]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لا تنزعجوا من كلمة "طـز"!!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2016-02-23 ، الوقت: 10:49:23
  • تقييم المقالة:
 

ظللتُ زمناً أتعَجَّبُ من نُفور الناسِ من كلمةِ "طز"، وانْزعاجهم منها غاية الانزعاج، إلى درجة أنهم أحياناً يتعاركون بسببها، ويُخاصِمون بعْضَهم بعضاً أشدَّ الخُصومة.

وأقول بيني وبين نفسي: ما هي إلا كلمةٌ مكونة من حرفين، ومع ذلك فإنها تُحْدثُ من النفور والاشمئزاز والانفعال ما لا تحدثه كثيرٌ من العبارات والتراكيب!!

ولا أُخفي عليكم أني كثيراً ما فكرتُ فيها، وأردتُ أنْ أعرفَ مِنْ أيِّ مَصْدرٍ جاءت، وأي شريرٍ اشتقها من اللغة، أو نَحتها، أو أي شيطانٍ علَّمَها للناس؟!

وقرأْتُ كثيراً من الروايات والقصص، تأتي هذه الكلمة على ألسنة بعض الأبطال، وفي روايات "نجيب محفوظ" (2006/1911) خاصَّةً، فله رواية عنوانها (القاهرة الجديدة) جعلَ أحدُ أبطالها، اسمه "محجوب عبد الدايم" منْ كلمة "طز" فلسفةً وشعاراً في حياته.

وبقي السؤال عن "طز" عالقاً، إلى أن قرأت روايةَ "تاج الهدهد" للروائي المصري الجميل "ناصر عراق"، فعثرتُ على الإجابة، وقلتُ ضاحكاً:

ـ "طز" على من لا يعرف كلمة "طز"!!

فهي كلمة عادية جدّاً، وضرورية، ونافعة، ولا أحد يستغني عنها.. والذين ينزعجون منها حقّاً، هم الذين يُحْرَمون منها، وتضْطرُّهم أحوالُهم الصحية أن يمْتنعوا عنها، ولا يستهلكوها.

ما لكم تستغربون؟!

إنها المِلْحُ!!

نعم، "طُزْ" هي المِلْحُ الذي نضعه في طعامنا، ولا نستسيغُ الطعامَ إذا خلاَ منه.

ولماذا جُعِلَ للمِلْحِ هذه الكلمة؟

الجواب في "تاج الهدهد"، وها هو:

ـ ... ابتهجَ كثيراً حين توصَّلَ غلى معرفة معنى كلمة (طز) الموفورة الصَّيْتِ؛ إذْ قال لنا أدهم آنذاك إنها تعني (المِلح) باللغة التركية، ثم شرح لنا باستفاضةٍ كيف تحوَّلَ مدلولُ الكلمة مع الزمن إلى الاستخفاف والاستهانة!

حيث كان رجالُ الجمارك أيام المماليك يفرضون ضرائب باهظة على كل السلع التي تردُ إلى مصر، باستثناء الملحِ الذي تمَّ إعْفاؤه من الضرائب؛ الأمرُ الذي دفع التجار المصريين إلى التحايل على جبروت المماليك وتعسفهم، بزعْمِ أن الأجولة المستوردة ليس بها سوى الملح أي (طز)، فيسمح لها بالمرور دون ضرائب!

إذن، لا تستهينوا بكلمة (طز)، ولا تنزعجوا منها، فهي (الملح) الذي يحلو به الطعامُ، وتغتسل به العيون.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق