]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لا أحد يثير جدلاً بتلك الطريقة…

بواسطة: فكري آل هير  |  بتاريخ: 2016-02-26 ، الوقت: 15:11:41
  • تقييم المقالة:
لا أحد يثير جدلاً بتلك الطريقة… “ب. سنجر” .. فيلسوف الأخلاق المثير للجدل فكري آل هير *** في البدء.. تتألف هذه المقالة من جزأين، يقدمان معاً تعريفاً مميزاً بفيلسوف غربي معاصر يحظى بشهرة واسعة في الأوساط الغربية، نظراً للجدل الشديد الذي تثيره آرائه ونقوده الأخلاقية التي تصيب تقريباً كل شيء بما في ذلك الدين والسياسة، في حين لا يكاد يعرف بشأنه هنا في المنطقة العربية، إلا القليلون جداً من المتخصصين الأكاديميين أو المهتمين بالفلسفة المعاصرة، فضلاً عن شحة المعلومات المتاحة باللغة العربية على شبكة الانترنت عن هذا الفيلسوف. انه فيلسوف الأخلاق الأسترالي بيتر سنجر (Peter Singer)- كانت بداية شهرته مع واحد من أشهر كتبه والذي كان قد صدر في العام 1975 بعنوان “تحرير الحيوان” (Animal Liberation)،  والذي تمت ترجمته الى ما يزيد عن ثمان لغات، بل أن البعض اعتبر هذا الكتاب انطلاقة حقيقية لحركة تحرير الحيوان العالمية. بيد أن كتاب سنجر الآخر الأكثر أهمية هو “الأخلاق العملية” (Practical Ethics)، الذي يعرض فيه جانباً من أسس فلسفته الأخلاقية، التي ترتكز على القول بأن الطبيعة الأخلاقية للفعل الانساني لا تعتمد على مجرد اعتناق بعض القواعد الأخلاقية البسيطة على غرار قاعدة “لا تكذب”، بقدر ما تعتمد في الأساس على عواقب الفعل نفسه، فالكذب برغم اعتباره فعل خاطئ في العادة، إلا أنه لا يعتبر كذلك حين ينتج عن الصدق أذى كبير، وهذا يعني بأن بعض الأفعال اللاأخلاقية تبرر أحياناً إن كانت نتائجها محمودة، وانطلاقاً من هذه المقولة فإن سنجر يقر بالقتل الرحيم، وضرورة أن يكون الطفل سوياً معافى، لأن الطفل الذي لا يكون كذلك لن يعيش حياة سوية، بالإضافة الى آراء أخرى انبثقت لديه من جوهر هذه الرؤية. أكثر ما أثار حيرتي، هو كيف ومن أي ناحية موضوعية يمكنني أن أقدم هذا الفيلسوف وفلسفته للقارئ العربي، في الحقيقة أن اختيار العناوين الداخلة في تركيب هذه المقالة، قد استغرق مني وقتاً أكثر من الوقت الذي لزمني لكتابتها..!! عموماً، يكفي هذا ولنبدأ الجزء الأول مع بيتر سنجر.. ولنرى ماذا لديه؟! [1- 2]- الهوية والآخر كتعريف بــ “سنجر”: من الصعب جداً إدراك مفهوم الهوية وتحديداً هوية الآخر عند “بيتر سنجر”، إذا ما عرفنا أن فلسفته وأفكاره تنطلق من رؤية إنسانية مجردة ذات طابع أخلاقي أكثر منه فكري أو معرفي. إن الآخر في فلسفة “سنجر” هو انعكاس مرأوي للذات من خلال انعكاسات أفعالها الأخلاقية على الغير، وكأن الآخر في وجوده وهويته وأفعاله متطابق مع الذات وكل ما يصدر عنها، لذلك فإن توجهات “سنجر” الأخلاقية قد ابتعدت عن التصنيف الى حد كبير، واعتبرت أن انسانية الانسان هي المحك الذي تقع عليه كل أفعال البشر وسلوكياتهم، فإما أن تعبر عنها أو تنقضها. الآخر عند “سنجر” قد يكون المرأة وقد يكون الطفل وقد يكون الرجل، وقد يكون أيضاً “الحيوان”، لذا تأتي معالجات سنجر الأخلاقية بعيدة عن دائرة التوصيف الغيري، لتصف أوضاع وأحوال وقضايا يعتبرها هو في الأساس “انسانية”، على أساس أن كل الأخطاء البشرية إنما تنتج بسبب قصور في التفكير أو نقص في الوعي، والذي يترتب عنه إخلال بتحقيق مبدأ المساواة بين البشر في دائرة علاقاتهم المتبادلة، وعلاقاتهم مع غيرهم كالحيوانات مثلاً. يقول بيتر سنجر: المبدأ الأساسي دائماً هو المساواة بين جميع البشر، وهو مبدأ قائم على الأخذ والنظر الى المصالح، ولكن من الناحية الأخلاقية فإن هذا المبدأ يجب أن يدفعنا الى الدفاع عن جميع أشكال وصور المساواة بين البشر، مهما كانت الاختلافات والفروق بينهم، ولكن تطبيق هذا المبدأ لا يجب أن يقتصر على البشر وحدهم، بل يجب أن يشمل وأن يدخل في دائرته كل الأنواع الأخرى من غير البشر، فعلينا أن نتقبل ونقبل بمبدأ المساواة نفسه باعتباره الأساس الأخلاقي السليم للعلاقات مع من هم خارج نوعنا- أي الحيوانات غير البشرية”([i]). إن الغاية في تطبيق مبدأ المساواة على أساس أخلاقي، من وجهة نظر “سنجر”، ليس تحقيق المصالح المترتبة عن كون الجميع داخل النطاق البشري، سوف يحصلون على فرص متساوية، فالفرص المتساوية ليست ضماناً كافياً لتحقق المساواة فعلاً، بل إن الغاية يجب أن تكون متجهة صوب “رفع المعاناة” عن الآخرين، أياً كانوا هؤلاء الآخرين بالنسبة لنا، وسواء كانوا بشراً من نوعنا أو حيوانات من أنواع أخرى، ذلك أن تحقيق المصالح ينجم عنه دائماً التسبب في معاناة الآخرين([ii]). وينظر “سنجر” الى كل الممارسات التي تنتهك المساواة، فيؤكد على أن العنصرية القائمة على اللون – كالعنصرية ضد السود- أو النظرة الممايزة للآخر على أساس النوع والجنس – كالنظرة الى المرأة- وغيرها من الأشكال التي عرفها العالم، هي بالأساس نابعة عن تقدير للمصالح، وبالتالي فإن المصالح لا يمكن أن تكون معياراً للمساواة، حتى في حال المناداة بها لجميع البشر على حد سواء، لأن هذا غير ممكن أساساً، ولكن المساواة من منطلق رفع المعاناة عن الآخر، يمكن أن تكون قاعدة واسعة للقبول بها، وللقبول داخل دائرتها بأن يسري الأمر نفسه على الحيوانات([iii]). وفي هذا الإطار يرى “بيتر سنجر” أن الحياة لن تكون ذات قيمة إذا سمحنا بأن يكون وجود شخص أو نوع آخر يعاني فقط لأن من حقه أن يعيش، ما الذي سيجنيه البشر من معاناته؟!- ويعطي “سنجر” أمثلة على قاعدته الأخلاقية هذه، في القتل الرحيم إذا كان هذا سيوقف من معاناة شخص، وفي اجازة تطبيق هذه السلوك على الأطفال المعوقين وذوي العاهات العقلية، فهؤلاء لن يكونوا سعداء لأنهم أحياء، ولا نحن سنكون سعداء لأنهم كذلك على ما هم عليه. حيث يتساءل “سنجر” في كثير من الأحيان، لماذا نقبل بأن نكون من خلال معاييرنا الشخصانية سبباً في معاناة الآخرين، مع أن هذا في حقيقة الأمر لن يسبب لنا السعادة، لو اعتقدنا أن من حق الكل أن يعيش لمجرد أنه يعيش([iv]). ويعتقد “سنجر” أن الآخر هو تجسيد حقيقي لمسؤولياتنا الذاتية – أياً كان هذا الآخر الذي نعنيه أو نصفه- فليس من الصحيح أخلاقياً أن ننظر إليه على أساس ما نريده نحن، بل على أساس ما يجب علينا القيام به من أجله، وإنه لمن السيء جداً أن نعطي قيمة أو أن نقيم اعتباراً لتلك الأفكار التي تبرر لنا التقليل من شأن الآخرين، على أساس مصالحنا وقيمنا الشخصية، دون الأخذ بالاعتبار بمصالحه هو، أو بالألم الذي يمكن أن تتسبب به له مواقفنا السلبية تجاهه([v]). ثمة رؤية وظيفية للعلاقات والمواقف المتبادلة بين الذات والآخر يتبناها “بيتر سنجر”، قد لا تبدو واضحة من حيث مباشرتها ووضوحها في معرض سيق آرائه وأفكاره، ولكن بالإمكان دوماً أن نستشفها ضمناً في الطيات العميقة لكتبه ومقالاته وحواراته، هذه الرؤية الوظيفية التي يعطيها طابعاً أخلاقياً تتمثل في مدى ما يمكن أن يقوم به الانسان للحد من ألم الآخر ومعاناته، أو للمساهمة أكثر في تحقيق سعادته. ويعتقد أن كل الممارسات التقليدية ذات الطابع النفعي قد تجردت من أخلاقياتها، ففي روما المسيحية كان (50) ألف متفرج يستمتعون بمشاهدة سلسلة المصارعة التي تنتهي بقتل أحد المصارعين، ما هي المتعة التي يمكن أن يجنيها كل هؤلاء من مشاهدتهم لعملية تعذيب علنية تمارس ضد شخص، يفترض أننا نتألم لمعاناته وليس أننا نتمتع بها. ويضيف سنجر أن النظرية الداروينية لطالما قدمت اعتقاد شيء بأن الرجل متفوق عقلياً على المرأة، وأن هذا الاعتقاد كان أساساً للكثير من الممارسات التي تسببت بالكثير من المعاناة للنساء([vi]). والواقع أن “بيتر سنجر” يعزو العديد من الصور المناهضة للمساواة الى النظرة “الداروينية” التي لربما اعتبرها مفلسة أخلاقياً([vii]). ويدين “سنجر” تلك النظرة البراجماتية – النفعية – التي تم على الدوام استخدامها لتبرير الممارسات المناهضة للآخر، على غرار استخدام الحيوانات في التجارب العلمية، أو تبرير أكل لحوم الحيوانات، وبالتالي فإذا كنا نحرص على تحقيق المنفعة، فلنحرص على تحقيق المنفعة للجميع وليس لفئة على حساب فئة، وإلا فإن النفعية بهذا الشكل ما هي شكل من أشكال العنصرية التي تبرر اضطهاد الآخر والتسبب بمعاناته، فكيف ندين العنف الذي يمارس إزاء النساء أو السود ولا ندينه عندما يمارس ضد الحيوانات، وضد الأطفال، أو ذلك العنف الذي تمارسه الدول الغنية ضد الدول الفقيرة، لاسيما ذلك العنف الذي لا نجد غضاضة في استخدامه لأنه مبرر في عقولنا بتبريرات علمية أو دينية أو ما شابه([viii]). ومن الواضح أن “بيتر سنجر” يضع فلسفته الأخلاقية كأساس لإعادة بناء تصوراتنا عن أنفسنا والآخرين، ولعله كما اعتبره الكثيرين جاء متبنياً فلسفة “جريمي بنثام ” (Jeremy Bentham) (1748-1832)([ix])، لاسيما نظريّته الأخلاقيّة في المنفعة، والتي قوامها مبدأ السعادة القصوى، أو القدر الأكبر من السعادة، باعتباره مطلب فردي وجماعي في آن؛ فالكلّ يبحث عن أكبر قدر من السعادة. وانطلاقا من تحليله للعلاقة بين ثنائيّة اللذّة والألم من جهة والعقل والمنطق من جهة أخرى، وبين المنفعة الفرديّة والمنفعة الجماعيّة، انتهى “بنثام” إلى تأكيد شمول المنفعة الجماعيّة للمنافع الفرديّة، وإثبات قيام السعادة الإنسانيّة القصوى على المراعاة العامّة للقانون وقواعده المعتبرة لمبدأ المنفعة. فمثل هذا القانون كفيل بتحقيق الانسجام والتناغم بين صالح الفرد والصالح العام. والمشرّع “لا يحتاج إلاّ إلى معرفة الأحوال الخاصّة بالزمان والمكان التي أنتجت تقاليد وعادات خاصّة. وعندئذ يستطيع أن يسيطر على السلوك عن طريق تخصيص آلام وعقوبات لإحداث أفضل النتائج المرغوب فيها”([x]). وكنتيجة ختامية لهذا الجزء، يمكن القول أن هوية الآخر عند “بيتر سنجر” تتخذ طابعاً انسانياً مجرداً ومترفع أخلاقياً عن السقوط في درك الفكرة السائدة عن الهوية ومركزية الذات الغربية، كما أن تعامله مع القضايا والمشكلات التي تتعلق بالآخر، كان ولازال يراعي أبسط وأدق مستويات الخصوصية لكل حالة وقضية تنال اهتمامه، بحيث أن تمعنه في إظهار هذه الخصوصية بنوع من التفكيك، سوف ينتهي لاحقاً بإعادة تركيب للقضية وخصوصياتها من وجهة نظر أخلاقية صرفة، تتسم بالشمول والنزوع الانساني المفتوح على كل الذوات والذوات الأخرى باتجاه الإقرار بهويتنا الانسانية الواحدة. أشكر القراء الأعزاء.. على وعد باللقاء مع الجزء الثاني والأخير من هذه المقالة. ([i]). Peter Singer. Equality for Animals?, Excerpted from Practical Ethics, Cambridge, 1979, chap. 3. ([ii]). Ibid. ([iii]). Ibid. ([iv]). Ibid, ([v]).Peter Singer, Practical Ethics, 1st ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1979, pp 122–23. ([vi]).Peter Singer, Practical Ethics, 2d ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1993. p 142 ([vii]). Peter Singer. Equality for Animals?, Ibid. ([viii]).Peter Singer, “Ethics” in Encyclopædia Britannica, Chicago, 1985. pp. 627-648. ([ix]). عالم قانون وفيلسوف إنكليزي، ومنظر قانوني ومصلح اجتماعي، وكان المنظر الرائد في فلسفة القانون الأنجلو-أمريكي. ويشتهر بدعواته إلى النفعية وحقوق الحيوان، وفكرة سجن بانوبتيكون. كما شملت مواقفه الحجج المؤيدة للفرد، والحرية الاقتصادية، الفائدة، والفصل بين الكنيسة والدولة، حرية التعبير، والمساواة في الحقوق للمرأة، الحق في الطلاق، وعدم تجريم أفعال المثلية الجنسية. كما طالب بإلغاء الرق وعقوبة الإعدام وإلغاء العقوبات البدنية، بما في ذلك للأطفال.- راجع: Sunstein, Cass R. “Introduction: What are Animal Rights?”, in Sunstein, Cass R. and Nussbaum, Martha (ed.). Animal rights. Oxford University Press, 2005, pp. 3–4. And Francione, Gary. Animals—Property or Persons”, in Sunstein and Nussbaum 2005, p. 139, footnote 78. And Gruen, Lori. “The Moral Status of Animals”, Stanford Encyclopedia of Philosophy, July 1, 2003. Benthall, Jonathan. “Animal liberation and rights”, Anthropology Today, volume 23, issue 2, April 2007, p. 1. Bentham, Jeremy. “Offences Against One’s Self”, first published in Journal of Homosexuality, v.3:4(1978), p.389-405; continued in v.4:1,1978. Also see Boralevi, Lea Campos. Bentham and the Oppressed. Walter de Gruyter, 1984, p. 37. And Bedau, Hugo Adam. “Bentham’s Utilitarian Critique of the Death Penalty,” The Journal of Criminal Law and Criminology. Vol 74, 1983, p. 1033. ([x]). سباين، ج.: تطوّر الفكر السياسي، الجزء الرابع،  ترجمة: علي إبراهيم السيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2010. ص 176.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق