]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التصوف السني: تجربة وجدانية مميّزة

بواسطة: منتصر بوعجيلة  |  بتاريخ: 2016-03-09 ، الوقت: 14:16:06
  • تقييم المقالة:

يعرف الإمام الجرجاني في كتابه التعريفات التصوف باعتباره الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا فيرى حكمها من الظاهر في الباطن وباطنا فيرى حكمها من الباطن في الظاهر فيحصل للمتأدب بالحكمين كمال.

فالمتصوفة يتعالون على حبّ الدنيا فلا تدخل قلوبهم لتكون بواطنهم صافية نقيّة فيبصرون بها ما لا يتبصرون غيرهم ومرجع ذلك ما ذكر عن أبي الحسين النوري في قوله عن التصوّف بأنّه "ترك كل حظ النفس". ومن هنا يكون التصوف تجربة وجدانية يرتقي من خلالها المتصوف إلى مقامات أعلى و لا يكون ذلك إلا عبر كثرة الذكر والمداومة عليه فتتزكى نفسه وتتربى سريرته ويتحلى بمكارم الخلق والتي هي أساس الدعوة المحمدية حيث قال المصطفى صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم بمكارم الأخلاق"

ويسمّي أخل التصوف رياضة الذكر بالخلوة فقد بيّن محي الدين عبد القادر الجيلاني في كتاب سرّ الاسرار أنّ الخلوة على وجهين : ظاهر وباطن : "فالخلوة الظاهرة عزل نفسه وحبس بدنه عن الناس لئلا يؤذي الناس بأخلاقه الذميمة ويترك النفس مألوفاتها. وحبس حواسها الظاهرة لفتح الخواص الباطنة"

وفي الخلوة الباطنة يقول الشيخ " أن لا يدخل في قلبه من التفكرات النفسانية والشيطانية مثل محبة المأكولات والمشروبات ومثل محبة الأهل والعيال ومثل محبة الحيوانات والرياء والسمعة والشهرة."

وهذا باب من الأبواب الإيمانية يطرقها المتصوف مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم  في صحيح البخاري " لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين "

وروى مسلم كذلك " لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله و ماله و الناس أجمعين"

فمحبة النبي عليه الصلاة والسلام وتعلق القلب معه سبيل حب الله عز وجل والاستمساك بدينه وهي طريق إلى  العشق الإلهي ويكون دور الشيخ هاما في ذلك فهو المربي والمرشد والهادي. ولا يلعب الشيخ دور الواسطة بين العبد وربه بل هو خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم مريديه ويبين لهم ويعرفهم وقد تدرج في مقامات العرفان ويحببهم في رسول الله عليه السلام وآل بيته بتبيان سيرته وسرده لأخلاقه.

ونستفيد مما سبق أن التصوف في حقيقته اجتماع ثمّ استماع ثم اتباع فاجتماع المريدين على حب شيخهم واجتماعهم جميعا في طريقة واحدة على حب الرسول صلى الله عليه وسلم وحب آل بيته وحب الرحمن الرحيم أساس لسعادة النفس وتقلب القلوب إلى الخير.

إنّ الصوفي الحقيقي هو الذي خلق من تجربته الوجدانية نمط حياة يحيا به فتتخلى نفسه بذوق رفيع ويتخلى عن كل شائبة من شوائب الأخلاق الذميمة لتتجلى له حقائق عرفانية صادقة. يقول سبحانه" ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيكم من رحمته" وقال صلى الله عليه وسلم:" ثلاثة من كنّ فيه فقد ذاق طعم الإيمان: من كان لا شئ أحب إليه من الله ورسوله ، ومن كان أن يحرق في النار أحب إليه من أن يترك دينه، ومن كان يحب لله ويبغض لله"

وعن درجات الذوق يقول الشيخ محمود الفركاوي القادري "الذوق الأول هو التصديق بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله، والثاني هو ذوق الإرادة أي إرادة الله والثالث ذوق الانقطاع إلى الله بالكلية ليذيقهم من رحمته"

ويفتخر أهل التذوق بقول الشيخ فريد الدين العطار "اذا اجتمع العقل والدين والعشق أدرك الذوق كلّ الأسرار التي يبتغيها الطالب"

ويتجوّل بنا الشيخ العطار في معارج القبول الرباني بين العقل والإيمان والعشق الإلهي فالذوق صفاء الفكر وروح القلب وحلاوة الكلمة ليبدع الصوفي وتفيض جوارحه، وقد اشتهر بين أهل الصوفية شعرا كثر كعمر بن الفارض المتزهد التقيّ صاحب الأبيات الخالدة ليكون سلطانا للعاشقين. يقول ابن الفارض في ديوانه:

ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا.........................سر أرق من النسيم سرى

و أباح طرفي نظرة أملتها ..........................فغدوت معروفا وكنت منكرا

فدهشت بين جمالها و جلالها........................وغدا لسان الحال مني مجهرا

وقد تأسست مدارس عديدة تتحدث عن العشق الإلهي كمدرسة رابعة وابن الفارض والرومي و السهروردي .

ويبعث التصوف السني في قلوب المؤمنين حب الحياة مع الله فهو ليس انغلاقا على النفس بل اقبالا على المجتمع ليؤسس لبنة اجتماعية متماسكة.

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق