]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الله والخبز والأرز

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2016-02-04 ، الوقت: 11:00:01
  • تقييم المقالة:
 

قد يتساهلُ الإنسانُ المتعبِّدُ في كثيرٍ من الأمور إلاَّ الأمور الدينية، فإنه يتمسكُ بظواهرها وطقوسها، ويبدو فيها مستبِدّاً وعنيداً، ولو شقَّ على نفسه وعلى غيره.

وهو يفعلُ ذلك ظنّاً منه أنه يُرضي الله غاية الرضا، وأنه يتقربُ إليه بالعبادة الكاملة، والشعائر التَّامةِ.

وقد يكونُ الأمرُ مستساغاً إذا تعلَّقَ هذا السلوك المتشدد بذات المتعبِّدِ الفردِ، ولا يتجاوزُ إلى ذوات الآخرين، لكن أن يتطوَّرَ إلى أن يمسَّ الآخرين، ويمارسَ عليهم نوعاً من السلطة الدينية، ويُجْبِرَهم على ممارسة طقوس قاسية، ومزاولة شعائر مغالية، فذلك ما لا يرضى عنه اللهُ سبحانه نفسُهُ.

بدا لي هذا الرَّأيُ وأنا أتابعُ سيرةَ عائلةٍ يهودية، من خلال الرواية الجميلة التي كتبتها السيدة "لوسيت لنيادو"، التي تحكي فيها (وقائع خروج أسرة يهودية من مصر)، وهذه الرواية عنوانها: (الرجل ذو البذلة البيضاء الشركسكين)، وهذا الرجل هو والدُ الساردة/ البطلة، وهو رجلٌ قاسٍ، مستبد، يمثل نموذج الرجل الشرقي المتعصب، والأب المتسلط.

والرجل الشرقي معروف بهذا السلوك سواء كان يهوديا أو مسلما أو مسيحيّاً...

تحكي الكاتبةُ أن أباها في عيد الفصح يمارسُ طقوس العيد بكثير من المغالاة والتعصب، ويتحول فيه إلى ما يشبه "مخبراً"، وهو يقوم بعملية تفتيش ليلية على أضواء الشموع، فتقول:

ـ ... ففي وقت متأخر من ليلة العيد، يطوف والدي ليلاً وهو يرتدي بيجامته، ويحمل شمعة طويلة بيضاء في يدٍ وكتاب الصلاة في اليد الأخرى، وبينما هو يتنقل من غرفة لأخرى ومن ركن لآخر، كنتُ أنا وأمي نسيرُ خلفه بترقب حابستين أنفاسنا وهو يتطلع داخل دواليب الملابس، ويفتح أبواب خزانات المطبخ، ويفتش الأدراج في غرف النوم وينحني ليتفحَّصَ أرضية المنزل، بحثاً عن أي فتافيت من الخبز...!!

لماذا هذا التفتيش المحموم عن فتافيت الخبز؟

لأنَّ في اعتقاد اليهود أنَّ ترْكَ أصغرِ قطعةٍ من الخُبز سهْواً في هذه المناسبة يعتبرُ جريمة لا تغتفر!!

ولا يتعلَّقُ الأمرُ بالخبز فقط، بل يشملُ الأرزَ أيضاً، حيث يتحتَّّمُ على العائلة اليهودية أن تقوم بتنقية الأُرْزِ بحرِصٍ شديدٍ، وتعمل على فرْزِ حبات الأرز حبّةً حبَّةً، فتحتفظ بالنقية البيضاء، وتتخلَّصَ من الحبَّات الشائبة، ولو كان الأرزُ أطناناً!!

وكل هذا من أجل إرضاء الله.

يبدو الأمرُ كذلك، لكن الحقيقة أنَّ الإنسانَ وهو يشقُّ على نفسه بهذا الغلو يرضي نفسه وليس الله؛ فالله لا يعبدُ بالخبز والأُرز، ولكن يُعبد بالتقوى والإحسان. 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق