]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ثقافة وحضارة التكريم / إنهم يكرمون التكريم

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2016-02-02 ، الوقت: 20:08:16
  • تقييم المقالة:
- * تقول الأسطورة / 
كما جاء في مأساة (أيا س او / أجاكس) للكاتب الإغريقي (صوفوكليس) مما قبل الميلاد: بينما كان (أياس) بن تليمون ملك سلامين بطلا من أبطال اليونان أمام طروادة.حارب فأحسن البلاء ,وظهر على الطرواديين في مشاهد عظيمة,وحمى اليونانيين جميعا بعد أن انهزم زعماؤهم وأبطالهم,فما زال يدافع عنهم حتى أقبل (أخيل) فرد أعداءهم منهزمين.فما كان مقتل أخيل جعل اليونان سلاحه جائزة لأعظم أبطالهم شأنا,وأجلهم خطرا,ففاز بها أوديسيوس,وغضب لذلك (أياس) فذهب عقله ,وأنحى بسيفه البتار على ما كان من حظائر اليونان من ماشية,فلما عاد إليه صوابه استخزى لما فعل فقتل نفسه.
في مجرى الزمن / في مجرى التاريخ وحتى ما قبل التاريخ كانت الجائزة, وكان التكريم ,كرمز التحفيز والإستحقاق الأخلاقي الإجتماعي الثقافي. التكريم كنوع من التعويض عن (الفقد) او (الخسارة) جراء الجهد المبذول ,وكنوع من الإعتراف (للفارس) المتوج,والذي وهب الخلق والإنسانية وللمكان وللزمان روحه ودمه في سبيل إسعادها وحتى العمل على إنقاذها ,ما دامت الثقافة إنقاذ في المقام الأول. 

كما يعود الفضل للحضارة الإغريقية والرومانية على البشرية جمعاء حتى الأن,يوم أنقذت وأعتبرت كافة الفنون المكانية والزمانية كنوع من العبادة ,كنوع من الدعاء والرجاء والصلاة .لذا أنزلتها وصاحبها منزلة التكريم والتحفيز ,واعتبرت الشخص المكرم او المبجل ,ذاك ان الألهة كرمته وبجلته أولا,لذا لاغرو إن جاءت المقولة الإغريقية / veix populi ex veix dei /بمعنى صوت الشعب من صوت الإله كمعادل لقانون التكريم والتحفيز والشكر - ومن لايشكر الله لايشكر الناس - ثم تقول إذا تعلق الشعب بشيئ صار قانونا. كما منحت المدينة الإغريقية القديمة الجوائز والتكريم لمن يرضى عنه الإله اولا,وتعتبر الإغريق اول حضارة تمنح الجوائز والتكريمات والجوائز في شكل (دروع) وهي لاتزال سارية المفعول حتى الساعة – ( درع وسهام هرقل المجنحة التي لاتخطئ اهدافها مطلقا او كما تقول الأسطورة ) - بالإضافة الى إكليل من الغار والأس يوضع على شكل دائري على رأس المتوج / المكرم. وظهرت الظاهرة أكثر في الفن والأدب والثقافة ,ولاسيما المسرح (أبو الفنون) ,أين كانت تقدم القرابين وتعازيم الطقوس والتعاويذ الدينية قبل الشروع في المنافسة ,أين كان التكريم أيضا ينحث وينقش وجه الفارس المتوج على جدارات المباني الضخمة والمسلات والمعابد ,بل تكتب بعض من النصوص كنوع من التحفيز والتكريم.اليونان القديمة ومثيلتها الرومان ,سواء أثينا او روما لم تكرما فارسا او بطلا بالذهب او الفضة على غرار ماهو عليه اليوم ,ينفقها الشخص المكرم كلما حصل عليها ,بينما هو أعطى فكره وفنه الذين لاينفقا بأي سبب من الأسباب.بينما الجوائز والتكريمات تحمل لبوسات ولوغوسات (دينيا) ,فعندما يفوز البطل او الفارس يكون الإله هو منحه هذا الرضى وهذه المنحة ,وبدورها تكون الجائزة تحمل طقسا أسطورية ساعدت على الفوز سواء بالحرب او بالسلم.فعندما ينتصر ( اوديب ملكا) : يكون من منحه القوة والسلاح لفك (اللغز) والقضاء على الكائن الخرافي (الهولة),وعندما أنتصر (أوديسيوس) كان سلاح (أخيل) هو الجائزة ,وعندما إنتصر (فيلوكتيتس) بن بياس كان قوس وسهام هرقل المجنحة هي الجائزة وهلم جرا....كانت الجائزة او التكريم تحمل طابع إسقاط الا مرئي على المرئي .كما يعود الفضل لثقافة وحضارة التكريم الى التكريم الخالد ,أين كرم شعراء التراجيديا والكوميديا أحسن التكريم الى العديد من الشعراء القدامى الإغريق اسخيلوس...صوفوكليس ...يوريوبيدس.........هزيود والعديد العديد منهم.هذا الإغريق ايضا كرموا حتى الموتى ومنعوا التكريم عن الأخرين,وهذه (أنتجون) الفتاة اليونانية المتمردة التي قتل فيها أخيها ومنع من طقوس الدفن ,الدفن كتكريم الميت بأن يكرم بقبر معلوم توضع عليه القرابين واكاليل الغار والأس كعظمة للميت ولا يدل على الميت ,بل تركه بالعراء نهبا لسباع وحش الطير عقوبة له,وأيضا حين جن البطل اليوناني (أياس) وذهب عقله وحين نفي البطل نصف الإله (فيلوكتيت) سنينا طيلة منبودا بعلة أصابتهة ,وحين عوقب (أوديب ملكا) بزواجه لأمه وأنجب منها بنينا وبناتا ,هم إخوانه من جهة وأبنائه من جهة أخرى, ولما ظهرت له الحقيقة استخزى الأمر وفقأ عيناه.القصة طويلة تتغذى كغيرها من الكلاسيكيات اليونانية العملاقة الرائعة بالإضافات.
اليوم وفي عصرنا الحاضر وفي عصر تداخل القيم والمصطلحات والعلوم ,وأصبح ما يميز السياسة يميز التاريخ وما يميز الثقافة والفن والأدب, يميز علم الإجتماع وعلم النفس وعلم الإقتصاد. أفسدت الميكيافلية والماكلوهانية المادية والمصلحة الضيقة ما كانت تتمتع به الجائزة والتكريم من حضور وحبور وطقس إجتماعي له قيمة (...).أصبحت الجوائز والتكريمات لاتقدم للأفضل وللأحسن وللأجود ,ولكن للذي قدم الولاء أكثر ,مهما يكن, والى من يكون هذا الولاء (....),فكم من جائزة وكم من منصب فاز بها (فلان) /او(علان) والناس تجهل لماذا ...ومتى...وأين... وكيف حدث هذا ,وحده إلإله او نصف إله العصر الحديث يعرف الوسيلة ,لغاية في نفس السبب,وإن عرف السبب بطل العجب.في الغالب صاحب التكريم لم يعرف عنه لا الأدب ولا الثقافة ولا الفن ولا السياسة ,حتى إن أشتريت هذه الجائزة بعشرات الأضعاف من ثمنها الحقيقي ,بغية فقط التلميع او جعل الخطأ صحيحا.
لاأريد أن أذهب الى ما ذهب اليه مثل فرنسي القائل عن الجوائز والتكريمات:الجائزة / تلك الجزرة التي تقود الحمار ,ولا الى ما ذهب اليه الكاتب الشاعر الإسباني غابرائيل غارسيا ماركيز / بقوله إبان تكريمه إنهم يكرمون التكريم متعاليا على التكريم او الجائزة ,ولا أريد أن أذهب الى ما ذهب إليه المفكر والفيلسوف الوجودي الفرنسي / جون بول سارتر حين رفض جائزة نوبل بقدها وقضيضها .وإنما الذي أريد قوله: على لسان كل الفنانين والمثقفين والأدباء والكتاب الجزائريين وهو دين في أعناقهم لازال يسري الى يومنا هذا ,دم الشهداء الشعراء الثلاث للدراما الجزائرية وهم على التوالي :عبد القادر علولة عن مسرح وهران,عبد الرحمان ولد كاكي من مسرح مستغانم ,عز الدين مجوبي عن المسرح الوطني بالجزائر العاصمة.
الأول يكرم بكتابة مقطع من نصه (الأجواد) وبالضبط بالكلمة الخالدة عن بطله (جلول الفهايمي) / عن الممثل المرحوم القدير / (سيراط بومدين ) 
- القائلة :جلول الفهايمي ,كريم يامن بالكثير بالعدالة الإجتماعية ,يحب وطنه بجهد وإخلاص...,متمني لبلاده تتنمى بسرعة....,وتزدهر فيها حياة الأغلبية.جلول الفهايمي ماد يده باستمرار لقراينه وقف بحزم وقت الشدة...,ويساهم بكل ما يقدر ضد الغبينة....,دقيق في السيرة,وذكي في الخطة ولكن فيه ضعف:عصبي...,يتقلق...,تتغلب عليه النرفزة....,يزعف ويخسرها.
- انظروا اي كلام يعادله تكريم هذا المقطع فقط من مسرحيه الأجواد بأكلمها لو كتب على جدار من جدارات بهو المسرح الجهوي بوهران او على لافتة بالجبس الصيني او النحاسي بوسط المدينة .
- او على ما ورد على لسان الشاعر الثاني:الماء....الماء...جابو سيدي ربي....../ قراب الله والصالحين.
- او ما ورد على لسان الشاعر الثالث :نوارة...بنتي بنتي.....نوارة بنتي بنتي.....
انظروا كيف يرقى حالنا الثقافي وكيف نسجل في فهرس ومسرد المكرمين دوما. انظروا كيف سيكون التكريم والحديث يسقط على باقي الفنانين والأدباء منهم من أستشهد ومنهم لايزال حيا يرزق.كيف يكون التكريم ,ويعيد وجه الجزائر الناصع الثقافي الأدبي الفني العالمي في ظل الزحف العولمي ,عندما فقط تمجد وتحترم رجالات الفن والأدب والثقافة ,كما يمجد ويحترم القسم الوطني. لانقول نشيد لهم تماثيل عز وشرف بعرض الساحات العمومية اوبمتاحف الشمع وإنما مجرد كتابة فقط على مجرد مثقال جدار أصم لايغني ولايسمن من جوع.ثم نتساءل لماذا نجحت دور العبادة في نشر الثقافة الدينية؟ ,لأنها جسدت بعض التماثيل الدينية نقشا او رسما او نحثا ,وبعض الأي وبعض التعازيم الدينية لفظا ولحظا وإشارة...وبهذه الطريقة أعطي الدور الطلائعي الحضاري لدور العبادة ,دورها الديني الشامل المعنوي والمادي والفني أيضا ,حين صارت جميع الفنون في الإسلام المكانية والزمانية تؤدي الى المسجد والمسجد الى الصلاة .ينطبق على مجمل الديانات المقولة : إن الله جميل يحب الجمال.ما أحوجنا اليوم ليس الى التكريم ا والى الجائزة إسما على غير مسمى وإنما الى ثقافة وحضارة التكريم والى ثقافة وحضارة الجائزة كمشروع بلد القومي والوطني ,تكمن فيه جميع المدخلات على أساس تكافؤ الفرص والمتفاعلات معيار الكفاءة والمدخلات للأحسن وللأجود للأنفع وللتققيم والتقويم كأثر رجعي.ذاك ان رجالات الثقافة ورجالات الفن ورجالات الأدب هم ملح القيم ومعيار ومركز ثقل حضارة أمة من الأمم ,نذكرهم ونمجدهم بخير أحياء وأموات ,لأن الثقافة في الأخير هي ما يبقى عندما يخسر الإنسان كل شيئ ,وما الجائزة والتكريم إلا رمز ولبوس ولوغوس وتيمة عن هذا البقاء الخالد الذي نسعى إليه جميعا عبر مكاسبنا وخسارتنا بالنهاية .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق