]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كم تسرَّعتَ ياولدي ..

بواسطة: قريب قريب  |  بتاريخ: 2016-04-01 ، الوقت: 23:49:45
  • تقييم المقالة:



 

صورة ٌغابتْ ملامحُها،خلفَ برواز ٍ قديم
بقي صامداً على حائطِ الزمن الجميل..
طفلٌ يحلمُ بالرجولةِ الآتية غداً ..وعندما أدركـَها
تلفـَّتَ خلفـَه فلم يجد من طفولته الا دخان..

مفارقة ٌغريبة  أن نتصارع َ مع الزمن
نشدُّهُ إلى الوراء،فيدفعُنا أكثر نحوَ الأمام
نظنُّ أننا نتحكمُ به،وهو في الحقيقة يُمسكُ بلحظاتِنا الجميلة
ليرحلَ بها  ولايعود..

..

 قصَّة ُولدٍ عاق
ذهبَ مذاهِبَ الرجولةِ باكراً
خرجَ عن المألوف،وأحبَّ أن يختصرَ المسافات والسنوات
فتركَ كلَّ شيءٍ خلفـَهُ،حتى طفولتـَهُ،ومضى إلى المستقبل..
فقط طائرةٌ ورقيَّة،بقيَتْ مُعلـَّقة فوقَ شجرةِ الجيران
تركَ ألعاباً مفضَّلة..وأعياداً وأعواداً وأولاد..
استعجلَ الانتقال،وأحرقَ المراحل
ليعرفَ ماذا بعد هذهِ الأشياء الصغيرة
وماذا سيكونُ غداً،وما هو لون الشمس التالية..

رفاقُ الطفولة..تركهم يلعبون في ذاكَ الزقاق وانسَلَّ مُبتعداً..
هو أحبَّ أن يكونَ في غيرِ زُقاق،وفي غيرِ عُمْـر..
أحبَّ أن يجرِّبَ زمَناً جديدا،غيرَ أزمِنتهم الصغيرة..
وأن ينتقلَ سريعاً من زُقاقِهِ الضيِّق إلى ساحاتِ العمر الواسعة..

لم يودِّعْهم،وغادرَ بحقيبةِ سَفـَر ٍ بسيطة
وبكثير ٍ من الأسئلةِ في حقيبةِ طفل..
سافرَ وحيداً..نحوَ مطارح ِالرجولةِ والشباب..
أحبَّ أن يخوضَ تجربة َ العبورِ إلى المجهول..
 

( كم تسرَّعتَ ياولدي !!! ) ..

..

 في غيابـِهِ ..كبرتْ الجارة الصغيرة وتضخـَّمَتْ تفاصيلـُها
ولم يعد يعنيها  لاشجرة ٌ ولاطفولة ٌ ولاطائرة ٌ ورقيَّة ولاخيطان..
شجرة ُالماضي  امتدَّتْ أغصانـُها مع خيوطِ العُمر
وتجاوزتْ أسوارَ الطفولةِ،وحائط َ الجيران..

..

تعودُ بنا الذكرى دائماً إلى مكان ٍ نـُحبُّهُ
لطفولةٍ عَبَرَتْ،ولم نلتقطـْها
ولم تتمكـَّن أيدينا الصغيرة حينها،من الامساكِ بخيوطِها..
كبرنا  وصارَ الحنينُ لها  يجتاحُنا ..
نشوة ٌغريبة  ورعشة ٌشفـَّافة  تتسرَّبُ إلى مفاصلِنا المشتاقة
ذكرياتٌ تتراقصُ وتبتسم..نمُدُّ أيدينا نتلمَّسُها..
نحبسُها بينَ جفونـِنا..نضمُّها بجنون..
فتتسرَّبُ كالطيف..
تـُلوِّحُ لنا بيدِها البيضاء،ثمَّ تختفي خلف دُخان..

 
وتستمرُّ الصُور
ها هو أحمد الشقي،يمتطي الريح،ليسابقَ عَرَبَة َ خيل ٍ عابرة
يلمسُها بأناملِهِ الصغيرة،ويعودُ إلينا ضاحكاً متوَّجاً بالنصر..
ها هي سلمى الصغيرة..تكتشفُ مخابئـَنا الساذجة بكلِّ سهولة
وضحكاتها المتلاحقة،تنسابُ وتختفي خلفَ أوراقِ ِالياسمين..

 
في تلك الصُور
وجوهُنا تبدو أصغر،ساذجة لكن بريئة..
هي ماتبقـَّى لنا من ماضٍ جميل .

 
كبرتْ الأعمار،وانحسَرَتْ ملاعبُ الطفولة
وكادت تختفي خلفَ سنواتِنا المتراكمة..
تدحرجتْ كرة ُ العـُمْر  في ذلك المنحدر
ولم نعد نقوى على التقاطِها..

 

 أما ذاكَ الصبيُّ،فقد  أصَرَّ على السفر
على أن يعودَ قبلَ بزوغ ِالفـَجر
حاملاً حكاية ً جديدة،يرويها لرفاقِهِ المأخوذينَ بشجاعتِهِ
أحبَّ أن يعودَ إليهم غانِماً ناضجاً،وقد لامَسَ حدودَ المستقبل..

 
( كم تسرَّعتَ ياولدي !!!) ..  

 ..

صورُ الماضي وأصواتـُه لاتفنى،وتبقى تسافرُ عبرَ الفراغ..
ففي سماءٍ بعيدة،عيونٌ تلمعُ بفضول
تلتقط ُ سنواتِنا الهاربة،وضحكاتِ سلمى الصغيرة
وصورة ذلك الولد الشقي ..
ربما هو مزيجٌ غيرُ مفهوم،من الشجن والزمن..
حنينٌ إلى ماض ٍ،هربتْ تفاصيلـُهُ  وغابتْ أصواتـُه..
طالما تمنينا العودة َ لتسلـِّق ِ أسوارِه من جديد.

..

في شوارعِنا  تمشي الطفولة ُ دون حُرَّاس
تنمو كشجرةٍ بريَّة،لم يسقِها ساق ٍ،ولم يحمِها أحد..
هم لم يعلـِّمونا كيفَ نعيشُ تفاصيلـَها الملوَّنة
أفهَمونا أنها منطقة ٌ رماديَّة ساذجة،سنعبُرُها بسلام
لنصلَ إلى رجولةٍ وفحولةٍ واكـتمال..
ونحنُ بدورِنا لن نـُعلـِّمَ أطفالـَنا أكثرَ مما تعلمنا
ففاقد الشيء لايُعطيه أبداً..
لذلكَ عَبَرْنا فيها كمَحطـَّةٍ نائية،في طريق ِ قطار ٍ سريع..
وقفزنا من فوقِها قفزاً،نحوَ مراهقةٍ وشبابٍ موعود
كما يَعقبُ الشتاءَ صيفٌ
دون المرورِ بأيِّ ربيع..

الطفلُ في كثير ٍ منَ الأوقات،يصبحُ رَجُلاً قبلَ الأوان
وقد تخلـَّى عن جزء ٍ حَميم ٍ من طفولتِهِ وبراءتِهِ
وحملَ فوقَ كـَتِفـَيهِ الصغيرتين أيـَّاماً ليستْ له..
لذلكَ  كثيراً مانصرخُ بصمتٍ وابتسامة
للعودة إلى فترة ٍ عزيزةٍ  مرَّتْ بسرعة
ولم نرتوي من عيونِها،ولم نتفيَّأ في ظلالِها..

 
دعونا نمنحُ أطفالـَنا طفولتـَهم
ولا نسلبُ من لحظاتِهم أيَّ لحظة..
ولنعملَ كي لايغادروا منطقتـَهم الصغيرة باكراً
ويمكثوا فيها  ماشاؤوا أن يمكثوا..
فالغدُ  يجبُ ألا  يأتي إلا في أوانِهِ .

 
نعم إنها الطفولـــــــــــــــــــــــة ُ..
ضَيفٌ عزيزٌ على أعمارِنا،لايلبث أن يُغادر
مشوارُهُ يمضي تحتَ سماء ٍ صافية
وظِلالٍ وورود ، ليسَ لها حدود ..

دعونا نعيشُ الطفولة،ننطلقُ في أرجائِها الرحْبة دون قيدٍ أو سدود
نستمتعُ بأوصافِها،ننصِتُ الى وشوشاتِـها،نرتاحُ في سَكـَناتِها
نشربُ من كأسِها الصافي حتى نرتوي.


 

........


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق