]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التصدي للإرهاب بالقوة الفكرية أولاً

بواسطة: ياسمين رزق  |  بتاريخ: 2016-03-28 ، الوقت: 00:45:39
  • تقييم المقالة:
       انتشرت في الآونة الأخيرة بالمملكة الكثير من جرائم القتل غير المبرر، وهو الأمر الذي يدق ناقوس الخطر عن مدى تأثر المجتمع بأعمال العنف الدائرة في بلدان المنطقة العربية، ومدى انتشار الفكر الإرهابي الذي لا يكف عن بث أفكاره الضالة، ونظريات القتل والتكفير بين الشباب؛ لينال مآربه من تدمير لكل من يتصدى لفكره إما بالقتل أو بتسميم العقول.       فخلال فترة لا تتجاوز الشهر تداولت الصحف ووسائل الإعلام أخبار العديد من حوادث القتل التي كان أبرزها إطلاق رجل أربعيني النار على والدته بالرياض، ليعقبها خبر إطلاق النار العشوائي من قبل معلم على مجموعة من الموظفين في الإدارة التعليمية مما أدى إلى مقتل العديد منهم، وكان ذلك بجازان التي فجعت بعد عدة أيام أخرى من هذه الواقعة بحادثة أب نحر ابنه ذي العشرة الأعوام دون رحمة، ولم تخلُ الخلافات المرورية من العنف المبالغ فيه والذي قاد مجموعة من الشباب إلى دعس شاب آخر بسيارتهم لاختلافه معهم مما أدَّى إلى وفاته في الحال.       وبحسب ما ورد بالتقرير السنوي لوزارة الداخلية عن معدلات حوادث القتل بالمملكة لعام 2015 فقد كان هناك ارتفاع ملحوظ عن العام المنصرم في معدلات جرائم الاعتداء على النفس بنسبة 7.7%، وارتفاع جرائم الطعن بنسبة 117.17% مع انخفاض في معدل الجرائم العمد بنسبة 17.7% والذي ما لبث أن انخفض حتى بدأ في الازدياد مرة أخرى مع بداية 2016، كما ذكر التقرير أيضا الارتفاع في معدلات العنف المدرسي لنفس العام لتصل إلى 82% من إجمالي الحوادث والتي ارتفعت في الرياض فقط من 1406 إلى 4528 حالة أي بزيادة بلغت 400% خلال سبع سنوات فقط، كل هذه الأرقام والإحصائيات لا تعبر عن نظرة تشاؤمية للواقع بقدر ما تنبِّئ بضرورة التحرك الفعال إزاء هذه الظواهر والقضاء على مسبباتها، فخطر الفكر الإرهابي لا يقع ضحيته منفذو العمليات الانتحارية فقط أو الشباب الذين غدروا بوطنهم والتحقوا بصفوف داعش، وإنما يلحق هذا الخطر وبشكل كبير بأولئك الذين لم يستجيبوا لدعوات الإرهاب ولكن باتوا متشككين في كل ما يحدث حولهم، وهو ما يسعى له الإرهاب من زعزعة الأمن الفكري ونشر الفوضى والتشكيك بالثوابت والمبادئ، وبالرغم من المحاولات الدءوبة للتصدي للإرهاب من خلال التوعية الفكرية منذ بداية العمليات الإرهابية لتنظيم القاعدة عام 1995 وحتى العمليات الإرهابية لتنظيم داعش في وقتنا الحالي، إلا أن هذه المحاولات لم تكن كافية ولم تثبت جدواها في مواجهة مثل هذا النوع من الإرهاب للمرة الثانية، ويمكن عزو أسباب ذلك إلى التطور الهائل والتقدم الذي وصل إليه الإرهاب مقارنة بالأساليب التقليدية التي تُستخدم لمواجهته؛ حيث أصبحت التنظيمات الإرهابية لا تألو جهدًا في نشر أفكارها من استخدام للتقنيات الحديثة والإنترنت وتحديث الأساليب التقليدية وتطويرها، واستغلال كافة الثغرات الممكنة في أنشطة وسلوكيات المجتمع لتنفذ من خلالها إلى العقول المشوشة وتكون زريعتها لتجنيد الشباب، لذلك فإنه من غير الممكن التصدي للإرهاب بنفس الأساليب التقليدية والتي إن كانت لها منافعها ونتائجها الإيجابية قديما؛ فقد عفا عليها الزمن الآن وباتت معروفة لدى الإرهابيين وهم قادرون على مواجهتها والإفلات من مكائدها، فالأزمات المعاصرة تحتاج لحلول معاصرة أيضا، ولكننا تعوَّدنا وللأسف من الدول العربية على الإخفاق في مواجهة المشكلات حتى تتأزَّم؛ فيبدأ الشعور بالخطر والمسئولية وبالتالي ضرورة التحرك، ولكن متى ستغيِّر الدول العربية منهجها وأسلوبها المعتاد في التعامل مع الأزمات لتفاديها بدلا من الوقوع فيها؟   أساليب الإرهاب في نشر أفكاره وتجنيد الشباب:      تعوَّدنا أن يفاجئنا تنظيم داعش منذ بداية ظهوره بالأساليب الحديثة التي يستخدمها، والتي تثبت لنا يوميا أن التنظيمات الإرهابية لم تعد كسابق عهدها بعيدة عن الحداثة والتكنولوجيا وتميل إلى سذاجة الفكر والأساليب وعشوائية التنفيذ مما كان يسهم إلى حد كبير في الإطاحة بها، بل أصبح الإرهاب اليوم منظمًا عن ذي قبل ويُعد الخطط والإستراتيجيات المسبقة لتحقيق أهدافه بأكبر قدر من الفعالية؛ فلم تغفل هذه الجماعات مدى أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في هذا العصر وانتشارها بين الشباب وتأثرهم بها إلى حد الإدمان أحيانا؛ لذا توجَّهت لها بقوة لتصبح أحد منابرها الرئيسية وأهمها على الإطلاق في غسل عقول الشباب واستقطابهم؛ حيث ترصد السلطات السعودية في اليوم الواحد أكثر من 129.600 ألف تغريدة مسيئة للسعودية عبر تويتر فقط، وحسب ما نشرته صحيفة النيويورك تايمز أن موقع تويتر يزيل حوالي 2000 حساب أسبوعياً يشتبه في صلتهم بالإرهاب، هذا بالإضافة إلى الكم الهائل من صفحات الفيسبوك المتخفية تحت العديد من المسميات لبث أفكار التنظيم في صورة تعليقات سلبية ومحرضة مستغلة الأحداث المحلية وظواهر العنف الفردية ولكن بشكل لا يثير استهجان المتلقين وقلقهم حيال الغرض الحقيقي من جراء هذه التعليقات، ويتمُّ ذلك من خلال مجموعة مدربة للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة بحرفية عالية لجمع أكبر قدر من المعلومات عن الشباب من خلال مراقبة المحادثات، ورصد ردود أفعالهم، ومعرفة نقاط القوة والضعف والثغرات التي يمكن استغلالها لإقناع الشباب بأفكارهم الهدامة، وإبراز دولة الخلافة الإسلامية المزعومة لداعش على أنها الحل لكل الأزمات الدولية والمحلية؛ فأكثر ما يُعرَف عن هذا التنظيم هو القدرة على التلون الفكري حسب الفئة المستهدفة بحيث يؤيِّد الديموقراطية ويتبناها لاستقطاب المعتدلين وتأييد التشدد والتكلف لاستقطاب المتشددين، ولعل أبرز فئة يستهدفها باعتبار تقارب الأهداف كما يدعي الإرهاب هي الفئة التي تحمل بغضا وكرها شديدا للنظام الأمريكي والإسرائيلي، وتلك التي تحلم بعودة الخلافة الإسلامية لتعمَّ العالم أجمع.     ولأن الإنسان بطبيعته يتأثَّر بالحدث بالمشاهدة أكثر منه بالاستماع أو القراءة فلم يتوانَ هذا التنظيم عن نشر فيديوهات لأساليب القتل الوحشية التي ينتهجها واستعراضات للقوة العسكرية التي يمتلكها إلى جانب الألعاب الإلكترونية التي تقوم فكرتها على الحرب والقتال والتدمير ومطاردة رجال الشرطة بما يعزِّز مفاهيم العنف وسهولة القتل لدى الشباب.   أسباب انسياق الشباب وراء الفكر الإرهابي:     بالرغم من الجهود الدولية لوقف تدفُّق سفر الشباب إلى دول النزاع والانضمام لداعش إلا أن هذه الجهود تمكَّنت من تقليص الأعداد فقط ولكن لم تتمكَّن من منع استقطاب داعش للشباب؛ فبحسب التصريحات الصادرة عن وزارة الداخلية السعودية لمارس 2015 أن أعداد الشباب السعودي المنضم لصفوف داعش في سوريا والعراق هو 2200 شاب، عاد منهم للوطن 645، بينما تشير تقارير الواشنطن بوست لنهاية عام 2014 إلى وجود 12000 مقاتل سعودي هناك، وترجع أسباب انجراف الشباب وراء هذا الفكر الضال لعدة عوامل ودوافع أبرزها الدوافع الاجتماعية والأسرية والنفسية والدينية والتربوية، وتُعَدُّ الأسرة والمؤسسة التعليمية والمؤسسة الدينية هم من يتحمَّلون المسئولية الكبرى؛ لما لهم من تأثير على نشأة ونفسية الشباب، وأي خلل في أداء هذه الأدوار ينعكس بالسلب على الشباب الذي يفرغ هذه الطاقة السلبية على هيئة انحرافات سلوكية وأخلاقية تهدِّد المجتمع.   دور الأسرة في التصدي للإرهاب:     لاشك أن الأسرة هي المحرك الأول لأي دوافع بناءة كانت أو هدامة داخل كل فرد من أفرادها حيث يستقي الأطفال والشباب مبادئهم وأخلاقياتهم من البيئة المحيطة بهم، والتي تتحكَّم بها وتشكِّلها الأسرة موجهة بذلك الابن إما للعبقرية والإبداع أو الانحراف السلوكي والأخلاقي، والذي لا يكون وليد اللحظة، وإنما نتاج العديد من المراحل المتغاضى عنها حتى تتفاقم وتؤثِّر بدورها على البيئة المحيطة كرد فعل طبيعي للخلل الحاصل.     وبالنظر إلى أعداد الشباب المنضم لتنظيم داعش والمنفذ للعمليات الانتحارية وإلى أعمارهم التي لم تتجاوز 22 عاما فيمكننا الجزم بأن المسئول الأول عن هذا التوجه هو الأهل، ولا يشير ذلك إلى ضلوعهم بالعمل الإرهابي بقدر ما يشير إلى مساهمتهم في دفع الابن للارتماء في أحضان الإرهاب وإن كان بشكل غير مباشر، ويتجلَّى ذلك في عدة صور أبرزها الإهمال والاستهتار في التربية، والإلقاء بالمسئولية على عاتق الخادمة التي لم تُؤَهَّل لمثل هذا العمل، وإنما لإدارة شئون المنزل فقط،، أو كاختزال وحصر بعض الآباء دورهم تجاه أبنائهم في توفير المأكل والملبس والحياة الكريمة واعتبار الأم فقط هي المسئولة عن التربية دون التنبه لضرورة دور الأب وأهميته كمرشد وموجه لأبنائه، كما يتغاضى بعض الأهل أحيانا عن التغيرات الملحوظة التي تطرأ على سلوك أحد الأبناء من كذب أو ميل إلى العنف والتهرب من الدراسة والبقاء لفترات طويلة خارج المنزل دون رقابة، وتبرير ذلك على أنه من دواعي المرحلة العمرية دون أدنى محاولة لمعرفة دوافع وأسباب هذا التغير، ومحاولة الحد منه بالتوعية قبل تطور هذا السلوك ليدخل في طور آخر يصعب السيطرة عليه.     ويُعَدُّ ضعف الرقابة على الوسائل الترفيهية كالإنترنت والتلفزيون نوعًا من الإهمال الأسري؛ حيث لم تعد هذه الوسائل آمنة، ويمكن لأي طفل وحتى شاب أن يتعرض للعديد من المواد الضارة والثقافات المختلفة التي قد تربك عقله في هذا العمر، وتساهم في تعزيز المفاهيم الخاطئة لديه، وتزداد نتائج إهمال هذه الرقابة سوءا في حال وجود من يتربَّص بهذه الفئة على وجه التحديد ليستغل مرحلة نقص النضج والتخبط الفكري التي تمرُّ به لغرس مبادئه وأفكاره الإرهابية، وفي هذا السياق يتَّضح لنا نوع آخر من الخلل الأسري وهو عدم وجود آليات للحوار الديمقراطي والثقة المتبادلة بين الآباء وأبنائهم، وهو الأمر الذي يزيد من انفراد الابن بفكره وما يؤرق ذهنه دون اللجوء للأهل خشية رد الفعل القاسي أو سوء المعاملة من تهديد وضرب مما يجعله يُفضل النقاش مع الغرباء عبر الإنترنت أكثر من النقاش مع مَن يحيطون به في الواقع.     ولذلك فإنه على كل أسرة ولاسيما في ظل مواجهة هذا الفكر الإرهابي المنظم أن تعي أهمية دورها ومسئوليتها تجاه أبنائها وتجاه الوطن؛ فالتربية والتنشئة الصحيحة أو الخاطئة تنعكس على الوطن في النهاية ويتحمل عاقبتها الجميع، ويتمُّ ذلك من خلال عدة مراحل مقترحة لا بد أن تتَّبعها الأسرة وتأخذها بعين الاعتبار لتنشئ جيلا واعيًا في ظل هذه التحديات:
    تنمية ثقافة الاحتواء من خلال الأسرة، وذلك بأن تمنح مساحة أكبر للاستماع إلى آراء الأبناء وتعبيرهم الحر عن وجهات نظرهم، وتنمية الثقة المتبادلة لتعزيز ثقافة الرجوع للأهل أولا في حال التعثر بأي مشكلة، والتنبه للتصرفات الخاطئة الطارئة على سلوك الأبناء والتصدي لها بالأسلوب الحكيم الذي يعالج ولا ينفِّر. الرقابة الدائمة على الأبناء بما لا يحدُّ من حريتهم، ويضمن للأهل رصد المشكلات منذ لحظة ظهورها والسيطرة عليها قبل أن تتفاقم، والحرص على معرفة الأماكن التي يرتادونها باستمرار، وعدم إهمالهم لفترات طويلة بالخارج دون متابعة، ولكن مع إظهار الحرص والثقة حتى لا يشعر الأبناء بأنهم محل شك غير مبرر مما يدفعهم للكذب وإخفاء أخطائهم. الحد قدر الإمكان من المواد التي يعتمد محتواها على العنف كمادة أساسية من أفلام وألعاب إلكترونية، وفي حال التعرض لها يتولَّى الأهل مهمة توضيح ماهية هذه المشاهد، وكونها للتسلية والمشاهدة فقط وليست للتنفيذ، إلى جانب تفعيل النقاش الدائم حول الأحداث والأزمات في الدول العربية والعمليات الإرهابية التي تستهدفها ومدى خطرها على الإسلام والوطن ودورها في هدم المجتمعات الآمنة والمستقرة. التنشئة الدينية الصحيحة والمعتدلة البعيدة عن التشدد والغلو في الدين، وتوجيه الأبناء للاستماع إلى الدعاة الموثوق فيهم، وتوعيتهم بأساليب الإرهاب في نشر أفكاره حتى لا يقعوا فريسة له، والعمل على غرس المعاني الإنسانية داخلهم والتسامح ونبذ العنصرية بكل أشكالها. شغل أوقات فراغ الشباب وملؤها بالأنشطة الرياضية، وتنمية المواهب والهويات، والتشجيع على القراءة والتثقف لبناء شخصياتهم وشغلهم بأهداف مستقبلية يسعون لتحقيقها.

 

دور المؤسسة التعليمية :     تُعتبَر المؤسسات التعليمية - مدرسة وجامعة – هي الأسرة والمربي الثاني للفرد، ومن أهم المراحل التي تساهم في تشكيل شخصيته باعتبار الفترات التي يقضيها بها وما تقدمه من مادة علمية وتربوية؛ ولذا يقع على عاتقها المسئولية والعبء الأكبر بعد الأسرة في أي خلل تربوي يشوب شخصية الطالب.     ولا يمكننا التقليل من دور المؤسسة التعليمية في تقديم علم وعقيدة منقحة من الشوائب والأكاذيب لتقويم عقول ومعارف الناشئين والشباب، ولكن لا يمكن حصر دور هذه المؤسسة في تلقين المادة العلمية فقط كما هو حاصل بالفعل في كثير من الدول العربية مما يجعل شعور الطالب سلبيًّا تجاه المدرسة أو الجامعة مما يؤثِّر بالتأكيد على مدى تقبله للدور التربوي الذي من المفترض أن يُقدم له من خلالها، ويمكن توزيع الدور التربوي وبالتالي أي خلل يطرأ عليه على محورين أساسيين لأي مؤسسة تعليمية وهما المعلم والمناهج الدراسية.     المحور الأول: المعلم أو المربي: وهو من أهم الشخصيات التربوية المعنية بسلامة أفكار ومبادئ الطلاب، ليست العلمية فقط وإنما أيضا المبادئ المتعلقة بالحياة وبالأمن الفكري وذلك لمواجهة ظواهر كالإرهاب والتصدي لأفكاره، وهنا نتلمَّس مدى نقص الخبرات والتدريبات الكافية للمعلم التي تؤهِّله للتعامل مع الطالب في ظل ظاهرة كتلك، وبالرغم من المحاربة الفكرية للإرهاب على مدى سنوات طويلة إلا أن ذلك لم يطوِّر من مهارات المعلم ويعزِّزها؛ فعلى المعلم أن يلاحظ تصرفات الطلاب بشكل دائم وردود أفعالهم وما يحل بها من تغيير كالعنف أو العدوانية تجاه زملائه – وخاصة مع ارتفاع معدلات العنف المدرسي - أو التشدد الديني أو مصادرة حق الآخرين في إبداء الرأي المخالف وتكفيرهم، حيث إن مهمة المعلم التعامل معها ومواجهتها ومحاولة تقويم الانحراف في شخصية الطالب وعدم تركه لعامل الزمن أو الأهل، بالإضافة إلى ضرورة تخصيص أوقات أسبوعية للنقاش الفعال مع الطلاب يتناول أمور الحياة والتغيرات الدولية وخطر الإرهاب والتعريف به، والهدف من هذا النقاش هو تمرير المعلومات الصحيحة والتوعوية والاستماع لآرائهم وتصحيح الخطأ واللبس فيها، بدلا من المحاضرات التوعوية التقليدية التي تقيمها المؤسسة التعليمية كواجب وطني ويتهرَّب منها الطلاب بسبب الشعور بالملل الذي يعتريهم نتيجة الاستماع لها فقط دون المشاركة فيها.     المحور الثاني: وهو المناهج الدراسية الجامدة والمنفصلة عن الواقع، والتي يعتمد أغلبها على الحشو المعلوماتي بغض النظر عن الرسائل التعليمية الموجهة من خلاله ونظرية حفظ المعلومات فقط لأداء الاختبار، وبالتالي يتخرَّج الطالب وهو لا يكاد يفقه شيئا عما يحدث في البيئة المحيطة به أو حتى يمتلك أدنى المعايير لتحليله وتفنيده، حيث يعاني من كون المعلومات التي تُقَدَّم له لا تسعفه في حياته الشخصية سوى بالأساسيات فقط؛ فبعض المناهج وُضِعت منذ سنوات طويلة في ظروف بيئية وعالمية ومتطلبات حياتية ووظيفية مختلفة عن وقتنا الحاضر؛ ولذلك فإن من أولى أساليب مواجهة الإرهاب تطوير المناهج لتخدم الظروف الراهنة بما يركِّز على الأهداف السلوكية المنشودة، والاهتمام بالمقررات التي تؤدِّي إلى التوسع المعرفي، والاهتمام بالأنشطة التي تدرِّب الطالب على التفكير والتحليل قبل اتخاذ أي قرار والانسياق وراء أي دعوة، بحيث تصبح المناهج الدراسية بالفعل سببا للتغيير الإيجابي في سلوك الطالب وأسلوب تفكيره وتزويده بالخبرات الحياتية اللازمة التي تُهيئه للتمييز بين النافع والضار، ويُعَدُّ أبرز مثال على المواد التي يمكن إلقاء الضوء عليها وإدراجها في المناهج التعليمية المدرسية السياسة والثقافة العامة وحقوق الإنسان وتاريخ وخطر الإرهاب على الدول العربية، كل هذه الأمور من شأنها أن تقلِّل بنسبة كبيرة المتأثرين بالفكر الإرهابي لداعش والمنساقين وراءه عن جهل أو تشدد زائف؛ حيث سيصبح لديهم مناعة مسبقة وفهم سليم تجاه أي محاولات إرهابية لتدمير أوطانهم ومستقبلهم.   دور المساجد ومؤسسات العمل الخيري:     6 هجمات إرهابية استهدفت المساجد في المملكة خلال عام 2015 وحتى أوائل هذا العام، وما يؤلم أكثر كون منفذي هذه الهجمات من شباب المسلمين وشباب الوطن الذين ترعرعوا في خيره، ودرسوا كتاب الله وشريعته، وبالرغم من ذلك تمكَّن الإرهاب من بث أفكاره الشيطانية داخل عقولهم لنشهد فعلتهم النكراء، والسؤال هنا: أي نوع من الادعاءات أو المبررات المتطرفة تلك التي يغرسها الإرهاب في عقول الشباب لإقناعهم أن تفجير بيوت الله أثناء أداء الصلاة وقتل النفس التي حرَّم الله هي شهادة أو نصرة للإسلام ؟ وإن كانت هذه الهجمات هي أبرز الأدلة على مدى سذاجة منفذيها وسطحية فكرهم وجهلهم بأبسط تعاليم الإسلام الصحيح، ولأن أخطر أنواع الإرهاب ذلك الذي يتخذ من الدين ستارا ومبررا لأعماله فذلك يعظم من الدور المنوط بالدعاة وأئمة المساجد وأدعى إلى تغيير شامل في استراتيجية الخطب الدينية وتكثيفها، بالإضافة إلى ضرورة الشرح الصحيح لكل آية قرآنية وحديث نبوي شريف يستعين به الإرهاب ويفسِّره بما يحقِّق مآربه في عقول شباب المجتمع، والرد على الكتب التي يصدرها المتشددون والداعمون للفكر التكفيري والإرهابي بكتب أخرى تصدر عن الدعاة والرموز الدينية المعتدلة والتي تمثِّل القدوة الحسنة في المجتمع، وتوزيعها على نطاق واسع بما في ذلك المساجد والمدارس والجامعات، والعمل على إقامة الفعاليات والندوات التي تجتذب الناشئين والشباب لإبراز المعنى الصحيح للجهاد وضوابطه، ووضع ضوابط صارمة على معايير اختيار أئمة وخطباء المساجد، ووضع آليات جديدة للمتابعة الدورية لأنشطة المساجد وأحوالها ونوعية الدروس المقدمة كنوع من الإجراءات الوقائية لمنع وصول أئمة التكفير والتحريض لهذه المنابر؛ فنجاح الإرهاب في تجنيد شاب يبقى أمرا فرديا، ولكن نجاحه في تجنيد رمز ديني يعني تجنيدًا لكل محبيه ومتابعيه من أفراد المجتمع، ولاسيما أولئك الذين يتبعونه دون تحكيم لعقولهم.     وفي إطار التعاون المنشود بين كافة مؤسسات المجتمع وتكاتف الجهود والعمل التكاملي لا بد من الالتفات إلى أهمية دور مؤسسات العمل الخيري في التصدي للإرهاب، إلى جانب المسجد والأسرة والمؤسسة التعليمية، والذي لم يُفعل بالصورة الصحيحة بعد حيث إنه لهذا النوع من المؤسسات القدرة على جذب أكبر عدد من الشباب من خلال تفعيل التطوع بشكل أكبر على مدار العام، وألا يقتصر على شهر رمضان فقط؛  فالتطوع بدوره يساهم في تنمية الحس الإنساني داخل الفرد ومساعدة الغير دون مقابل ونبذ الممارسات التي من شأنها التشريد والتجويع والتي يأتي الإرهاب على رأس قائمتها، لذا لا بد أن تطلق المؤسسات الخيرية النداءات والدعوات للشباب وإبراز مدى الاحتياج لهم لمساندة الأسر المتعففة والمرضى وتجهيز المساعدات الإنسانية للمدن المحاصرة في دول النزاع ليتلمسوا مدى الضرر الذي لحق بالآخرين نتيجة تغلغل الإرهاب الغاشم بها، وهو الأمر الذي يسهم في شغل أوقات فراغهم بما يصبُّ في مصلحتهم ومصلحة المجتمع.   دور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي:     استطاعت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي منذ ظهورها أن تستحوذ على قدر كبير من اهتمام وأوقات الشباب في العالم العربي؛ حيث يعتبرها الكثيرون الوسيلة الرئيسية لاستقاء الأخبار والمعلومات، إلى جانب التسلية والترفيه، حتى أنها استطاعت أن تؤثِّر على آليات صنع القرار وتوجيه فكر وسلوكيات الرأي العام بما يتناسب مع هدف الموجه، ولا يمكن اعتبار أن كل ما تجود به هذه الوسائل هو الشر فقط فلها الكثير من المنافع إذا حسن استخدامها.     ويُعَدُّ شباب الوطن العربي هو الأعلى استخداما لهذه الوسائل؛ فبحسب ما نشرته مؤسسة (ستاتيستا ) البحثية في دراستها الأخيرة لعام 2015 أن السعودية هي الأولى في ترتيب الدول الأكثر استخداما لتويتر على مستوى العالم؛ حيث يُقَدَّر عدد مستخدمي شبكة الإنترنت بصفة عامة بأكثر من 13 مليون من إجمالي عدد السكان الذي يتجاوز 25 مليون نسمة، وهو بالتأكيد أحد أسباب اعتلاء الإرهاب لهذه المنصة؛ حيث لا يوجد وسيلة توفِّر له هذا الكم من المتلقين وهذه البيئة الخصبة لنشر أفكاره وغرسها في عقول الشباب، وباعتبار أن وسائل التواصل الاجتماعي يصعب إيجاد ضوابط رقابية حازمة بشأنها فلا بد من التصدي للإرهاب بنفس الأسلوب، وذلك من خلال تكثيف حملات التوعية بالفكر الإسلامي الصحيح عبر هذه الوسائل، وجذب الشباب لها بالأساليب المبتكرة التي تبتعد عن أساليب النصح الرتيبة والمملة التي اعتادها الشباب.     وعلى عكس ما يظن البعض فإن خطر الفكر الإرهابي لا ينحصر فقط في شبكة الإنترنت، وإنما يبث يوميا من خلال شاشات التلفزيون في صورة برامج وقنوات أُنشِئت خصيصا لبث الفتن الطائفية وحل دماء المعارضين لهذا الفكر، إلى جانب ما تعرضه القنوات الأخرى باستمرار من مشاهد قتل وتعذيب من خلال المواد الإخبارية والأفلام والرسوم المتحركة والتي غالبا ما يتمُّ تقليدها وترديد ما يُذكَر فيها دون وعي، وهو الأمر الذي يتطلَّب مزيدًا من الحرص والرقابة من قبل الجهات المسئولة لإيقاف تلك البرامج ومروجيها، بالإضافة إلى دور القنوات العربية الموثوق بها في إعادة هيكلة برامجها ومحاولة الحد من المواد التي تتضمن مشاهد عنف حتى لا تصبح أمرًا محببًا لنفوس البعض، ويعتاد عليها الناس حتى تصل إلى مرحلة الاعتياد عليها وعدم استهجانها.       وختاما فإن التصدي للإرهاب لا يكون بالقوة العسكرية فقط وإن كان سلاحا فعالا ولكن يغلب على نتائجه أنها قصيرة المدى إن لم تُعَزَّز بالقوة الفكرية فقد تظهر الجماعات الموالية أو فكر متطرف آخر، بينما يمكن القضاء على الإرهاب نهائيا واقتلاع جذوره من خلال التوعية الفكرية للمجتمع، وبناء العقول المستنيرة الواعية التي لا يمكن زعزعة أمنها ومبادئها مهما تضافرت عليها جهود الإرهاب وتوالى الفكر المتطرف والذي لا يستطيع أن ينال منها، فأبرز ما يستهدفه الإرهاب هو العقول الخاوية التي يسهل استمالتها وملأ فراغها بالأفكار الهدامة.  وكما قال الإمام الشافعي:  ومنْ لم يذق مرَّ التعلمِ ساعة  تجرَّعَ نلَّ الجهل طولَ حياته.                

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق