]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مِن قلبي إلى بُيُوتِكُم:لا تَكُن مثلَ جارتِي!!

بواسطة: رحاب أرحب  |  بتاريخ: 2016-02-10 ، الوقت: 11:26:44
  • تقييم المقالة:

مِن قلبي إلى بُيُوتِكُمْ:لا تكُن مثلَ جارَتِي!!
سألتُ جارَتِي التي تخَرَّجَت مؤخراً في الجامعةِ عن ما ستفعلهُ حينَ تتزوجُ ويكونُ لها أبناءُ،فأجابتني ببساطةٍ:"سأُرَبِّيهِم على الدينِ و(الإتكيت)."
"هذا رائعٌ"أجبتُها،ثُمَّ عدتُ أتساءلُ:"حسنٌ،وكيفَ ستفعلِينَ ذلك؟"
فَكََّّرَتْ قليلاً قبلَ أن تقولَ:"سأُعَلِّمُهُم الصوابَ،وحين يخطئونَ سأنهاهم."
إنَّها–في ما يبدو–تََظُُّنُّ أنَّها تعلَمُ كُّلَّ ما تحتاجُ معرفتَهُ لتكونَ مربِّيَةً لا مَثيلَ لها!
ولكنَّ الحقيقَةَ أنَّ أولَ ما تجهلُهُ هذه الشابَّةُ هو خطأُ فِكرتِها عن التربيةِ من الأساسِ!
***
هل التربيَةُ أمرٌ سهلٌ؟
"لا بالتأكيدِ"هكذا سَيُجِيبُ معظَمُنا،"الأطفالُ الصِّغارُ مُشاغِبونَ،لا يفقهونَ شيءً ودائماً ما يرتَكِبُونَ الأخطاءَ وينسونَ الأوامرَ ولا يسمعُونَ الكلامَ... وسيكونُ علينَا أن نبقى نُعِيدُ أوامِرَنا وَنَصْرُخُ بِهِمْ طوالَ الوقتِ. إنَّنَا نتعبُ حقاً،إنَّها معاناةٌ حقيقِيَّةٌ."
لا بأسَ،أنا أفهَمُكُم،وأعلمُ لماذا تُعانونَ هكذا. كُلُّ ما هناك أنَّكم تُفَكِّرُونَ بطريقةِ جارَتِي نَفسِها. هَدَفِي ليسَ أن ألقِيَ اللومَ عليكُم–أيها الآباءُ والأُمَّهاتُ الأعزاءُ–ولا أن أُثبِتَ أنَّكُم لا تصْلُحُونَ للتربِيةِ. إنَّ ما أطمَحُ إليهِ في الواقِعِ هوَ سعادَتُكُم،أريدُ أن تَنْظُرُوا إلى التربيةِ على أنَّها مُتْعَةٌ،وأن تُحَقِّقُوا آمالَكُم بأن يكونَ لكُمْ أبناءُ بارُّونَ،ومُلتَزِمونَ بدِينِهِم،حَسَنُو الأخلاقِ،ومُحِبُّونَ للعِلمِ... باختصار:أبناءُ الأحلام!.
***
ولكن،لا يبدو لي أنَّكُم مُقتَنِعونَ بأنَّ هناكَ ما تَجْهَلُونَه. أنتُم واثِقُونَ بأنَّ ما تفعلُونَهُ هو الصوابُ،وأنَّهُ أقصى ما بِوُسْعِكُمْ. هكذا رباكُمْ آباءُكُم،على الدينِ والأخلاقِ والطَّاعَةِ،وهكذا تُنشئونَ صغارَكم. أليسَ كَذَلِكَ؟
حَسنٌ،لماذا إذاً تقولُونَ أنَّ التربيةَ عبءٌ ثقيلٌ؟لماذا تَرَونَ الأمرَ بهذه الصعوبَةِ؟لماذا–إذا كنتُم على حقٍ–لا ينجَحُ الأمرُ؟لماذا تَشعُرُونَ أنَّه ثمة فجوَةٌ بينَكُم وبينَ أبنائكم حينَ يصِلُونَ إلى سِنِّ المُراهَقَةِ؟أينَ تلكَ الطَّاعَةُ التي تتحدثونَ عنها؟هل هي واقعٌ في علاقَتِكُم بأبنائكم؟هل أنتُم مرتاحُونَ وسُعَدَاءُ بما عليهِ الحالُ الآنَ؟
وأنتُم أيها الشبابُ،ألم تُفَكِّروا كثيراً بأن أهلَكُم لا يعرفونَ شيءً؟ألا يتحدث كثيرٌ منكُم أنَّ آباءهم يجهلونَ حقيقَةَ مشاعِرِهِم وأفكارِهِم وتَصَرُّفاتِهِمْ؟
ألا يعني كُلُّ ذَلكَ أنَّ هناكَ خَطأاً ما؟
لِنَكُنْ واقِعِيِّينَ:لقد تَغَيَّرَتْ أُمُورٌ كثيرةٌ منذُ أن كنتُمْ صِغاراً. اليومَ،يلعبُ الأطفالُ بألعابِ الحاسوبِ بَدَلَ الغُمَّيضةِ والتسابُقِ ولُعْبَةِ الحَبْلِ. يُشاهِدُونَ أفلامَ العُنفِ ومبارَايَاتِ المصارَعَةِ،والمسَلْسَلاتِ الهِندِيَّةَ والتركيَّةَ وحتى العربِيَّةَ بَدَلَ الاستماعِ إلى حكايا الجدَّاتِ. هل يُمكِنُكُم أن تقولوا أنَّها تغرسُ فيهِم أيَّ قيمةٍ حَسَنَةٍ؟ إطلاقاً! بل على العكسِ تماماً... إنَّهم يقْضُونَ مُعظَمَ أوقاتِهِم في الخارجِ،في المدرَسَةِ أو في الشارعِ ومع الأصدقاءِ،وحتى حينَ يعودونَ إلى المنزِلِ ينشَغِلونَ بهَواتِفِهِم وحَواسِيبِهِم،يتصَفَّحُونَ الإنترنيت أو يتحدثون عبر الشات... وأنتم لا تعْلَمونَ ما يُشاهِدُونَهُ ولا ما يقولونهُ،فضلاً عن أن تَتَحَكَّموا فيه. فهل تزعُمُونَ–بعدَ هذا كُلِّهِ–أنَّكم ستُرَبُّونَ أبناءَكُم كما رَبَّاكُم آباءُكُم وتَحْصُلونَ على النَّتِيجَةِ ذاتها؟قَطْعاً لا!
***
جَيِّد،إذا كُنَّا متفقينَ على ما سَبَقَ،فأرجو أن تَتَحَمَّلوا مَعِي قليلاً لتُجِيبُوا عن هذا السؤلِ:
ما هِيَ طُمُوحَاتُكُم في ما يتعلقُ بأبنائِكُم؟هل أنتُم–حقاً–جادُّونَ في أنَّكُم تكْتَفُونَ بأن يكونَ جِيلُ الغدِ مثلَ جيلِ اليومِ؟هل تُرِيدُونَ لأبنائكُم أن يكونوا نُسَخاً مُطابِقَةً لكُم؟
إنَّ العالَمَ–يا أعِزَّائي–لم يَعُد مكاناً يَسْهُلُ العَيْشُ فيهِ. إنَّ الحياةَ تزدادُ صُعُوبةً،وخاصةً على أولئكَ اللذينَ ينشُدُونَ أن يَحيوا بِشَرَفٍ. إنَّ الإسلامَ اليومَ يَمُرُّ بإحدى أقسى فَتَراتِ غُرْبَتِهِ. ألا يبدو ذلكَ واضِحاً؟
كم مَرَّةً راوَدَكُم حُلُمُ أن يتَغَيَّرَ كُلُّ هذا،فَقُلتُم في أنفُسِكُم:"هذا مستحيل! "؟
كَّلَّا! ليسَ مُستَحِيلاً. كُلُّ ما نَحْتَاجُ إليهِ هوَ جِيلٌ جَدِيدٌ كُلِّياً،جيلٌ خالٍ مِنَ العُقَدِ والضَّعْفِ والسَّلبِيَّةِ،جِيلٌ يَتَعَلَّمُ ويَعْمَلُ على بَصِيرَةٍ ولِهدفٍ،جيلٌ لا تُلهِيهِ التُّرَّهاتُ ولا يُضَيِّعُ الأوقاتَ،جِيلٌ يَعْتَزُّ بِكَرامَتِهِ ويَسْتَمْسِكُ بشَرَفِهِ وَقِيَمِهِ... جِيلٌ يفخرُ بِدِينِهِ ويفخرُ دِينُهُ بهِ!
نُرِيدُ رِجَالاً ونِساءً مُخْتَلِفِينَ:دُعاةٌ مُجَدِّدُونَ،وقادَةٌ مُصْلِحُونَ. نَحْتَاجُ دَاعِيَاتٍ قُدُواتٍ،وأُمَّهَاتٍ مُرَبِّياتٍ يُحْسِنَّ صُنْعَ الإنسانِ قبلَ أن يَتَعَلَّمْنَ صُنْعَ الطعامِ!
فمن هؤلاءِ المُنْتَظَرُونَ؟ومِنْ أينَ سيأتُونَ؟
إنَّهُم بالتأكيدِ أبناءُكُم أنتم–نعم:أنتم يا من تقرؤون هذه الكلماتِ،أنتُم بالتَّحْدِيدِ–وإلا،فهل نَتَوَقَّعُ أن يهْبِطُوا من السماءِ أو يَنْبَثِقُوا من جَوْفِ الأرضِ؟
فَهَل أدْرَكْنا  الآنَ أهمِّيَّةَ أن نكُونَ مُرَبِّينَ؟هل استوْعَبْنا حَجْمَ المسؤولِيَّةِ المُلْقاةِ عليْنا؟
إنَّكُم–أحِبَّائي المرَبِّينَ–على ثَغْرَةٍ مِنْ ثَغَراتِ الإسلامِ،فاحذَرُوا الاختِراقَ! احذَرُوا أن يُؤتى الإسلامُ مِن جانِبِكُم؛فَذَلكَ خَطَرٌ–وَرَبِّ الكَعْبَةِ–عظِيمٌ،ومسؤولِيَّةٌ أمامَ اللهِ أعظَمُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ!.
***
هل نعرفُ كُلَّ ما يَلزَمُنَا لنَكُونَ مُرَبِّينَ ناجِحِينَ؟
أذكُرُ أنِّي ذهبتُ في صِغَرِي برفقةِ عائلتِي لزيارة بعضِ الأقارِبِ. وبينما كانَ الجميعُ جالِساً والأحاديثُ دائرةً،وكُنْتُ أنا أجلسُ بجانِبِ صاحبةِ البيتِ–وأنا كَفِيفَةُ البَصَرِ–إذ اقتربتْ ابنَتُها الصَّغِيرَةُ مِنها وسألتْها:
"ما لَهما عيناها؟"
فَلَم تنبِسِ الأمُّ بحرفٍ،بل أمسَكَت بيدِ الطِّفلَةِ وضَرَبَتْها!
ترى،ما شُعُورُ هذه الصَّغِيرةِ تجاهي الآنَ؟ما شُعُورُها تجاهَ أُمِّها؟وما شُعُورُها تِجاه الموقفِ بِرُمَّتِهِ؟ما أثَرُهُ على ثِقَتِها بنفسِها و...؟
هل رأيتُم إلى جَهْلِ هذه السَيِّدَةِ بأسسِ التَّرْبِيَةِ كيفَ أدَّى بِها إلى ارتِكَابِ خطأٍ سَيَبقى أثرُهُ مخَزَّناً في عقلِ ابنتِها الباطِنِ زمناً،وربما إلى الأبدِ؟
حينَ تقولُ لطِفلِكَ:"لا تفعلْ كذا،عيبٌ!"فإنَّه يتلقى رسالةً–غيرَ مُباشِرةٍ وغيرَ مقصودةٍ–مفادُها أنَّ هذا الفِعلَ لا ينبَغِي فِعلُه أمامَ الآخرينَ،أمَّا إذا خلوْتَ بنفسِكَ فافعلْ ما بدا لكَ! فيتعلمُ أن يُراقِبَ الناسَ ولا يراقِبَ اللهَ.
إذا شِئتِ أن يُطِيعَكِ صَغِيرُكِ،فَيُمكِنُكِ أن تُهَدِّدِيهِ بقَولِكِ:"إذا فعلْتَ كذا فأنا لا أُحبُّكَ! "فإن استَجَابَ،فكافئِيه بابتسامَةِ رِضًى،أو قُبْلَةٍ أو لمسَةٍ حانِيةٍ... ولكن تأكَّدِي أنَّ ذلكَ كُلَّهُ لن يَمْحُوَ أبداً إحساسَهُ المَرِيرَ بفقدانِ الثِّقَةِ،ولا تَعطُّشَهُ الدائمَ للشُعُورِ بالحُبِّ،ولا ضعْفَ شَخْصِيَّتِهِ الذي سَيُلازِمُهُ لبقيةِ حياتِهِ؛فحُبُّكِ–عزيزتِي الأُم–هوَ مَصْدَرُ قُوَّةِهِ وطُمأنِينَتِهِ وَثِقَتِهِ.
ضربُ الطِّفلِ أو انتِهارُهُ هَرباً من أسئلتِهِ المُحْرِجَةِ،واستخدامُ كلمةِ"عيبٌ! "،وتهدِيدُهُ بِعَدَمِ حُبِّنا لهُ،وغيرُ ذلكَ كثيرٌ... كُلُّهَا أخطاءُ تربَوِيَّةٌ ليست بالصَّغِيرَةِ،ومعَ ذَلكَ فإنَّها تُرتَكَبُ في كثيرٍ مِنَ البُيُوتِ يومياً!
"كيفَ تَتَعامَلُ مع عِنادِ طِفلِكَ؟"،"كيفَ تُقَابِلُ أسئلَةَ طِفلِكَ الحَرِجَةِ؟"،"ابنِي يَكْذِبُ،ماذا أفعلُ؟"،"ابنِي يَضْرِبُ أخاهُ الصَّغِيرَ،كيفَ أعمَلُ؟"... هذه الأسئلَةُ وغيرُها والتي تَجُولُ بِبالِ كثيرٍ مِنَّا هِيَ عَناوِينُ لكُتُبٍ وأبحاثٍ بَذَلَ أصحابُها جُهوداً واستغرَقُوا سَنَواتٍ حتى يَضَعُوها!
إذاً،دعُونا نواجِهِ الأمرَ:
-إنَّ تربِيةَ الأبناءِ ليس سهلاً،وليسَ بتلكَ البساطَةِ والتِّلقائيةِ التي تَصَوَّرناها.
-يمكننا أن نُنْشئَ أبناءنا بشكلٍ عشوائيٍّ أو بالطريقةِ التي نشأنا نحنُ بها،لكِنَّنا سنحصلُ على جِيلٍ تقليدِيٍّ وشبابٍ عاجِزٍ عن إيجادِ طريقِهِ في الحياةِ،فضلاً عن تغييرِها.
-ما زال ينقُصُنا الكثيرُ لنكونَ مرَبِّينَ ناجحِينَ مؤثِّرِينَ؛فالتَّربِيَةُ(عِلمٌ)وليست(فِطْرَةً)!
فإذا أدرَكْنَا هذا جميعاً،وقرَّرْنا أن نُعطِيَ أمرَ التربِيةِ حجمهَ الحقِيقِيَّ،وقرأنا وتَعَلَّمْنا كيفَ نفعلُ ذلكَ؛فقد حقَّقْتُ غايةَ ما أرجوهُ مِن كَلِماتِي هَذهِ،وأسهمتُ–ولَو قلِيلاً–في خِدْمَةِ دِينِي ومُجتَمَعِي. واللهُ أهلُ القبولِ والتَّوفِيقِ،وهوَ يعفو عن ما كانَ مِن زلَلٍ.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق