]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

" ثقافة الطوابير" !

بواسطة: بلقسام حمدان العربي الإدريسي  |  بتاريخ: 2016-02-24 ، الوقت: 06:41:49
  • تقييم المقالة:

 

فجرا ، أول يوم من عيد الفطر المبارك وأنا متوجها إلى مسجد لأداء صلاة الفجر ، وإذا بي أرى أناس مهرولين ذات اليمين وذات اليسار.  أصحاب اليسار متجهين صوب المخابز أما أصحاب اليمين راجعين منها وكل واحد حامل ،على الأقل، كيس مملوءا خبزا...

أصابتني لأول وهلة رعشة من الخوف ظنا مني أن هناك أخبار غير سارة ،  وبما إني  نمت مبكرا تلك الليلة و لم أتابع الأخبار فكرت في الرجوع للبيت ربما تكون هناك  أخبار  عاجلة تفسر  ما أرى...

  حتى أن تفكيري راح أبعد من ذلك  قلت لنفسي  ربما  مخازن الحبوب أصابها مكروها ،لا قدر الله،  أو تأثرت بشظايا من حرائق روسيا أو فيضانات ما وراء المحيط الأطلسي أو جرفتها فيضانات باكستان...

لكني تابعت في الأخير سيري   نحو المسجد مارا بعدة  مخابز وأمام كل واحدة منها    طابورا عرضا و طولا و أعناق كلها ممدودة إلى داخل المحل وعيونا شاخصة تراقب الرفوف والكمية التي مازالت  عليها ...

  كل ذالك يجرى تحت الأنظار الصارمة لصاحب المخبزة و الويل من يعكر  صفوة السير الحسن للطابور مصيره الزجر، هذا إذا كان محظوظا ولم يطرد من الطابور أو حتى التأديب ضربا ، كما وصل إلى مسامعي في بعض الحالات ...     

 المشهد اكتمل  عند وصولي للمسجد وبجانب بعض المصلين كيس أو أكثر من الخبز ، احتياطا ربما عند الانتهاء من الصلاة تكون الرفوف خاوية ...  

سألت  بعض من المصلين الذين أعرفهم عن المشهد فأجابني أحدهم ساخرا "يبدو أنك تعيش في المريخ و لا تعرف أن الطوابير أصبحت جزء من ثقافة المجتمع"...

ليقاطعه أخر ، قائلا  " هل سمعت ما حصل أمس ، آخر أيام شهر رمضان ،  عند أحد الجزارين عندما  كاد أحد أن ينحر الأخر بسكين الجزار  بعد أن حاول تجاوزه في الطابور" ، ليقاطعه الثالث ، قائلا " هل رأيت  ذلك  الطابور اليومي  أمام صائغ  ( بائع الذهب) ...

 تركتهم يسترسلون في الأمثلة أما  أنا تفكيري راح   أبعد من ذلك ، طارحا على نفسي أسئلة كيف يكون الحال لو أن هناك أزمة حقيقية ، كما حكي لنا أبائنا و أجدادنا  كانوا شهودا على  "سنين الفقر والمجاعة". سنين ،على كل حال، تبقى  متداولة بين الناس منذ أن خلق الله الأرض إلى يوم يرثها و من عليها" ...

متذكرا وأنا صغيرا قبل ظهور "ثقافة الطابور"   كيف كانوا أصحاب المخابز يتسابقون بوسائل نقلهم الخاصة  يجوبون الأحياء . ورغم أن قلة قليلة من الناس كانت تشتري خبزهم ، مع ذلك  لم ينقطعوا و لا يوما واحدا  وفي بعض الأحيان صباحا و مساءا...

وهنا يزداد حنقي و غيظي  على "نسوة" ، أغلبهن لا شغل و لا مشغلة إلا سرد للآخرين مشاكلهن الصحية ( أغلبها وهمية) ،  يتركن أزواجهن أو أولادهن عرضة لبهدلة الطابور وزجر التجار ...

  رغم  لا أحد يستطيع إنكار أن في كل بيت أو أغلبها  "معرض" لآخر ما توصلت إليه تكنولوجيا الطهي و أفران الخبز   من غاز  إلى كهرباء  ، إلى  التشغيل باللمس عن بعد، ويمكن لهن في اقل مجهود توفير عن أزواجهن تلك البهدلة اليومية أمام المخابز و غير المخابز ...

وازداد غيظا على رجال "طولا و عرضا" يقبلون بهذه الثقافة ،ثقافة  "البهدلة" و"خدش الكبرياء" أمام متاجر من المفروض أصحابها هم من يقفون خاشعين  في طوابير  أمام جيوب هؤلاء الزبائن و ليس العكس...

طوابير ، كنت و ما زلت  "أتطير" منها و أعتبرها دائما "فأل" و مدخل ومقدمة للشر و السنين العجاف . اللهم استرنا منها ومن "بهدلة الطوابير"...

    

 

 

 

 

بلقسام حمدان العربي الإدريسي

10.09.2010


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق