]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

على من نبكى

بواسطة: كامل المنجليفى  |  بتاريخ: 2016-03-20 ، الوقت: 14:06:15
  • تقييم المقالة:
ما هو الموت؟ سؤال يبدو بسيط وكلنا يعرف إجابته ولكن الحقيقة غير ذلك فهو سؤال معقد للغاية. تعتمد إجابته على من يسأل والى من يوجه السؤال. كما أنه يختلف باختلاف الموقف والظروف. لذلك قررت أن أكتب عن حوادث الموت التى أثرت فى حياتى  الحادثة الاولى: هذه حادثه لم أشاهدها أو قد أكون شاهدتها ولكنى لا أتذكر لأن عمرى كان سنة واحده ! نعم سنة واحدة ولكنها أثرت فى تأثير قوى جدا. فقد كانت مشاجرة يوم 21/6/1973 وقتل فيها عمى وهو فى أوائل العشرينات من عمره بالخطأ فهو لم يكن طرف فى هذه المشاجرة ولكنه كان يحاول التهدءه وبعيدا عن الأسباب والملابسات كان هناك اعتقاد ساءد - لا أعرف مدى صحته- أنه لا يجب أرضاع الطفل فى حالة حزن الأم لأن حليب الأم فى هذه الحالة يضر الطفل كما أنه يجب أبعاد الطفل عن جو الحزن والكأس والنواح. فقاموا بإرسالى إلى خالتي. لا ادرى الفتره التى قضيتها هناك ولكن ليست هذه المشكلة ولكن هه الحادثة حدثت صبيحة اليوم التالى لميلادى.وقد أقاموا حفلا بهذه المناسبة وكان حفلا بهيجا. فقد كنت اول الأحفاد الذكور وكنا نعيش فى بيت العائلة حيث الجد والجدة والإعمام المتزوجين وغير المتزوجين وهم 4 والعمه الغير متزوجة وعمه مطلقة ( سبب المشاجرة) ومنذ ذلك الوقت لا احتفل بعيد ميلادى وأشعر داخليا انه شؤم   الحادث الثانى: وفاة عم أبى وهو كبير العائلة وانا اتذكره خيالات فقد مات وانا عمرى لا يتعدى 6 سنوات. وكان فى بيتنا - بيت العائلة- مركز المناسبات وهو قطعة أرض كبيره أمام المنزل - الذى له مدخل خاص بعيد عن الشارع- ونستخدمها فى إقامة سرادقات الأفراح أو العزاء . وكانت هذه الحادثة لا تتعدى أننى كنت سعيد بهذا السرادق واقوم باللعب فيه ولا أفهم معنى ما يحدث سوى أن جدى - كنت اعتبره جدى - مات. لا معنى غير ذلك (راح عند ربنا) كلام لا يعنى شىء لطفل  الحادث الثالث: فى أواخر 1979 أو أوائل 1980 لا أدرى انه كان فى الشتاء حضر عمى ليأخذنا من المدرسة انا واخى الأصغر. كنت فى الصف الثالث واخى بالصف الأول.  كان غريبا أن يأتى عمى فالمدرسة كانت قريبة وكنا نذهب ونعود مشيا فى اقل من 5 دقائق. شعرت أن هناك شئ غير طبيعى ومن كلام عمى فهمت ان احدا ما قد مات ولكن من لا أدرى.كان هناك احتمالين أما جدى لامى فهو مريض وفى المستشفى أو اختى التى لم تتجاوز عامها الأول فهى أيضا مريضة وفى المستشفى. وقد كانت هى لقد ماتت الطفلة التى كانت تملأ البيت بالمرح وكان الكل يحبها فقد كانت ذكية ومرحة -كما قالوا بعد ذلك "بنت موت" -. كان الجميع يبكى خصوصا أبى وجدى الذى لم يبكى على موت ولده كما بكى على هذه الطفلة-هكذا كانوا يقولون ربما من باب المبالغة- ولكن الملفت للنظر أن اخى الصغير دخل على اختنا وهى مغطاة وميته فرفع الغطاء عن وجهها وقبلها وسعدنا إلى شقتنا بعيدا عن البكاء.  وسألني اخى لماذا يبكون فقلت له اختك ماتت وأظن انه لم يدرك ما قلته وذهب يلعب.   الحادث الرابع : كان يوما شديد الحرارة فى شهر مايوعام 1987 وكنا قد.تركنا بيت العائلة إلى بيتنا الجديد القريب من بيت العائلة. كان أبى فى العمل وننتظره انا وجدى وجدتى وامى واخى على الغذاء. دق جرس الهاتف وكان ترنك - أي أن الاتصال من خارج المدينة- كنا نعرف ذلك من رنة الهاتف فكانت الرنة طويلة اكتر من المكالمات العادية. فتوقعنا انه عمى الأكبر الذى يقضى عطلة فى بور سعيد مع زوجته وأولاده وزوج خالتي وابنة خالتي وكان التوقع صادقا. أجبت على الهاتف وكان صوت عمى مضطربا وقلقا وسأل عن أبى وأخبرته انه فى الشغل ولم يأتى بعد فأغلق الخط دون أى كلام. كان شغل أبى قريبا لا يبعد اكتر من بضع دقائق سيرا على الأقدام كانت أبى مواعيده دقيقة جدا فجهزت امى الغذاء ولا أنسى هذا الغذاء فقد كان محشى وملوخية. دخل أبى ولم أر وجهه بهذا المنظر طوال حياتى فوجهه اسود -أبى ليس اسود البشرة -ويبدو أن هناك خطب جلل . سألته امى ولكنه أجاب لا شيئ وجلس للأكل ولكنه لم يستطع وانفجر بالبكاء.  "الحاج مهدى مات " هذا ما قاله أبى انه زوج خالتي الذى يقضى الاجازه مع عمى فى بورسعيد . شهقت امى ودقت صدرها وقالت - يا عينى عليكى يا اختى- هذا الموقف لا يمحى من ذاكرتي ولكن جملة امى لا تزال إصداؤها فى اذنى. إذن فالحزن ليس على من مات فكل منا يحزن على شيء.   الحادث الخامس والأخير: بالطبع هو ليس آخر حادث وفاة ولكنه أخر حادث تأثرت به حتى الآن. كما ذكرت كنت اول الأحفاد الذكور فى بيت العائلة ولذا تم تسميتى على اسم جدى. كان جدى يكن لى حبا خاصا وكان الجميع يعلم ذلك . حتى بعد أن كبرت - نسبيا - وتعلمت قيادة السيارات - تعلمت القيادة فى سن 13 تقريبا- كنت انا سائقه المفضل وكان يتفاءل بى دائما.وكنت فى المقابل احبه كثيرا  مات جدى وكنت فى العشرين .كان شعورا غريبا فلا أشعر بشىء فقد مات أحدهم.وقمنا بعملية الغسل وانا لا أشعر بالحزن لدرجة انى تعجبت وسألت نفسى هل لا أملك مشاعر. لكن يبدو أننى كنت فى غير وعى. فعندما حملنا النعش وبدأت الجنازة تسير وجدت نفسى لا أستطيع التنفس وبدأت انفاسي تتسارع بشكل جنوني وسقطت شبه مغشيا على وكنت أبكى وانتحب بصوت عالى لمده لا أدرى كم هى ولكنها دقائق ربما 5 دقائق. وكان هناك أشخاص بجانبي تركوا الجنازة وبقوا معى لمساعدتى لا أدرى من هم أو كم عددهم. احضروا لى ماء لاشرب ولكنى دفعت الماء وقمت وكان شىء لم يحدث. جريت حتى الحق بالجنازة ولحقت بها وأكملت المراسم وكانت أول مره ادخل القبر واضع الميت. منذ هذه اللحظه فقد الموت معناه القديم بالنسبة لى فأصبحت لا أحزن على من مات.   الخلاصة: عندما يموت شخص تحبه جدا فإن اى حادث موت بعده  يصبح  حادثا عرضيا كاى حادث لا يسبب لك الحزن. كل شخص يبكى على شىء مختلف عند وفاة أحدهم - اتذكر مقولة امى عند وفاة زوج خالتى-  فمن أحق أن أبكى عليه الميت أم الحى ؟ الأولى بالبكاء هو أن تبكى على نفسك!. فغدا ستموت فهل أعددت نفسك. انت نعم انت ستموت وتغسل وتكفن وتلقى فى حفره ويتركك الجميع فقط عملك يبقى معك . فهل أعددت لهذا اليوم؟ إذن فليبكي كل على نفسه.  
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق