]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الراكنون إلى الظلمة

بواسطة: جهلان إسماعيل  |  بتاريخ: 2016-02-10 ، الوقت: 21:14:24
  • تقييم المقالة:

بقلم/ جهلان إسماعيل

حرم الله عز وجل الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً " ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا.." [1]، وأقسم الله بعزته وجلاله أن ينصر المظلوم مهما طال ليل الظلم عليه  "وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ "[2]، ويوم القيامة ترد الحقوق لأصحابها ، ويقتص المظلوم من ظالمه " حتى يقاد للشاة الجَلحاء من الشاة القَرناء"[3].، وأول المظالم التي يقضي الله فيها يوم القيامة هي الدماء "أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء"[4]وذلك لعظم أمر الدماء في الإسلام.

عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل، فيقول: يا رب، هذا قتلني: فيقول: لم قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العزة لك. فيقول: فإنها لي. ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل، فيقول: إي رب، إن هذا قتلني. فيقول الله: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان. فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوء بإثمه))[5]

وقد حذر القرآن الكريم من معاونة الظلمة والركون إليهم ، وتوعد الراكنين إلى الظلمة بالنار والعذاب الشديد ، يقول الله عز وجل:

"ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون"[6]

 قال القرطبي في تفسيره:

قوله تعالى : ولا تركنوا الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به ، قال قتادة : معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم . ابن جريج : لا تميلوا إليهم . أبو العالية : لا ترضوا أعمالهم ; وكله متقارب .

قوله تعالى : إلى الذين ظلموا قيل : أهل الشرك . وقيل : عامة فيهم وفي العصاة .

قوله تعالى : فتمسكم النار أي تحرقكم بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم وموافقتهم في أمورهم .


وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ممالأة الظلمة وإعانتهم على ظلمهم ، وحذر من الدخول عليهم ، وتبرأ منهم ومن أفعالهم

عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال :

(( خرج الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن تسعة خمسة واربعه أحد العددين من العرب والاخر من العجم فقال :

اسمعوا هل سمعتم انه سيكون بعدي امراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم واعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وانا منه وهو وارد علي الحوض. ))[7]


من هم أعوان الظلمة:

كثير من الناس يقعون في إثم ممالأة الظلم وإعانة الظالمين وهم لا يشعرون، حيث يعتقدون أن إثم المظالم من قتل وحبس وتعذيب وتشريد ونهب للأموال إنما يقع فقط على أسيادهم ورؤسائهم الذين أمروا بذلك  وخططوا له ، ولا يدري المساكين أنه لولا وقوفهم بجانب هؤلاء الطغاة ومعاونتهم لما اجترأ هؤلاء على ظلم أحد لأنهم ضعفاء في ذواتهم ويستمدون قوتهم ممن حولهم من الأعوان والأذناب ، ولذلك وضعهم القرآن في سلة واحدة وأعطاهم حكما واحد " إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَ جُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ" [8].ويوم القيامة يتخاصم هؤلاء الأذناب مع أسيادهم وهم جميعا في النار ولا مهرب يومئذ.

يقول الشيخ محمد إسماعيل المقدم:

"ومن التخاصم الذي يقع بين أهل النار يوم القيامة: تخاصم الضعفاء مع السادة من الملوك والأمراء وشيوخ العشائر والقبائل الذين كانوا يتسلطون على العباد، وكان الضعفاء يشدون من أزرهم، وكلما وجدت واحداً من أعوان هؤلاء الظالمين وأنكرت عليه فإنه يقول لك: أنا عبد مأموريعني: أنه مجبر على هذا النوع من الظلم، وما يستحيي من هذه الكلمة. "[9]

يروى عن الامام الإمام أحمد بن حنبل، حينما كان مسجوناً في محنة (خلق القرآن) أن السجان  سأله عن الأحاديث التي وردت في أعوان الظلمة، فقال له: الأحاديث صحيحة . فقال له: هل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال له: لا، لست من أعوان الظلمة، إنما أعوان الظلمة من يخيطوا لك ثوبك، من يطهو لك طعامك، من يساعدك في كذا، أما أنت فمن الظلمة أنفسهم.

وروي أيضا انه جاء خياط إلى سفيان الثوري فقال: إني رجل أخيط ثياب السلطان (وكان السلطان ظالما)، هل أنا من أعوان الظلمة ؟

فقال سفيان: بل أنت من الظلمة أنفسهم، ولكن أعوان الظلمة من يبيع منك الإبرة والخيوط ..!!

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

(( وقد قال غير واحد من السلف أعوان الظلمة من أعانهم ولو أنهم لاق لهم دواة أو برى لهم قلما ومنهم من كان يقول بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم ))[10]

رسالة إلى العلماء

وقد كان علماؤنا – رحمهم الله- شديدي التحرز من هذه المسألة لخطورتها ، فكانوا لا يدخلون على السلاطين والكبراء وأصحاب الجاه أبدا لأنهم يعرفون أن مخالطتهم باب من أبواب الفتنة في الدين،حيث يضطرون إلى المداهنة والنفاق وتصديق أكاذيبهم وقد يحللون لهم الحرام ويفصلون لهم الفتاوى التي يستندون إليها في ظلم الناس من قتل وسجن وتعذيب وتشريد وأكل أمول.

قال أبو الفرج بن الجوزي : "ومن صفات علماء الآخرة أن يكونوا منقبضين عن السلاطين".

وكانوا- رحمهم الله- إذا أجبرتهم الظروف على ذلك دخلوا ناصحين ومعلمين لا منافقين ولا مداهنين.

ورد أن أبا جعفر المنصور استدعى طاووس بن كيسان ومعه مالك بن أنس -رحمهما الله تعالى- ودار بين المنصور  وطاووس بن كيسان حوار طويل ، وعظ فيه طاووس المنصور وخوفه من الظلم وعواقبه، وفي نهاية الحوار قال أبو جعفر المنصور لطاووس : قال: ناولني الدواة فرفض طاووس أن يفعل.

فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟.

فقال: أخشى أن تكتب بها معصية لله ( أو ظلما) فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني.

قال طاووس: ذلك ما كنا نبغ منذ اليوم.[11]

ما أورعك أيه العالم الرباني وما أروعك ، يطلب منك الخليفة المنصور أن تناوله دواة ليكتب بها شيئا فترفض خشية أن يكتب بها معصية أو ظلما فتكون من أعوان الظلمة بهذا الأمر البسيط ،فما بالك لو رأيت بعضا من علماء عصرنا هذا الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم ، فيصدرون الفتاوى ويوقعون عن رب العالمين كذبا وزورا ، فيحلون الدماء الزكية ، ويزينون للطغاة أعمالهم حتى ظن بعض هؤلاء الطغاة أنه يتعبد إلى الله بأفعاله الشنعاء ، ويلبسون على العوام دينهم، وكلما هب الأحرار لمقاومة الظلم  وقفوا في وجوههم صفا ووصفوهم بأنهم خوارج مارقون يريدون خراب البلاد وإفساد العباد.

خالط الزهري السلطان فكتب له أخ في الدين:

« عافانا الله وإياك يا أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن يعرفك أن يدعو لك ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعمُ الله لما فهّمك من كتابه وعلّمك من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء. واعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت، أنك أنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذك قطبا تدور عليك رحايا ظلمهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيه إلى ضلالتهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويغتالون بك قلوب الجهال، فما أيسر ما عمّروا لك في جنب ما أخربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: {فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضاعوا الصَلواةَ وَاِتَبَعوا الشَهَواتِ}، وإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم وهيئ زادك فقد حضره سفر بعيد، وما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء والسلام ».

اللهم إنا نعوذ بك من أن نظلم أو نُظلم ، ونعوذ بك من الظلمة وأعوانهم ،اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

[1]- رواه مسلم

[2]-رواه الطبراني ولا بأس بإسناده

[3]-رواه مسلم

[4]- البخاري

[5]- صحيح سنن النسائي

[6]- هود 113

[7]- رواه الترمذي والنسائي واحمد في المسند وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك

[8]- القصص 8

[9]- محاضرة تخاصم أهل النار للشيخ محمد إسماعيل المقدم.

[10]- مجموع الفتاوى لابن تيمية.

[11]- وفيات الأعيان وأيضا تذكرة الحفاظ.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق