]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الشيخ (هدارة) راعي المحبة والسلام وسرب قطعان النعام / من دليل صحراء تندوف الجزائر الى دليل المعلم بالسويد

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2016-02-06 ، الوقت: 20:43:16
  • تقييم المقالة:



*- تقول الحكمة الإفريقية/ كلما توفي عجوز إفريقي كانت وفاته احتراق مكتبة.

 

 

من نافل القول أن الشيخ (هدارة) لم يعد حديثاللسان الشعبي المحلي بما فيه التراث التقليدي ,بل صار عالميا لما صار يمر الحدثالموروث المحكي بعدة تأويلات و تقاليد/

 

التقليد اللغوي /

 

جاء على لسان معجم المعاني الجامع لغةواصطلاحا كلمة : هدارة تعني شلال سقط الماء. واهتمت الدولة بحفر الأبار وإقامةالهدارات والحواجز المحمية للمياه ,ومنه قد تعني هدارة : عنيف اللهجة والكلام :يلقاني بوجه صلب ولسان هدار او كما قالت العرب.

 

ولما كانت الاسماء والطباع قلما لاتتفق كماتقول الحكمة , كان الشيخ هدارة اسما على مسمى ,كان صوتا هدارا مجلجلا ,وكان مطراهدارا قويا ,وسيلا هدارا مندفعا ,وخطيبا هدارا عنيف اللهجة والكلام. كان لابدللشيخ الولي  هدارة الا ان يكون ابن بيئتهالقاسية مندمجا راعيا ومرعى في آن واحد ,وبقدر ما استأنس بحيوان طير النعام ,بقدرما ألف طير النعام السيد هدارة مع الاختلاف ,ومع الاحتفاظ كل طرف بنوعه وجنسهوعرقه.كان لابد لتستمر الحياة ان تعود الطبيعة او البيئة الى ذاكرتها القديمةاينما ما كان الانسان والحيوان محتفظا كل منهما بذاكرته الحيوانية والانسانيةمعا.حتى اذا سئل كما قال (براهام نكولن ):طيري قالت انا جمل وان قيل للنعامة احمليقالت انا طائر . وبالتالي كان الانسان هو من يجمع هذه التوليفة ما بين الحيوانسواء كان طائرا او جملا ,يكون فيها الانسان هو محور التوازن الإيكولوجي مشكلا أسطورةعنصره في الحفاظ على البقاء. بقاؤه ضمن المجموعة الإيكولوجية المشكلة للحياة ومابعد الحياة  وللتكيف مع عناصر الكون ايضا :الماء ,الهواء ,التراب, والنار ضمن مجموعة العناصر التي تشكل حضارته: انسان تراب وزمناو تاريخ . وهكذا كان الشيخ الولي الصالح هدارة الصوفي الذي كون نفسه بنفسهمشكلا  الرجل أبا للأنسان المتعبد من اختارالصحراء والفيافي مسجدا وطهورا تنسب اليه فعل التبركات والكرامات , العارف باللهورسله وكتبه ,حافظا لذكره الحكيم واحاديثه النورية النورانية النبوية.الصيادالماهر يوعز له فعل الصيد ,والى الشاعر الملهم فعل الخلق , لغويا وفنيا ودينياالشيخ هدارة . بين الحلم والعلم والرؤية استطاع السيد هدارة  ان يستمر حتى اليوم وينتقل بسلاسة من المحليةالى العالمية ,من صحراء تندوف بالجزائر الى ما وراء البحار بدولة السويد ,من كتابشفوي مفتوح الى الصحراء الى كتاب دليل الاستاذ المعلم الملهم.

 

التقليد البربري/

 

الباحث لأصول الشيخ هدارة يجد بسهولة تضاربالأقاويل فعلا ونقلا ,وهذا كسائر الموروثات الشعبية المحكية او اللسان المروي اوالمحكي. تتغذى على الإضافات ,بمعنى لها بداية وليست لها نهاية او نهاية مفتوحة,كلراوي  يضيف ما يراه يخدم نصه المحكي لغةواسلوبا وبلاغة ,يضيف له  او ينقصه . كسائرالأثار التقليدية منذ عهد الاغريق القرن الخامس قبل الميلاد الى يومنا هذا  ,وهذا بحد ذاته ظاهرة صحية ,بل يدل علىجودة  النص المحكي  او على هدارته إن صح التعبير أعلاه.

 

كل الإشارات تشير الى أن الشيخ هدارة من أصول(شنقيطية) موريتانيا القديمة ,بلد الف شاعر وشاعر,الا ان الباحث الثقاف والحصاف يجدان الاصل في جذر هدارة من أصول زنجية افريقية قديمة تمتد الى الاف السنين حيثالحكمة الزنجية مقابل الفراسة البربرية الى الفصاحة العربية القابلية للكسب وتعلمالعلم والمعرفة التقليدية ابا عن جد (صورة الأب او الجد) كما يقول المستشرق (روجيغارودي ) وجعل اللامرئي مرئيا او عن طريق شيخ. الولي الصالح ينحدر من أصول بربريةموريتانيا من قبيلة (إيدوشلي),وتمتاز هذه القبيلة كسائر القبائل البربرية معاشها  الكفاف والعفاف وما تجود به الطبيعة من ارضوسماء. نظر الرجل البربري القديم  الىالسماء والى الارض ,فوجد توالي الليل والنهار,وتوالي الفصول فأهتدى وأقتدى بنجومهاوقمرها وشمسها ,واستطاع من خلالهما التكيف والعيش بالصحراء مسالما مستسلما (أمسلمين): أي انه قدرته محدودة في الفهم ولايريد ان يوغل في فهم بعض الأمور التي هي مناختصاص الله وحده دون قدرات وعقلية وطاقة البشر. وحتى ان سمي عالميا (بالبسيستراس),من يغير على الاخرين ويسلب متاعهم واغنامهم,لاقانون يجمعهم الا قانون الغاب ,فيهالقوي يسلب وبقتل الضعيف .لذا نجد الشيخ هدارة عندما هجمت قبيلة قوية على قبيلتهالضعيفة وعبثت بها قتلا وتقتيلا وسلب متاعهم ,هرب الشيخ هدارة الصغير حبوا تحتجناح الضجيج والعجيج الى ان وصل الى غابة وافرة الظلال والظليل ,يسكنها وحش طير النعام واشجار الأكاسيا ونبات الحنظل(الحدج). إذ استطاع بسهولة ان يتكيف مع الحيوان وان يجد حضنا دافئا بين ريشهالوفير وقوامه القوية ,وبيضه الكبير والغزير ,فكان ضيفا مرحبا به له ما لطيرالنعام وعليه ما عليه في العجاف والسمان ,ان دس النعام رأسه بالرمال دس الشيخهدارة وان اخرجه اخرج او كما يقول المثل الشعبي .كانت الجذور البربرية كذاك الحصانالمعد سلفا من عدة اجناس ليصبح قويا قادرا على التكيف مع ظروف الطبيعة القاسية.

 

التقليد العربي والإسلامي /

 

وحبوا ومشيا متعثرا.... على الحجر والشجروعلى اليابسة والخضراء وصل الشيخ هدارة الشاب الى زاوية الصحراء الغربية بصحراءتندوف ,صاحب زاوية (السمارة) ,الشيخ / (ماء العينين مصطفى بن محمد بن مامين) ,فمسحعلى رأسه ,واستقرت نفسية هدارة الى شيخه ,ولم يكن بعلمه عسيرا اذ حفظ القرآن سريعاوالاحاديث النبوية وبعض المتن الاذكار , ولعل ذاكرته البدوية البكر ساعدته كثيراعلى الحفظ – رأس كامل الاعداد في رأس كامل الامتلاء- و بما ان الطبع يغلب التطبعوذهنية البدوي الصوفي من يميل الى الإنعتاق والحرية والإنطلاق ,والضرب بوحداتالمكان والزمان ,انتقل في (أوذيسة ) او (رحلات) الخلق من صحراء الى صحراء ومننعامة الى نعامة أخرى ومن زاوية الى زاوية أخرى ,من صحراء وبدو موريتانيا الىصحراء السمارة الى حمادة تندوف حتى وصولا الى ادرار ,وفي كل مرة كان يتلقى دروساوزهدا وصوفية والعكس صحيحا انتفعت به الزوايا وانتفع بها. وما يرويه عنه /الشيخ  الطالب سالم الذي يحفظ كل اثارهالمحكية حتى الساعة على الاقل ,ان الشيخ ماء العينين مسح على رأس هدارة وبالتاليشب الشيب في لحيته وعفى على رأسه ,كما كان يتميز ببعض الكرامات كأكل الزجاج ونباتالطلح المشوك ونبات ودرنات الحنظل الشديدة المرارة دون أن يشعر بكلل ولاملل ولامغصولاتقلص ,سليم البنية طويل القوام ,سريع الخطى ,ورأس ممشوقة بإتجاه الافق ,وكأنهعلى استعداد الى التنقل ا والى الطيران الى منطقة يراها هو خصوصا دون العامة,يراها بعيون جهينة او بعيون النعام شديدة الرؤى والرؤية وعلى مسافات بعيدة ,كانمقتصدا بلباسه من أعلى الى ما فوق الركب , وكأنه احتفظ على اطرافه قوية كأطرافالنعام ,بينما يحمل على كتفه قربة ماء ,وبيده (يمسك ) سبحة طويلة ,سبحة شيخه (ماءالعينين) – إنه يمسك بالحياة ويعيد توزيعها حسب قاعدة الغناء وعدالة الرقص (الحكمةالزنجية).

 

التقليد الفيزيوبيولوجي  /

 

لقد ورد بالاثر ان الشيخ هدارة الولي الصالحالورع صاحب الكرمات ,كان يرضع الحليب من اصبعه ,فهو ليس بحاجة الى عنزة او بقرة.فقد قيل عمر طويلا زهاء 140سنة الى 160 سنة ,ومعنى هذا ان الشيخ عاش عمرين واربعةاجيال على الأقل اذا ما اعتبرنا الجيل الواحد انتربولوجيا 30سنة , معنى هذاكان  لابد لنا أن ندرس محيطه المعاش واصفينالحيوان وقوقعته ,والحيوان و مأواه ,والنبات وتربته ,والإنسان ومسكنه وكذا العمروالصحة الجيدة والمشي بالصحراء راجلا دون ان يركب ولا مرة بحياته مركبا. ولأنه كانرفيقا حميما لحيوان النعام ,فلابد من هذا الحيوان بيضا ولحما وجلدا . وفر البنيةالقوية لشيخ هدارة  ,فكما هو معلوم لحمالنعام قليل الآلياف مع زيادة عنصر الحديد ونقص في الصوديوم الى جانب انخفاضالسعرات الحرارية مع كثرة الاحماض الذهنية غير المشبعة وزيادة نسبة البروتينبه,ولحم النعام يقوي البدن ويزيد في  الباهكما يعتبر بيض النعام  غنيا بالكالسيون أذبيضة واحدة تكفي لإطعام 14 فردا.هذا ايضا يجعلنا نتبع أهمية شجرة الطلح الذي كانيتغذى عليها الشيخ هدارة وعلى اشواكها.

 

شجرة الطلح او علميا تسمى acacia  هي شجرة صحراوية بامتياز مشوكة ,يستحدم لحاءجذعها كقابض قوي,يستعمل ليقوي الغشاء المخاطي في كل الجسم,يمنع نزيف اللثة كمايستخدم لصناعة الصمغ الجيد. كما أكل الشيخ هدارة الحدج او الحنظل رغم  مرارته نظرا لأهميته في حالة الامساك والحمىوالاستسقاء شرابا , ولطرد الديدان من المعدة والامعاء  ولعلاج الصداع يسمى علميا : colinquinte / citrullus / ciolocynthis..كل هذه المكونات جعلت الشيخهدارة يكتسب طقسا للصحة ,إن مرض وإن رحل وارتحل ,ان كان وحيدا او بصحبة قطيع اسرابالنعام و في حضرة شيخ زاوية,والتي لايمكن فصلها عن الإنسان والبيئة والزمن كيمانشكل مفهوما حضاريا للشيخ عندما نعيد دورة الزمن بالتاريخ والشبيه بالتاريخ ,بمعنىعن المحكي والمروي ,وعن ما سجل من احداث حتى الساعة عن الشيخ هدارة وعن بقية المجموعةالبيئوية وما يحيط به,حتى يتحول الحدث الى حدث علمي موثق بكل ابعاده وتضاريسهالصحراوية من انسان وحيوان ونبات وكذا ارض ,واختلاف المكان والزمان وتوالي الفصولوالليل والنهار.

 

التقليد العالمي /

 

لم نجد أثرا حول الشيخهدارة من اثر محلي ضيق محصورا في جهة واحدة للنعام فقط او للزوايا فقط او لبقيةالتأويلات الأخرى الدينية وغير الدينينة او الشبيهة بهما  ,وانما عندما يتحول الى قضية وعدالة شعرية أدبيةتعنى الناس أجمعين ولمختلف القارات.. ولمختلف الأديان.. ولمختلف الطرق.. ولمختلفالثقافات والحضارات ,ولما لا مقارنتها مع مختلف الأداب الإنسانية ..,ومع مختلفالثقافات والفنون المحلية والعالمية . الشيخ هدارة عملت على سيرته الذاتية الباحثةوالمعلمة السويدية الكاتبة (مونيكا زاك) في كتابها بعنوان (طفل النعام) / او(الولد الذي عاش مع النعام ) الذي تحول الى كتاب سنة 1993, تعود وقائع الكتاب الىالباحثة السويدية حينما زارت المنطقة وبحثت بحثا مطولا حول الشخصية في كل تنقلاتوحياة الشيخ هدارة  ,وبعد ان مسحت جغرافيةشنقيط وحمادة تندوف والصحراء الغربية وصلت الى مدينة توات ,وورد القول انها اتصلتبولد الشيخ هدارة المتواجد بتندوف وروى لها سيرة والده. الكتاب وبالضبط في مدينة(غوثنبرغ) ودخل العديد من المدارس الإبتدائية والصفوف حتى صار الكتاب نموذجاوأمثولة وحتى صار دليلا تربويا . العديد من الأساتذة والمعلمين اتبعوا أمثلةالكاتبة, نفس لغة الكاتبة وأسلوبها لتقريب المفهوم من أطفال المدارس ,الكتاب يضمثماني وثلاثين فصلا,ضمنت الكاتبة فصولها عدة رسومات حول طائر النعام ,وكذا عدةاسئلة تدور حول البطل والزمكان وحدث الشخص وتنقلاته وتجواله ,تدور حول بلد الشيخ هدارةوقبيلته مع بعض التصرف ,ورغم ان التلاميذ سويديين من مختلف مناطق السويد ومن مختلفالجاليات العربية وغير العربية  ,يجيبوناجابة تامة كاملة ,بل صاروا معجبين بالشخصية وكذا الإضافة التي لابد منها التياضافتها الكاتبة والمؤلفة على الشخصية حتى تحمل صبغة عالمية في قالب قصصي جميلتتكامل فيه كل خصائص القصة والملحمة والرواية وكل الاجناس الفنية والأدبية ,عندمايتجسد هذا الكتاب الى دليل كما بكتاب مدارس السويد ,او عندما يتجسد مسرحية علىخشبة مسرح او عندما يتجسد صوتا وصورة على شاشة سينما او تلفزيونية ,او تمثالا اولوحة فنية بساحة تندوف عوضا عن ذاك الجمل او تلك الحيوان من أسود وخراف  وغزلان ونسور وفهود التي تتوسط وتستعمر مركزساحات مدننا وكأن هذه الحيوانات هي من أسست هذه المدن بالمعنى الحضاري ( أحسن معلم / polis)؟

 

 

 

الكاتبة السويدية اعطتمعنى للشخصية بغض النظر ما تكون ,حينما اضافت الإنسان الى الطبيعة واصبحت الصورةمكتملة وفنية ناطقة ,حديث بألف صوت ,ومعادلا صوتيا محليا لأحسن صورة عالمية.

 

أخيرا / ما أروع اننكتب سير ذاتية لشيوخ وعجائزالجزائر ,ضمن ربوع الجزائر ,ان نكتب عنها حتى ان كانتمجرد كتابة ,نطمح ان يكون لنا كتابا حالما كالكتاب السويدي المقتبس عن شخصيةجزائرية محلية  اصبحت عالمية ,في حينلاتزال مغمورة ومجهولة عند أناس كثيرة .يجب العناية بها مجددا ولانتركها في صيغهاالقديمة ,بل ان نطورها وان نشرحها حسب كل عصر ,اسباب الحياة والعيش كقضية كليةوليست جزئية ,ان نتكلم عن الشيخ هدارة على سبيل المثال وعلى عصره وعلى عصرنا وفيكل عصر .الكتابة وحدها والملتقيات الثقافية والفنية هي من تضمن وتكسب للشخصية زمناخالدا ,نفي اللحظة حتى لاتنطبق علينا المقولة الإفريقية / كلما تفي عجوز إفريقيتحترق وراءه مكتبة .في الأصل الكاتبة السويدية (مونيكازاك ) كتبت كتابة عن كتابة,كتاب عن كتاب , كتاب الشيخ (هدارة) عن كتاب (طفل النعام  / او الطفل الذي عاش مع النعام),كتاب من تندوفصحراء الجزائر المغمور الى كتاب (غوثنبرغ )السويد لذا لاغرو ان كنا نعلم تاريخوفاته  1973 ونجهل بالضبط متى ولد.

 

 

 

الكتاب الذي تحول منمجرد دليل الصحراء حارس الشفاعة وراعي النعام الى كتاب دليل الإنسان والمعلم ,الحرية والسلام.

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق