]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المعطف // قصة قصيرة

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2016-03-12 ، الوقت: 09:39:25
  • تقييم المقالة:
المعطف : قصة قصيرة ...أحمد الخالد.
-------------
معلق في مسماره على حائط الحجرة ذاتها .. رمادي اللون .. زخرفاته ورود ذبلت تحت زخات التراب والاهمال ؛ ظل محتفظا بكونه لم يصنع لأمثالها كعادة القطعة المميزة التي تأتي ذات فرصة ؛ ينتظر الشتاء تلو الشتاء لترتديه لكنها أبدا لم تفعل منذ تلك الليلة .. تدرك أنها إن فعلت ستؤكد لمن يعرفها أنها جديرة بأن تكون امرأة من طراز المعطف ؛ ولمن لا يعرفها ستؤكد أن بصمة الفقر في ملابسها هي التي تخبئ أنثاها التي تعشقها و لا يعرفها سوى زوجها.
تلك الأنثى التي داعبها في غفلة من الحراس خلسة في زيارتها الأخيرة له بالسجن ، والتي لم يحرص في الزيارة إلا على توصيتها بالحفاظ عليها مصونة لحين عودته
- بعد سنين عشر قد تطول إن أفردوا القضايا وقد تقصر إن شملني العفو 
لم يسأل عن طفليه ، عن السكن التي اضطرت أن تتركه هربا من أنصال عيون الجيران ..... لم يسألها عن الحجرة ذات الحمام المشترك التي لجأت إليها فقط سألها أن تصن له جوهرته .. أنثاه .
لم تجد وقتها الكلمات المناسبة لتصف تلك الغصة التي ملأت صدرها في رحلة العودة منها .
- حتى أنك لم تسألني كيف أطعمهما !
وجدت طفليها في سبات عميق ، رغم اجهاد الطريق وبعثرتها في المواصلات .. أخرجت أدوات زينتها وتزينت كما العروس واختارت فستانا صيفيا اشتراه يوما لكنه لم يسمح لها أن ترتديه إلا له .
- يظهرني كأميرة فاتنة كما أحب أن أرى نفسي دوما . 
أحصت ما تبقى معها فوجدت أنه من المناسب أن تركب تاكسي : 
إلى أين ؟ 
لا تعرف . المهم أن تركب تاكسي وتخرج منه كأميرة حين يتوقف . 
الليلة باردة .. زادتها الدنيا عنادا فأمطرت .
- هل تريد السيدة أن أعود بها ؟!
- لا 
فما تبقى معها لا يكفي لرحلة العودة بتاكسي . 
- سأنزل هنا .
أنقدته ما معها ونزلت .
ملأت صدرها بالهواء في نفس عميق فبدت كأميرة في ثوبها الملكي تخلى أميرها عنها فتخلى جسدها عن أنانية عينيه، صاعدة شرفة البهو الملكي تلقمه عيون الرعية .. غير مكتفية بالجند ... قاومت رغبة ملحة في الرقص تحت المطر ، عوضها عنه الارتعاش تحت سياط الريح .
بدا النيل ماردا يرضع عن شبع من ثدي الشتاء ، والكورنيش يغوص في برك المطر و الصمت ، خاليا إلا من السيارات التي توزع عجلاتها زخات الطين على الرصيف .. حيث ساقيها قد صارا جذعين لشجرتين عجوزين .
- لم هذا الجنون ؟!
لم تجد إجابة للأسئلة الطائرة من السيارات تذروها الرياح ؛ كما لم تستطع يداها أن تشمل عري الكتفين بالدفء تحت زخات المطر ؛ أعطت ظهرها للنيل ووقفت كتمثال عاري الكتفين ونصف الصدر في فستان قصير كسارية لشراع مركب تبعثره الريح . 
سيارات رجال فرادى تبطئ قليلا تحت شرفة عينيها ، فستانها الصيفي يؤكد لهم جنونها ؛ فيفرون بحثا عن عاقلة تحتاج رغبتهم .. تاركين بصمة معاودة السرعة على ساقيها مزيدا من الطين والماء في البركة المجاورة لقدميها .
- هل تحتاج السيدة إلى مساعدة ؟
نظرت ؛ كان سائق سيارة فارهة يرتدي زيا تقليديا كسائق خاص وبالخلف رجل وامرأة ، فيما يبدو أحدهما من أمره بالتوقف حذاها .
- هل تركب السيدة معنا لتوصيلها ؟!
قالها الرجل من المقعد الخلفي ؛ متفحصا تلك الأميرة التائهة في بهو قصر من المطر ؛ متابعا شراع المركب يعلن لعينيه روعة السارية . 
نظرت المرأة بجواره إلى كتفيها العاريين ونصف نهديها البارزين ، أخفى التأفف نهر المطر من فوق الجسد المرتعش ؛ فسارعت :
- لعل طريق السيدة غير طريقنا . 
ما بين سنديان الرحمة ومطرقة الخشية ، اختارت ؛ فخلعت معطفها وناولته للسائق ، مشيرة له بالنزول لها .
كانت يد السائق الأخرى تدس ورقة مالية أخرجها من جيبه في يدها تحت المعطف .
- اركبي تاكسي وارجعي بيتك يا ابنتي . 
لم تستطع الرفض . 
تذكر جيدا أنها ما أن ارتدت المعطف وارتداها ، حتى عاودت سيارات فرادى رجال تبطئ عند قدميها ، ثم تعاود الفرار .. فسيدة مجتمع كما بدت في المعطف ليست هدفهم أيضا . 
أحمد الخالد

« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق