عبد الله صهوة جواده وانطلق مخلفا وراءه صدى صوت سنابك جواده التي ترددت في أرجاء المدينة، وكلما توغل صاحبنا في الطريق انحسرالظلام وتمدد النورمكانه ليعلن قروب شروق الشمس.

شعرعبد الله بالتعب وقد زادت أشعة الشمس المتوهجة من عطشه، وضاعف العرق المتصبب من جبينه من معاناته فمال إلى ظل شجرة ليأخذ قسطا من الراحة يستعيد فيها أنفاسه، ويمنح في الوقت نفسه لجواده الفرصة لاسترداد همته وعزمه ليتمكن من الصمود في قطع المسافة المتبقية.

أسند عبد الله ظهره إلى جذع الشجرة الوارفة الظلال وأغمض عينيه وهو يمني نفسه بغفوة تعيد له حيويته ويتجدد فيها نشاطه، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فحلم صاحبنا لم يتحقق وسيطرت عليه هموم مدينته الغارقة في دياجير الأمية والتخلف والفقر فأنسته تلك الهموم نفسه وسرح بخياله في الأيام الخوالي التي حدثه عنها جده قبل وفاته، أخبره بان مدينتهم اشتهرت في الماضي بالعلم وكثرة العلماء، فكانت تصدر العلم إلى الضفة الأخرى، وكان يشار إليها بالبنان ويتحدث عنها القاصي والداني، حيث كانت وجهة لطلاب العلم من مختلف البقاع والأصقاع، يقصدونها لينهلوا من معين علوم الطب والهندسة والفلك والفلسفة والاجتماع ، إلا أن حال مدينتهم أخذ يتدهور من عقد إلى عقد ومن سنة إلى سنة، وأخذت تتقهقرعلى كل المستويات حتى وصل الأمربها إلى عدم القدرة على تأمين أمنها وغذائها.

مر هذا الشريط المدمر بذهن عبد الله المثقل بهموم مدينته وهجرة أبنائها إلى الضفة الأخرى من النهر لطلب العلم أوطلب الرزق، أو الحالمين بالثروة والعيش الرغيد، فزاد هذا الأمر من معاناته ومن تعبه فقام متثاقلا وامتطى صهوة جواده وانطلق مواصلا طريقه قاصدا بدوره الضفة الأخرى من النهر.

وأثناء عبوره إلى الضفة الأخرى كان عبد الله شارد الذهن وهو يفكر فيما يخبؤه له القدر من مفاجآت، إذا بشيخ كبير كث اللحية شديد بياض الشعر، تشع من وجهه سمات الوقار يتقدم نحوه، فاعتدل عبد الله في جلسته لاستقبال الضيف الغريب القادم عليه، فسلم الشيخ عليه وجلس إلى جانبه، وتجاذبا الطرفان أطراف الحديث وبما أن الحديث ذوشجون كما يقال، فقد تطرق الشيخ إلى الحال المتردية التي وصلت إليها المدينة التي أفل نجمها وهجرها أبناؤها إلى الضفة الأخرى حالمين بثروة وهمية وعيش رغيد يتبدد كما يتبدد السراب.

وأثناء الحديث تطرق الشيخ إلى أسطورة مفادها أن سكان المدينة لما عزفوا عن طلب العلم والقراءة قررت معظم الكتب الموجودة فيها بمختلف تخصصاتها، الهجرة إلى الضفة الأخرى بعدما يئست من عودة السكان للاهتمام بها، وأثناء عبورها وقبل وصولها إلى الضفة الأخرى غرقت هذه الكتب في النهر. ويقول المؤرخون أن سكان الضفة الأخرى لم يعرف عنهم نبوغا في العلم ولا يسرا في العيش، قبل هذه الحادثة الغريبة لذلك رد المؤرخون الثورة العلمية والفكرية والاقتصادية التي حصلت لهم، إلى حادثة غرق تلك الكتب التي استحال حبرها إلى إكسير تغذت منه طحالب النهر ونباتاته، وتحولت مفرداتها إلى لآلئ تناثرت في قاع النهر، وبما أن سكان الضفة الأخرى اشتهروا بصيد اللؤلؤ وبكثرة استهلاكهم للسمك الذي تغذى بطحالب النهر ونباتاته، انتقل الإكسيرعبرها إلى أدمغة سكان الضفة الأخرى  فنبغوا في شتى مجالات  العلوم ونمت بفضل ذلك ثروتهم العلمية والفكرية والاقتصادية.

استمع عبد الله إلى كلام الشيخ مابين مصدق ومكذب للأسطورة إلا أن واقع الأمر يحتم كل الافتراضات، فانشغال مدينته بالخلافات والتفاهات وكثرة الإشاعات وطغيان القيل والقال وتصادم لسان الحال مع لسان المقال كل ذلك يبرهن على أن رحلة النزول إلى الهاوية لا تزال مستمرة ما لم يعد الرشد إلى العقول والمسؤولية إلى الضمائر وتنصلح القلوب وتصفى السرائر.

وأفاق عبد الله من شروده على صفارة الباخرة معلنة الوصول إلى الضفة الأخرى وبعد اتمام الاجراءات وختم الجوزات وجد عبد الله نفسه وسط الزحام غريبا يشق طريقه إلى المجهول ليصبح بدوره عقلا من العقول المهاجرة وعدد جديد يضاف إلى الأعداد الغابرة.

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق