]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جبابرة أرض الكنانة

بواسطة: جهلان إسماعيل  |  بتاريخ: 2016-03-15 ، الوقت: 11:45:26
  • تقييم المقالة:

بقلم: جهلان إسماعيل

الكبر هو أول ذنب عُصي الله به بعد خلق الجن والإنس، حيث أمر الله عز وجل الملائكة أن يسجدوا لأدم الذي خلقه بيديه من باب التكريم والتشريف (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكِبْر وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ).البقرة

 سجد الملائكة جميعا وامتثلوا للأمر ولكن إبليس عليه لعنة الله لم يمتثل للأمر الإلهي، و أخذه الكبر والغرور لشعوره بالتميز وقال:(أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).الأعراف

وقد حرم الله الجنة على من كان في قلبه مثقال ذرة من الكبر "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر". [أخرجه مسلم].فكيف بمن امتلأ كِبْراً، من رأسه حتى أخمص قدميه؟!.

وجعل عقوبة الكبر من أعظم العقوبات لأن المتكبر ينازع الله في وصفه. جاء في الحديث القدسي: ( قال الله عز وجل : الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار )، وروي بألفاظ مختلفة منها (عذبته ) و(وقصمته )، و(ألقيته في جهنم )، و(أدخلته جهنم )، و(ألقيته في النار ) الحديث أصله في صحيح مسلم وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وغيرهم وصححه الألباني .

فالعظمة والكبرياء صفتان لله سبحانه ، اختص بهما ، لا يجوز أن يشاركه فيهما أحد فهما من خصائص ربوبيته وألوهيته ، فلا يقبل أن يشاركه فيهما أحد .

والمتكبرون في هذه الدنيا هم أهون الناس وأذلهم يوم الحشر ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال ، يغشاهم الذل من كل مكان ، فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس ، تعلوهم نار الأنيار ، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال ) رواه الترمذي وحسنه الألباني .

والكبر هو خلق باطن تظهر آثاره على الجوارح والتصرفات ،و يوجب رؤية النفس والاستعلاء على الغير ، فصاحب الكبر يرى أنه أفضل ممن حوله جميعا ومن أسوأ آثار الكبر أنه يحرم صاحبه من الاستفادة من العلم  ومن وقبول الحق والانقياد له  ، ولهذا فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الكبر بأنه بطر الحق : أي رده وجحده ، وغمط الناس أي : احتقارهم وازدراؤهم .

وقد حظيت أرض الكنانة على مدار التاريخ بالحظ الأوفر من الجبابرة والمتكبرين والطغاة حتى قيل إن تسعة أعشار الظلم في الدنيا ينام  بأرض الكنانة، والعشر الأخير يطوّف بأرجاء المعمورة ثم يعود إليها أيضا، إذ حكمها الفراعنة وساموا الناس سوء العذاب فقتلوا أبناءهم واستحيوا نسائهم واستعبدوهم و رموا بهم في أتون السخرة حتى أرسل الله موسى عليه السلام وأخاه هارون لإنقاذ بني إسرائيل وأهل مصر من طغيان الفراعنة وجبروتهم ، وقد حكى القرآن قصة موسى عليه السلام مع فرعون مصر في العديد من المواطن ، وأيد الله موسى عليه السلام بالحجج والبراهين والمعجزات الباهرات ومع ذلك فإن كبر فرعون وجبروته منعه من الاستجابة لدعوة الله عز وجل كما قال سبحانه عن فرعون وقومه : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا }، فكانت النتيجة أن أهلكه الله هو وجنوده ( فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيم(الذرايات40 ، بعد أن كانوا يرفلون في النعيم ويتقلبون في الخيرات (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (29)) الدخان.

وهلك مع فرعون وجنوده وزيره وساعده الأيمن وعقله المفكر هامان ، وقد كان هذا الوزير مثالاً لوزير السوء في بلاط الملك الكافر وكان مسؤولا عن البناء والتشييد وهو المجال الذي برع فيه الفراعنة:

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36)أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ(37)﴾ غافر

وعلى أرض الكنانة دارت قصه قارون الذي اغتر بأمواله وكنوزه .قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ.﴾ ، وإذا كانت مفاتيح الحجرات التي وضع فيه كنوزه تحتاج إلى عصبة من الرجال لحملها فكيف بالكنوز نفسها ، ومع ذلك فلم يرع هذه النعم التي أنعم الله بها عليه ، وقد نصحه عقلاء قومه بأن يتق الله في نفسه وقومه ولكن الرجل مضى سادرا في غيه ومنعه كبرياؤه من قبول الحق والانقياد له وقال قولة منكرة (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) ، فكانت النتيجة المحتومة (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ.

وعلى أرض الكنانة عاش وحكم االرافضي العبيدي الخبيث الحاكم بأمر الله (هلك عام 411 هـ)،المنسوب ظلما وزورا إلى السيدة فاطمة رضي الله عنها ، وقد بلغ الذروة في الكبر والطغيان والفساد حتى قيل فيه:

لك ما شِئْتَ لا ما شاءت الأقدار *** فاحكم فأنت الواحد القهار

وقد كان الحاكم جبارا عنيدا سفاكا للدماء وقد بلغ عدد قتلاه ثمانية عشر ألفا في مدة حكمه ،وقد قتل من العلماء والكتاب ووجهاء الناس ما لا يُحصى عدده، وكان غريب الأطوار متناقضا في تصرفاته وسلوكه ، فكان يركب حمارا ويمارس الحسبة  بنفسه في الأسواق، فإذا وجد تاجرا يغش في السلع أمر عبد اسودا كان يطوف معه أن يفعل فيه الفاحشة ، وقد بلغ به الأمر أنه عطل بعض شرائع الإسلام ثم إدعى الالوهية ومات مقتولا على يد أحد الأتراك.

ومن هؤلاء الطغاة الجبابرة جمال عبد الناصر الزعيم الخالد ( هكذا لقبوه ) الذي حكم مصر بالحديد والنار فأصبحت مصر في عهده سجنا كبيرا  عذب فيه هو وزبانيته الدعاة والعلماء وأذاقوهم  من صنوف العذاب ما تشيب لهوله الولدان،وتقشعر له الأبدان وأعدم الكثير من العلماء والدعاة من أمثال الفقيه القانوني عبد القادر عودة وصاحب الظلال سيد قطب رحمهما الله والداعية الشيخ محمد فرغلي وغيرهم الكثير.

ويكفيه إثما أنه هو الذي ألغى المحاكم الشرعية التي كانت تحكم بشرع الله بعد أن ضيق عليها الخناق وأهملهاو كان قرار إلغاء المحاكم الشرعية في عام 1955 م بعد أن قام بتلفيق تهمة دعارة لقاضيين من قضاة المحاكم الشرعية ليواري بها جريمته النكراء ويصرف بها أبصار الناس عن المصيبة الكبرى التي وقعت بهم، وبعده بست سنين أصدر عبد الناصر عام 61 م قانون الأزهر الذي ألغى هيئة كبار العلماء بها و قلص سلطات شيخ الأزهر لتكون في يد وزير الأوقاف ليحدث الصدام المتوقع بينهما و تضعف المؤسسة الدينية بالبلد على طريقة " فرق تسد" . وقد استولى عبد الناصر على كل الأوقاف الإسلامية التي كانت في حوزة الأزهر الشريف حتى يصبح علماء الأزهر مجرد موظفين في حكومته ينتظرون رواتبهم في نهاية الشهر وبذلك يصبحون تحت سيطرته ويفصّلون له ما يشاء من فتاوى تخدم أهواءه وتبرر تصرفاته ليتستر بها أمام الناس.

وعلى حين صودرت أوقاف المسلمين وسحبت من الأزهر تركت لكل كنيسة أوقافها في حدود مائتي فدان و ما زاد عن هذا كانت الدولة تأخذه و تدفع ثمنه بسعر السوق و هو ما ادى في أواخر السبعينات إلى مناداة عدد من الأصوات في مجلس الشعب بمساواة أوقاف المسلمين بأوقاف المسيحيين.

كان عبد الناصر متكبرا متعجرفا كارها للدين وأهل التدين بشكل عام وكان يسخر من علماء الدين في خطبه‚ واتهمهم بأن أحدهم من أجل وليمة عند إقطاعي‚ يقدم فيها خروف أو ديك رومي: يبيع دينه‚ ويصدر فتواه في إقرار المظالم الواقعة على الفلاحين‚ وهضم حقوقهم‚ وأكل عرقهم.

وأنا هنا لا أتحدث عن المصائب التي لحقت مصر والعالم العربي تحت حكم عبد الناصر ، فهي كثيرة جدا منها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي ومنها ما هو عسكري ، ولكني أشرت إلى عداوته لدين الله وكراهيته للإسلام وشعائره وعلماءه من خلال ما فعله أو ما قاله ونقل عنه ، وما كان يحمله في نفسه من صلف وكبر وعناد أهلك به الكثير من العباد وخرب به البلاد حتى هلك مسموما في عام 1971 م بعد 18 عاما في حكم مصر.

وبعد أن هلك الزعيم الخالد ، أرسل الله إلى أرض الكنانة جبارا آخر لا يقل طغيانا عن سلفه ، لقب نفسه بالرئيس المؤمن ، وقد حكم مصر 11 عاما ، اصدر خلالها تسعة عشر ألف أمر اعتقال رسمي ولا ندري كم عدد الاعتقالات غير الرسمية ، وقد طالت الاعتقالات أبناء الحركة الإسلامية دعاة وعلماء من أمثال الشيخ أحمد المحلاوي والشيخ الضرير عبد الحميد كشك ، وقد أصيب في أواخر عصره بجنون العظمة وخاصة بعد العبور الذي تم في معركة  1973 م ، فكان يخرج على الناس ممسكا بعصا المارشالية كالفرعونوقد أخذته نشوة الإنتصار وقال " لا تنسبوا للغيوب ما فعلته الشعوب" فما زال يتخبط في صلفه ويتيه في كبريائه حتى أهلكه الله وهو يحتفل بانتصاراته المزعومة بين أجناده وحراسه.

 

وبعد الحرب مع اليهود فتش "الرئيس المؤمن" في كنانته وعجمها عودا عودا واختار من بين أجناده أغلظهم قلبا وأبعدهم عن الرحمة ووقع اختياره على حسني مبارك  فحكم أرض الكنانة ثلاثين عاما ملأها بالمظالم ، فقتل وسجن وعذب وصادر أموال أناس لا يعلم عددهم إلا الله ، وقد حظي أبناء الحركة الإسلامية بالنصيب الأوفر من ذلك وقد أحصوا من بداخل سجونه يوم خُلع من كرسيّ الحكم فتجاوز الأربعين ألف سجين  ، وقد ثار الناس على حكمه بعد ثلاثين عاما من الذل والإهانة ، وبعد أن خربت البلد وأوشكت على الإنهيار ، ومع ذلك فقد كان يعدُّ ابنه المدلل ليرث عنه الملك ، ولكن أقدار الله أبت إلا أن يُلقى هو وبنوه في مزابل التاريخ ، ولكن الخبيث عهد بحكم أرض الكنانة إلى عسكره  فخططوا ودبروا المكائد العظام من أجل تفريق شعب الكنانة وإذكاء نار العداوة بين  طوائفه ، ومع ذلك فقد اختار شعب الكنانة حاكما صالحا لأول مرة في تاريخه ، وكان الرجل متدينا حريصا على دينه ، محبا لوطنه ، نظيف اليد عفيف اللسان ، مدافعا عن أمته الإسلامية ، مناصرا للشريعة ، فأوجس العسكر منه خيفة " وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد " ، فاجتمع على الرجل عساكره وقضاته وأهل العلمنة  وأهل النفاق وعاونهم جهلة الناس وسفلتهم وأطاحوا به من سدة الحكم بعد عام واحد  وألقوه في السجن ظلما وعدوانا .

وآلت الأمور على أرض الكنانة إلى طاغية وجبار آخر سام شعبها سوء العذاب ، فذبح أبناءهم وقتل رجالهم واغتصب رجال شرطته النساء وسجن الأطفال وحرق المساجد وهدمها على رؤوس العباد وحرق المصاحف والكتب ولم يتورع عن شيء في بيوت الله ، وملأ السجون بالمعتقلين حتى ضاقت السجون بأهلها فأمر ببناء 20 سجنا جديدا ، ومات المعتقلون في السجون تحت التعذيب والقهر ، وجمع حوله المنافقين من علماء السوء فاعتبروه رسولا أرسله الله إلى أرض الكنانة لينشر على أرضها وبين شعبها العدل والنور ويخلص الناس من شرور الإسلاميين ، ووقف إلى جواره رجال الإعلام ممن لا أخلاق لهم ولا دين ، وناصره  رجال القضاء  الفاسدون من اللصوص والمرتشين وقد استعان بكل خسيس ليعاونه في قمع شعب الكنانة  وقد بلغ من وقاحة أحد أعوانه أنه قال : " سأسجن كل من يخطئ حتى لو كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم"

ومازال هذا الطاغية حتى الآن جاثما على صدور شعب الكنانة ، وما زال عسكره وأعوانه يعيثون في الأرض فسادا دون أن يعتبروا بمن مضى من الجبابرة والطغاة ، ولكن سنة الله لا تتغير ولا تتبدل ، فلكا ظالم نهاية ولكل ليل فجر ، وبعد المخاض لابد من الولادة والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق