]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الخبز/ ثقافة وحضارة / فكرة تراكم النعم

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2016-02-02 ، الوقت: 20:36:12
  • تقييم المقالة:
لعب (الخبز) في مجرى التاريخ ,بل حتى ما قبل التاريخ ,دورا حضاريا بحياة الشعوب والأمم, في الغالب ما أقترن الخبز بالثقافة ,إذ الخبز كالفن هو الإنسان مضافا الى الطبيعة ,بل الخبز حرفة كالشعر او الشعر حرفة كالخبز (سوزا) ,أوكما قال (أبو ذر الغفاري)/ يجب أن يقدم الخبز والماء والنار مجانا لسائرأفراد الشعب.

او حين أنتفض الشعب الفرنسي إبان الثورة الفرنسية, واقترحت ساعتها الملكة (ماري انطوانيت) على الفقراء بأن يأكلوا بسكويتا عوضا عن الخبز......,او (الخبزة )للمخرج الممثل المؤلف المرحوم/ عبد القادر علولة ,أو رواية (الخبز الحافي)/ للكاتب المغربي المرحوم / محمد شكري, او كما قال (تشكسبير)/أعطوني مسرحا وخبزا أعطيكم شعبا عظيما. إذ لاثروة اليوم مرتبطة إرتباطا وثيقا بالإنسان العظيم مثل الخبز العظيم ,حين يصير الخبز بكل تجليات معانيه اللغوية والإصطلاحية والفيلولوجية الفقهية ,الإقتصادية والتربوية والإجتماعية ولا سيما الثقافية,منه وعن طريقه واليه, معيار ومركز ثقل تقاس به وتوزن حضارة دولة من الدول او أمة من الأمم. أسطورة الخبز: (ديميتر)إله الخبز عند اليونان,وإله الزراعة والزواج والخصب تقابلها (سيريز) عند الرومان.هذا, وإذا كانت الأسطورة إجمالا قطعة من حياة الروح,تفكير الشعب الحلمي,مثلما الحلم أسطورة الفرد,ليكون عندئذ الخبز أيضا أنشودة الحياة ,لاتعادلها إلا أنشودة الشمس او (الشمش) الإلهة ,عند الشاعر الفرعوني (أخناتون) ,إكسير ومسلة وهرم الروح,تفكير الشعب الحلمي,مثلما يكون الحلم هو أسطورة الخبز. السعي الدؤوب وراء هذه المادة ,التي لم تعد بمثابة غذاء للجسد وإنما الروح والنفس والعقل معا,مثلها تماما مثل الأذان الذي يدعو الى المسجد والمسجد الى الصلاة, القطعة الموسيقية والأنشودة والترنيمة الشعرية واللوحة التشكيلية (الصورة),والمنحوتة الفنية,والمعادلة الرياضية والفيزيائية والكيميائية والقضايا الجدلية الفلسفية وكل الكليات وخاصية الخاصيات,وجزئية الجزئيات .كسائر الفنون المكانية والزمانية أيضا.بل , في كثير من الأحيان ما أتخذ الخبز طقسا دينيا او قربانا يتقرب به بغية التطهير والتكفير من أدران انفعالات النفس والجسد معا,وحتى الأضرحة لم تسلم من التكريم بالخبز ,ليس لأن الميت يأكل خبزا, لكنه كأوراق الغار والآس والأزهار تعبر عن عظمة الميت.بل أتخذ الخبز في أغلب الأحيان صورة ونموذجا وأمثولة للمعيشة وحسن المعاش ,بل ,يدل على رغد العيش,وأن البشرية تعيش في وضع آمن سنينا سمانا.كما ان صورة الخبزفي الأدب الشعبي ,أي السعي الدؤوب - من أجل المرء أن يسعى - لإلتقاط هذه الخبزة (تصوير الخبز),أي تجسيد الفكرة الأسطورة الى حلم ثم الى واقع ملموس,او من جهد فكري عضلي الى واقع ملموس مادي, الى شراء او تصوير الخبز,او صناعته بالمرة. إذن الخبز ارتبط إرتباطا سماويا رغم انه انتاج الأرض,او حسب ما أطلق عليه مصطلح / ( تراكم النعم السماوية),حينما أرتبطت كل نعمة بإله صورة الخبز ,وحينما يصير من يتحدث بالصورة الأولية يتحدث بألف صوت,ومن حيث صوت الشعب هو صوت الإله عندما يتحدث إله الخبز فينا ,فلم يعد الخبز دليلا على المعاش اليومي وانما الإقتصادي الإجتماعي السياسي التربوي ,حينما تصير الديمقرطية حرية ومساواة , وأيضا خبزا للفقراء وترفا للأغنياء,او خبزا للثائرين الجياع بباريس ,وبسكويتا (لماري أنطوانيت), الخبز إكسيرا للحياة ,رجاء ودعاء, هدية السماء للأرض حين تختلط كافة عناصر الحياة ,هواء وماء وتراب ونار وكيمياء عناصر حياة أخرى من قمح وشعير وطحين وأيدي ماهرة,لينضج الإله وتكتمل صورة النمط الأولي سواء (ديميتر) او (دينيسوس).الخبز بين الطبيعي وماوراء الطبيعي ,بين الأسطوري والتاريخي والواقعي ,يشمل كل هذا ,الظاهر المادة الوحيدة و(النعمة) الوحيدة التي شملت كل التيارات والمدارس والمذاهب الإنسانية الدينية واللائكية ,من الكلاسيكية الى السيريالية الى العالمية الى اللامذهبية,أمتاز الخبز بما أمتازت به عناصر الطبيعة وحاز على الإكليل الشعري حتى قبل الإكليل الديني والصناعي والإقتصادي,فأنه البحر (بوسايدون) هو الماء,وهو (ابولو) النار,وهو (هيرا) الهواء و(جيا) التراب.كل هذه الخلطات السحرية الكيميائية السيميائية تمثل (ديمتر) إله الخبز ,ويوشك وفق هذه الترنيمة السحرية ان يتحول الى لغز أسمه فيه كالبحر في محتواه الدر كامن,الكنز بل,أنظمة الحكم ,يوشك الخبز ان يصير هو المفتاح التي من خلاله نعرف بقية الأساطير وأغراضه اللغوية والإصطلاحية التي أوجدته.توفر الخبز بسعر معقول حتى ولو يكون مدعما, ظاهرة صحية طقس ديني وشعيرة يجب أن يمارسها الجميع ,بل أن يشارك في مائدتها وصناعتها الجميع,لأنها مرتبطة إرتباطا وثيقا بالذاكرة الدينية للبشر بل حتى ما قبل الدينية,ودعم الدولة لهذه المادة ظاهرة أكثر من صحية للفقير وللغني معا,لأنها العنصر الإنساني الوحيد المشترك كالماء والهواء والنار والتراب,لم يعد الخبز مادة أساسية خاضعة لقواعد العرض والطلب كسائر البضاعات الأخرى, لسد رمق جوع عامل يوم مضني فحسب ,بل يمتد إلى أكثر من هذا الى بعده القومي والوطني والإستراتيجي ,متعلق بحضارة السياسة وحضارة الإقتصاد وحضارة التربية وحضارة الحضارة.لم تعد الناس تحسد الناس على شيئ بقدر ما تحسد الناس على توفر الخبز وطقس صناعة الخبز للناس أجمعين ومازالت الدولة ورجالات الدولة بخير بقدر ما وفرت لشعوبها الخبز وتدافع من أجل ان يكون في متناول الجميع كما قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه,او كما وصفته سائر الفنون المكانية والزمانية وأيضا الأسطورة ميراث الفنون,ووراء هذه الحدة التي شهدتها أسواقنا في الأيام القليلة الماضية لهذا العنصر حتى لاأقول لهذه المادة,أرى على الإخوة المثقفين والأدباء والمفكرين أن يعوا للخبز أهميته الخطيرة الأدبية والفنية والثقافية والفكرية والتاريخية والشبيهة بالتاريخ الدينية أيضا.أن يخصصوا يوما وطنيا للخبز ولما لايكون عالميا ,يحدد فيه أ‌- التاريخ ب‌- الإسم ت‌- الشعار ث‌- الرسالة *- الرسالة الإنسانية تلقى من لدن شخصيات كبار حكومية وغير حكومية سياسية او ثقافية او إقتصادية او إجتماعية وتنشر في جميع وسائل الإعلام الثقيلة منها والخفيفة الورقية والإلكترونية,وبهذا نكسب السبق ليس الإعلامي وانما اهمية الخبز عالميا كحق لجميع الشعوب , نحن قوم لانأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لانشبع ,ومن جهة أخرى علينا تقدير النعمة ببعدها الحضاري الثقافي ,وبشقيها المادي والمعنوي ,النفسي الروحي العقلي الجسدي ,ومن لايحمد النعمة تزول عليه. أخيرا/ إذا كانت الثقافة هي أخر مايبقى عندما نوشك أن نخسر كل شيئ, فالخبز هو أخر ما يبقى عندما نخسر الثقافة.

 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق