]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

( رثاء ) : لقد مات الرشيد

بواسطة: بلقسام حمدان العربي الإدريسي  |  بتاريخ: 2016-01-23 ، الوقت: 08:11:44
  • تقييم المقالة:

الرشيد ، ليس ذلك الخليفة العباسي الشهير ، وأعظم الخلفاء الدولة الإسلامية وأكثرهم جدلاً.  يقولون عنه أنه من أكثر الخلفاء جهادا وغزوا واهتماما بالعلم والعلماء، وأنه الخليفة الذي يحج عاما ويغزو عاما وكان يلقب بأمير المؤمنين...

 حاكما على دولة مترامية الأطراف والمساحات، من وسط آسيا إلى مياه المحيط الأطلسي. ويعتبر صاحب فترة العصر الذهبي للدولة العباسية والعالم العربي والإسلامي . 
ويقولون عنه آخرون أنه لا هم له سوى "الجواري والخمر والسكر"، ونسجوا له قصصا و حكايات ، لا يعرف إن كانت فيها شيء من الحقيقة أو ما هي إلا "دعاية هدامة " ضد عظمة و شهرة الرجل ، ورغم هذه شهرة والعظمة ( بجانبيها السلبي و الايجابي) إلا أن قبر الرجل بقى مجهولا إلى الآن... 
لكن الرشيد الذي نتكلم عنه رثاء وتأبين في هذا الموضوع هو ذلك  الشاب في الأربعينيات من العمر ليس له أي رابط أو علاقة تشابه بينه و بين الرشيد الأول ، الذي قال يوما مخاطبا سحابة سوداء كانت تسير بسرعة فائقة من فوق رأسه        " أمطري أين شئت فان تلك الأمطار ستسقط فوق أرضي ومملكتي"...

الرشيد الذي أباد "آل برمك المجوسي" ( البرامكة) ، قتلا وتشريدا، ومصادرة أموالهم وردهم إلى أسفل السافلين ، بعد أن كانوا الأمر والسلطان في بلاطه وظنوا أنهم أصبحوا من القوة والنفوذ تمكنهم من الوقوف في وجه ولي نعمتهم... 
  الرشيد الذي نتكلم عنه هو عنوان لمأساة كتبت منذ اليوم السابع لولادته ، عندما انفصلا والديه وذهب كل واحد لحاله . ولم يعد إلا مجرد رقما في ذاكرة أمه بعد زواجها من رجل آخر و أنجبت أولادا كانوا بردا وسلاما على شعلة فراق الرشيد و إخوته الاثنين الآخران. أما بالنسبة لوالده كان عنوان يذكره دائما بماضي لم يعد له وجود. ..
الرشيد عندما استوفى عقله بجسمه وجد بجانبه إخوة من أم أخرى وعناوين لماسي أخرى ، حياة عائلية متفككة تعصف بها رياح التشرد وعدم الاستقرار، ووجدا نفسه مسؤولا عن إعالة هؤلاء الإخوة من الأب (بنتين وولد) ، بعد الاستقالة الكاملة والقاتلة لوالدهما .
تفرق شمل العائلة ، المتفككة أصلا ، بعد وفاة زوجة أبيه ( أم إخوته ) ،  وكل واحد راح لحاله ( الشامي شامي و البغدادي بغدادي ) ، أما الرشيد الذي كان ينفق على إخوته تلك "الدريهمات" القليلة التي كان يجمعها يوميا من تفريغ الشاحنات الضخمة لتجار الجملة و غير الجملة تشرد هو أيضا للمرة الثانية ...
لهذا بكت عليه أخته ( من أبيه) بكاء مرا و حارقا يوم وفاته ، بعد أن وجد في بيت مهجور وحيدا وهو يعاني منذ ثلاثة أيام أوجاع البطن بسبب الأكل البارد و الرديء "إن وجد "، وفي الكثير من الأيام كان ينام جائعا. أو في بعض المناسبات ، خاصة الدينية ، يتذكره الجيران بطعام ساخن يعيد إلى بطنه شيء من التوازن.
ربما أخته كانت تبكي ذلك البكاء المر على حالها أكثر على موت شقيقها الرشيد . وربما كانت أيضا تتمنى لو كانت بجانبه يوم كان يتألم وجعا أو ربما كانت تتمنى أكثر من ذلك لو كانت بجانبه في هذه الرحلة الأبدية تخلصا وهروبا من شقاء وآلام قاسمهما المشترك منذ ولادتهما...

الرشيد لم يكن يزور أمه أبدا ، ربما لم يكون هناك رابط عاطفي يربطه بها ، أو ربما لم يحاول إحراجها و تذكيرها بمأساة عمرها أكثر من أربعة عقود . لكنه زارها قبل وفاته بأيام وتناول الغذاء عندها وكان غذاء الوداع...
الرشيد ، رغم مآسيه وحياة التشرد إلا انه كان مؤمنا بالله و لم يكفر بقضائه و قدره ، ولم يسلك طريقا يغضب الله أو محاولة الانتقام مما هو فيه ، فقد كان مصليا تائبا من رواد المسجد . اللهم ارحم الرشيد و اسكنه فسيح جنانك و انزله منزلة تعوضه عما حل به في هذه الدنيا الفانية، انك سميع مجيب.

 

 

 

 

 

 

بلقسام حمدان العربي الإدريسي

05.12.2011


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق