]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

إحراف مسار الثورات الإسلامية العربية

بواسطة: احمد اللبو  |  بتاريخ: 2011-12-23 ، الوقت: 18:12:02
  • تقييم المقالة:


لقد أربكت الثورات الإسلامية العربية كل القوى العالمية، وأربكت كل شياطين الجن والإنس في الداخل والخارج، وأربكت كل الحكام العرب من الدول المجاورة والبعيدة، وأربكت حكام الاستعمار، أربكتهم كلهم، فهم جميعهم سادة وتابعين حلفاء وأصدقاء وأولياء الحظيرة الواحدة.


إن هاجس الإسلام والدولة الإسلامية، وحقيقة وجودها سابقاً واحتمال عودتها مازال ماثلاً في أذهان الغرب والشرق، وما زال يقلقهم ويؤرقهم، بالرغم من سقوطها على أيديهم، وبالتالي فإن الكافر المستعمر هو أكثر من يحس بالدولة الإسلامية اليوم، ويعرف أهميتها وقيمتها، ويدرك قوتها وعدلها، ويهاب كارثة عودتها في السيطرة على العالم أجمع، وقطع الطريق على الاستعمار واللصوص والمجرمين، وهو الذي يحس بالدولة الإسلامية أكثر من المسلمين أنفسهم، فكما بيّنّا من قبل كيف قد نجح الغرب وأولياؤه من حكام وعلماء السوء في البلاد الإسلامية والعربية من محو حقيقة دولة الخلافة من عقول المسلمين وأفئدتهم، ومن أهمية وجودها المصيري لحياتهم ومماتهم، ونجحوا في تشويه صورتها في أذهانهم، وغيبوا ذكراها عنهم وعن الأجيال الحاضرة، وكيف غُيبوا عنهم حتى إمكانية أو احتمال عودتها، وكادوا يلغون جعلها مطلباً للمسلمين.

ومن ألوان هذا العبث بالأمة الإسلامية ما تم نشره وإطلاقه في العالم الإسلامي من أحزاب علمانية واشتراكية وشيوعية، وأعانوا على نشر أفكارها ومطالباتها، وتطبيق بعض أفكارها، وتدريسها بشكل جماعي وشعبي، كما حصل ذلك في العراق وحضرموت وبلاد الشام وغيرهم، وقد نجحوا بالفعل تلويث عقول جيل كامل من جيل الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي من المسلمين.

ولا ننس ما تم العمل عليه بقوة، باستخدام الإسلام لمحاربة الإسلام، بنشر أفكار (إسلامية!) محرفة، في إطار ما يسمى بالإسلام الوسطي، أو في إطار أطياف من الأفكار الصوفية ممن ليست من الإسلام في شيء، أو نشر حركات دعوية، مدعومة بمبالغ طائلة، للدعوة إلى الأخلاق والشعائر التعبدية، على أساس أن هذه الأفكار هي السبيل "بزعمهم" إلى الوصول إلى عالم إسلامي مثالي رومانسي، يجعل من المسلمين ملائكة مسالمين ومستسلمين في حظائر الاستعمار ومراتعه.

ولا ننس كذلك ما آل إليه واقع المسلمين من تفرقة بين المذاهب الفقهية الإسلامية، وعلى رأسها المذاهب السنية والمذاهب الشيعية، وقيام الدول بتبني مذهبٍ ما، وتكفير وقتال المسلمين الآخرين به من المذاهب الأخرى من الدول المجاورة، واستخدام هذا الأمر من الحكام لصناعة آلةٍ للكره والكراهية بين الشعوب في خدمة تفريقهم، واستخدامهم في الأعمال السياسية والقتالية ووقت الأزمات.

ولا ننس في إطار العبث بالأمة الإسلامية ما عكسته الدعاوى الوطنية والقومية على الشعوب ومواقفهم ووحدة فكرهم، فهذا مصري متعصب، وذاك عراقي متفاخر، وذاك حجازي أو نجدي أو خليجي متكبر، وهذا تونسي، وذاك ليبي أو يمني، كل ذلك ألقى بظلاله على الشعوب بأنانيتها وتفردها بهمومها واهتماماتها، بعد أن كان شعور الانتماء والفخر عند المسلمين عظيماً وقوياً في اتجاه أن أمتهم أمة واحدة، ومطلبهم واحد، ولا يعرفون حدودا بين هذا أو ذاك، غير شعور الانتماء إلى كل بلاد المسلمين أينما كانوا وأينما حلّوا.

ولا ننس التجارب التي قامت بها أكثر الحركات الإسلامية الغير منهجية بين الناس بين انتهازي ومتحمس وقتالي وصادق وجاهل،، هذه الحركات تسببت حقيقة في تشويه صورة العمل الإسلامي والإسلام عند الشعوب الإسلامية العربية وغير العربية، ناهيك عن منهجية التعصب والحزبية مما يعاني منه بعضها، هذا وذاك خلق نفوراً للناس من الأحزاب والجماعات الإسلامية، ونفوراً من مناهجها، حتى ولو بدا على إحدى الحركات أو الجماعات أو الأحزاب الصدق والمنهج والهدف الصحيح.

ولا ننس ما يصنعه الإعلام وتمكر به أجهزته،، وهي بحق معاول الهدم المترصدة لكل لبنة تُبنى على أرض المسلمين، التي تعمل ليل نهار لقتل أو هدم كل ما من شأنه ينبئ بنهوض أو صعود أو انتشار أو تطور أو ابتكار، وبعضها يستخدم الإسلام نفسه لمحاولة هدم حياة المسلمين وتغيير المفاهيم الإسلامية.

ولا ننس الأوضاع الاقتصادية المتردية التي يعاني منها المسلمون اليوم، فكما هي دافع للثورة والنهوض والإنكار، فهي موطن لكيد العدو الذكي وأفكار الإصلاحات الاقتصادية وأنصاف الحلول التي تقتل الثورات وتحرفها عن مسارها.

وأخيراً وليس بآخرِ ما تعاني منه الشعوب الإسلامية العربية من الجهل السياسي العميق، والجهل بحقيقة المبادئ المختلفة في العالم بعقائدها، وما تنتجه من أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية، ومن أفكار وأعمال وتحركات سياسية مقارنة بما عليهم كمسلمين المطالبة به.

بهذا الحمل الثقيل العظيم انطلقت الثورات العربية،، فبالرغم من التباين الفكري والشعوبي الذي يحمله المسلمون أفراداً ومجتمعات، في المشرق والمغرب، وبالرغم من كل ما يلف هذه الشعوب من اختلافات وموروث كريه في العلاقات والروابط، وبالرغم من كل الإساءات التربوية التي مورست في حقهم، من الأعداء ومن الحكام ومن زبانيتهم وأجهزتهم، وبالرغم من الانحراف الفكري الذي مارسته الأحزاب السياسية الكفرية اشتراكية كانت أو علمانية أو وطنية أو قومية في المجتمعات، وبالرغم من تغريب هوية الشعوب الإسلامية والعبث بلغتهم العربية، وبالرغم من كل ما ذكرنا من ترصد الأعداء لها وتحت غيظهم وحقدهم ومكرهم وترصدهم العسكري والإعلامي والاستخباراتي فقد انطلقت الثورات الإسلامية العربية على غير موعد، انطلاقة جماعية عشوائية، لا تدفعها إلا مشاعرها بالغبن والظلم والجوع والقهر، وتدنيس كرامتها وعزتها، وشعورها بالإهانة لمجدها وتاريخها العظيم وعزها الذي صنعه لها إسلامها.

أي أن القاعدة التي انطلقت منها الثورات كانت للأسف قاعدة مشاعرية ولم تكن انطلاقتها تستند إلى قاعدة عقائدية فكرية، بالرغم من أن العقيدة الإسلامية هي المادة التي صنعت منها أجساد وأرواح الثائرين المسلمين.

أي أن هذا الانطلاق الثوري لم يكن بسبب أن الحاكم حكم بغير ما أنزل الله، أو أسقط حكماً واحداً من أحكام الله أو عطل آخر، ولم يكن الانطلاق ناتجاً عن محاسبة الحاكم الشرعي بمخالفته ما انعقدت عليه البيعة مع الناس، بل ليس هناك تصور عن مسائل كهذه أو شبيهها، بل ليس هناك معرفة عامة عند عموم الناس عن مسألة السلطان والسيادة والفرق بينهما في الإسلام أو في غيره، ناهيك عن ما عُلم من الدين بالضرورة في مفهوم "دار الإسلام ودار الكفر".

ولذلك أخذت الثورات منحى شاملاً ومطلباً عاماً غير محدد ولا مخصوص، هذا المنحى هو إسقاط النظام وكل شيء مع النظام، وإسقاط الصانع للنظام ولقوّاده، المحتكرين للسلطان والسيادة في آن واحد، دون التوجه إلى مطلب معلوم ومدروس.

إن الأصل في الإسلام أن يكون السلطان للأمة، وأن تكون السيادة لله وحده، لا يشاركه سبحانه وتعالى في الحكم أحد، وهذا ما يوفره نظام الإسلام، وتوفره دولة الخلافة كنظام حكم سياسي لا يعرف المسلمون غيره ولا يستطيعون العيش بدونه، وهذا ما بدأ الناس وبدأت الثورات تحس به وتدركه وتتحول إليه، فالثورات أتاحت الفرصة للجميع أن يتحدثوا ويناقشوا ويبحثوا علناً ومع غيرهم أحوالهم وهمومهم، ويناقشوا مشاكلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، وانفتحت بالثورات آفاق وآفاق وسبل وشبكات واسعة من النقاشات والمجادلات وتبادل المعلومات بين المسلمين الثوار وغير الثوار.

لذا فإن الثورات لا يتم نصرها وفتحها بإسقاط النظام والحاكم هذا أو ذاك، وإنما نصرها يتم إن شاء الله بالتحول إلى مطالبها الحقيقية التي توافق عقيدتها وروحها الإسلامية وما تحب، وهو الإسلام لا غيره، ولذلك فإن الثورات كما قلنا لن تقف ولم تقف بإسقاط الحكام هنا أو هناك، بل هي لن تقف حتى يتحقق أمر الله ووعده.

إن عدونا الكافر المتربص بأعوانه وأنصاره ومن يعمل معه يدرك جيداً تحول شعوب المسلمين إلى المطلب الحقيقي وإلى حكم الإسلام ودولة الخلافة، ويدرك كذلك الواقع الحالي الفوضوي الذي تعاني منه الشعوب الثائرة التي مررنا على ذكرها، لذا فلم يتبق لهؤلاء الأعداء إلا أن يصطادوا في الماء العكر، ويقفوا حائلاً يحول بين الناس ومطالبهم، ويعملوا لأمر واحد فقط بقي أمامهم لا غيره وهو إحراف مسار الثورات.

 


المكتب الاعلامي لحزب الدستور


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق