]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الثورة السورية : من الكتابة على الجدران الى الكتابة على صفحات التاريخ

بواسطة: Khaled Machaan  |  بتاريخ: 2016-01-17 ، الوقت: 11:58:08
  • تقييم المقالة:

 

 

 

 

الثورة السورية : من الكتابة على الجدران الى الكتابة على صفحات التاريخ

 

د. خالـــد المــــــشعان *

 

لم يعد من شك، حتى لدى اكثر المتفائلين والمنتفعين عطفاً ببقاء الانظمة الدكتاتورية العربية، بأن مد الثورات الشبابية المتصاعد و قراراتهم الحازمة، و الخالية من اية مواربة، بانتزاع الحرية والديمقراطية و تحقيق العدالة الإجتماعية المنشودة و التمتع بحق المواطنة الحقيقية، قد أدى ، حتى اللحظة، إلى تهاوي العديد من أعتى الدكتاتوريات في الوطن العربي، و يبشر كذلك باقتلاع المزيد من الانظمة بلا تفرقة، ملكية ادعت نفسها ام جمهورية. فقد اثبت تسارع أحداث الربيع العربي أن الانظمةالعربية كلها في القمع سواء لا فرق في ذلك بين " نظام تقدمي " كان أو " رجعي". و مما لا شك فيه ايضاً، ان هذا الربيع قد غير، وإلى الأبد، معطيات المعادلة السياسية المتمثلة بطرفين متناقضين بالمعنى الحرفي للكلمة، و المتمثلة، على الأقل حتى الأسابيع القليلة الماضية، بأكثرية فقيرة مهمشة و مستضعفة تتناهبها الأهواء و هرطقات النخب السياسية و الإقتصادية، من جهة، و أقلية سلطوية متخمة متغولة فاسدة تعيث في الاوطان فساداً و تستمد أسباب بقائها من تسويق سياسات مرتبطة بشكل آو بآخر بالمؤسسات الدولية كصندوق النقد و البنك الدولي، اقل ما يقال عنها انها كارثية بالمعنى الحرفي البشع للكلمة، من جهة اخرى، و لنا في تجربة تونس في التنمية و تجربة مصر في الانفتاح مثال صارخ على هذه السياسيات. و لقد كان العنف و التسلط و الخوف، حتى وقت قريب، هو السمة الطاغية على العلاقة الناظمة بين طرفي هذه المعادلة، الشعب و السلطة. و لعل ابرز ما يميز مرحلة الثورة التي نعيش فصولها هذه اللحظة، هو انتقال عامل الخوف هذا بالذات من صفوف الجماهير الى صفوف النخب الحاكمة، و هذا ما يدفع بتلك الاخيرة الى مراكمة الاخطاء القاتلة و بالتالي تسريع ساعة السقوط المحتم. لقد غيرت ثورة الشباب العربي حتى اللـحظة، و بسيناريوهات متشابهة، اثنين من أعتى الانظمة العربية قمعاً، هما نـظامي بن علي في تونس و مبارك في مصر. و لا تزال تلك الثورة تهز بعنف ثلاث انظمة آيلة للسقوط، القذافي في ليبيا و صالح في اليمن و الاسد في سورية. ناهيك عن ارهاصات مبشرة في المغرب و الجزائر وموريتانيا و دول الخليج و التي ما انفكت انظمتها تلوح بالتغيير والإصلاح الديمقراطي ومكافحة الفساد. عسى و لعل الامنيات تثني الشباب المتعطش للتغيير عن النزول الى ساحات التحرير و التغييرالمتناسخة على امتداد الساحة العربية. و اذا كان النـظام الليبي في حكم الساقط ، و النظام اليمني قاب قوسين أو ادنى، إلا أن النظام السوري يستحق منا وقفة مطولة لما لهذا النظام من خصوصية و لما للحراك السياسي السوري المطالب بالتغيير من شجون و شئون.

 

 

 

فالسوريون الذين عانوا من الحكم الديكتاتوري لأربعين عاماً خلت، حطموا اخيراً حاجز الخوف بدايةً بإعتصامات تضامنية مع الشعب التونسي ثم المصري و الليبي ليعلنوها بعد ذلك صريحة بتحولهم نحو الهم الوطني في انتفاضة الحريقة بهتافات كان اولاها " الشعب السوري ما بينذل " و " يا بشار انقذنا من العصابة ". لتتطور الاحداث بعد ذلك بتسارع غير مسبوق نتيجة لعيوب في بنية النظام الممانعة لاية تغييرات حقيقية على النقيض مما يدعي. ففي سيناريو مشابه لما جرى في تونس و مصر و ليبيا، نهضت درعا في جنوب سوريا يوم 18 آذار، بمطالب محدودة اقتصرت على إطلاق سراح عشرين طفلاً سجنوا بسبب كتابتهم على الجدران لشعارات مناهضة للنظام و تطالب بإسقاطه، ثم المطالبة برفع حالة الطواريء وإطلاق سراح سجناء الرأي. و ذلك رداً على المعالجة العنيفة لمطالب الاهالي من قبل الاجهزة الامنية تحت قيادة العميد نجيب عاطف. بذلك تكون درعا قد دخلت التاريخ من اوسع ابوابه بتبنيها مطالب اكثر من عشرين مليون سوري يتوقون للحرية و الكرامة و الديمقراطية. مطالب السوريين كانت متواضعة في بدايتها، بالنسبة لما رفع من مطالب في انتفاضات عربية مشابهة، و المتمثلة برفع قانون الطوارىء و محاربة الفساد و كف يد الاجهزة الامنية عن رقاب الناس. و مهما جادل النظام و المتحدثين بإسمه، رسميين كانوا ام متحذلقين ممن ارادوا التسلق على سلالم النفاق، متعامين بذلك عن الدم الزكي الذي اريق برعونة رجال الأمن و انفلات عقالهم من كل رادع وطني أو أخلاقي، فإن الرد الذي سوقته الاجهزة الامنية في درعا و الصنمين و آنخل و جاسم، لا يرقى بأي شكلً من الاشكال الى مستوى تصرف مؤسسات وطنية، بل أن تلك الاجهزة نحت في معالجتها للأحداث منحى تأنف اشد منظمات المافيا إجراماً على الإتيان بمثله و دون آي إحساس بالمسؤلية، ان لم يكن باتجاه الوطن و المواطن، فعلى الأقل اتجاه الخطاب الوطني الإصلاحي الذي تبناه الرئيس بشار الاسد و فريقه منذ عشرة اعوام و نيف.

 

بعد إندلاع الحركة الاحتجاجية في درعا، و من ثمة في اللاذقية و بقية المحافظات السورية، عاش السوريون عشرة أيام عجاف بانتظار خطاب الرئيس الاسد، معللين الأنفس بقرارات و توصيات تبرد الجروح النازفة في أكثر من محافظة، متمنين ان تصدق امالهم بأن بشار الاسد لم و لن يسكت عن الظلم الذي حاق بهم، خاصة و انه لم يفتىء يقدم نفسه، بكل احاديثه، كرئيس يقف في صف الشعب ضد الفاسدين و المفسدين. ومما أنعش امال السوريين، تصريحات نواب الرئيس و مستشاريه والتي كانت مترعة بالوعود و الامال. لكن الخطاب الموعود، والذي اختاره الرئيس أن يكون من تحت قبة مجلس الشعب امعاناًِ في الهزلية، جاء مخيباً للآمال، بل لا نبالغ اذا قلنا انه اضاف من الالام بأكثر مما يحتمله أكثر المتفائلين به و بفترة حكمه. فقد خلا هذا الخطاب، و بتجاهل عبثي، من اي اشارة و لو بالتلميح لمطالب الشعب الحقيقية، او من اية كلمة عزاء بالشهداء الذين سقطوا برصاص رجال الأمن و الفرقة الرابعة التي يقودها شقيقه العقيد ماهر الاسد في درعا، او بيد عصابات الشبيحة في اللاذقية . لا بل ان الخطاب جاء مليء بالأضاليل و التهم الخيالية التي لا تليق برب اسرة، فما بالنا برئيس دولة يعلم هو قبل غيره أنها محض إكاذيب. فإلقاء التهم على عناصر خارجية مندسة او داخلية عميلة و التلميح بشبح الفتنة الطائفية، ما هي إلا اسطوانة مشروخة لم تنفع بن علي و لا مبارك، و هذه المراوغة الفجة لم تنطلي حتى على الاطفال.

 

لقد حاول الرئيس الاسد خطابئذ، أن يسوق نظرية التآمر على النظام بسبب مواقفه القومية ملمحاً الى الموقف السوري من القضية الفلسطينية و المقاومة اللبنانية و العراقية، متناسياً أن الموقف السوري من القضية الفلسطينية هو موقف الشعب السوري و ليس موقف السلطة. لقد فات الأســـد، أن اجدادنا الذين جاهدوا في فلسطين علموا ابائنا أن فلسطين عربية و أن الشعب الفلسطيني عربي، و حملوهم القضية امانة في اعناقهم و ابائنا حملونا فلسطين في ضمائرنا و نحن وعدناهم بحمل الامانة و وعدناهم بتربية اولادنا، ليربوا اولادهم و احفادهم بأن فلسطين عربية. القضية إذاً قضية شعوب و ليس أنظمة، النهج القومي الذي تنتهجه سورية، هو نهج شعبي و ليس سلطوي. لقد فات الاســد، أن هذه الثورة العربية التي تبشر بتغيير معالم المشرق والمغرب والخليج بانتفاضة عارمة، ندين بها كشعوب عربية، و ربما شعوب العالم بعدئذ، بالدرجة الاولى للشعب الفلسطيني. حيث كان هذا الشعب اول من سن اسلوب الكفاح هذا مسطراً بذلك اولى ملاحم المواجهة بين الشعوب المستضعفة و الة الطغيان بسلاح الانتفاضة الفعال. وفي محصلة الأمر، لولا تقاعس بشار الاسد و زملائه الزعماء العرب عن تحرير فلسطين، لما وجدت الشعوب العربية نفسها مدفوعة لأخذ زمام الامور بنفسها، و هو يعلم قبل غيره أن فلسطين هي المبتداء و الخبر في آي حراك سياسي عربي. و الحال كذلك، فلا مجال لكائن من كان أن يتاجر بعذابات الشعب الفلسطيني الذي سطر اروع ملاحم التاريخ في المقاومة و الصمود أو بالمقاومة اللبنانية و العراقية، فالموقف منها هو موقف شعبي وطني و ليس موقف سلطوي.

 

و لعل مآسي السوريين و خيبة املهم لا تقف عند هذا الخطاب التاريخي الذي يجب أن يدرس في جامعات العالم كمثال على تضليل الشعوب و تهديدها، بما حمله من مغالطات و تضليل و مراوغة و ضعف في الحجة و استهتار بمطالب الشعب المشروعة. بل الأنكى من ذلك، أن خطاب الرئيس بشار الاسد قد حمل، بخطورة و اصرار، مشروع حرب طائفية، تبدو انها الورقة الاخيرة التي يستطيع النظام لعبها لمواجهة حالة الغليان، و الرد الوحيد على الحراك السلمي للجماهير كان واضح في تحليلات الرئيس الفلسفية: إما النظام أو الفتنة الطائفية و لا مكان للوسط، فإما معنا أو علينا. فقد كان ديدن النظام، و منذ بداية الانتفاضة، العنف رداً على التظاهرات التي يصر الشباب الثائر منذ اليوم الاول و حتى جمعة الصمود الاخيرة على سلميتها. ولا يبدو فقط أن النظام مصر على مواجهة المطالب المشروعة بالسلاح و النار فقط مع التغييب الكامل لأية بادرة انصات لمطالب الجماهير، بل انه امعن بالتصعيد العنيف باستخدامه بعض فرق الجيش و آلويته، و خاصة الحرس الجمهوري و الفرقة الرابعة، و اطلق يد الأجهزة الأمنية و عصابات الشبيحة و زعران الحزب في دمشق و دوما و درعا و لاذقية العرب و حمص و دير الزور و بقية المحافظات و المدن السورية المنتفضة لتعيث قتلاً و اعتقالاً و تنكيلاً بالمواطنين. و الحال كذلك، فإذا كانت سورية مستهدفة حقاً بمؤامرة خارجية، الا يحق لنا أن نتسأل : من يخدم هذه المؤامرة ؟ تصعيد الخطاب الطائفي من قبل النظام، و اشاعة استخدام العنف، ام الحراك السلمي للمتظاهرين الذين قدموا مطالب و اصلاحات، يعلم النظام قبل غيره انها تطمح، اولاً و اخيراً، الى تقوية الجبهة الداخلية ضد من يستهدف سورية و مواقفها القومية. ثم اذا كانت مواجــــهة تلك المؤامرة المزعمة تتطلب مراجعة سياسات النظام الداخلية و الحد من تغول التحالف المافيوي بين الاجهزة الامنية و عصابات الفساد و كف يد المقربين عن رقاب المواطنين، الم يكن حرياً بالرئيس أن يقول لنا و بكل صراحة و شفافية ما هو فاعل إذا كان الحل ، كما يفرضه المنطق السليم، تغيير جذري في بنية النظام؟

 

اليوم، و بعد مضي أقل من شهر على بداية الثورة و سقوط مئات الشهداء و الاف الجرحى في جميع انحاء سورية، يمعن النظام في تعاميه عن الحقائق و البديهات التي بات الشعب السوري يعرفها و معه الشعوب العربية، و اولاها: أن قاطرة التغيير قد انطلقت، و أن الشعب السوري بكل مكوناته قال كلمة الفصل بوجوب تغيير النظام، فلا منح الجنسة السورية للمواطنين السوريين الاكراد يعيد لهم كرامتهم المهدورة منذ نصف قرن، و لا العزف على الوتر الطائفي بات يُرقّص جزأً عزيزاً و مهماً من شعبنا عاني قبل غيره من ويلات النظام. يعرف السوريون اليوم، آكثر من آي وقت مضى، بأنهم يستحقونَ قيادة تواكب تطلعاتهم الوطنية و القومية، لا قيادة تقتل و تنكل بهم بعد أن قضتْ سنوات طوال تتاجر بقضاياهم و مصائرهم و تُأملهم بمستقبل أفضل لم و لن يأتي في ظل علاقة الغش و الكذب و التسويف و التهديد بحرق المركب بمن فيه. و يبدو كذلك أنٍ النظام لم يستوعب بعد أن الثورة ليست عشوائية كما يراهن و يأمل مؤيدوه المتطوعين و المجبرين على حدً سواء، بل أن الشباب المنتفض قد طور آليات تنظيم فاقت بأشواط قدرات أجهزته الأمنية التي لا تتقن سوى فنون التعذيب و القتل و التنكيل و اخراج المسرحيات العبثية. إن الثورة التي انطلقت على أيدي أطفال درعا، تتمدد الآن على كامل التراب السوري، دمشق، درعا، دوما، اللاذقية ، حمص، حماة، جبلة، بانياس، دير الزور، الحسكة، القامشلي، تل كلخ و كل المدن و البلدات السورية تنهض. لقد اختار الشعب السوري بكل مكوناته، الكرامة و الحرية ، و هاهو يدخل التاريخ بعد أن غيبته الدكتاتوريات المتعاقبة عن المسرح، و الخوف اصبح الآن في ملعب النظام و الشيء المؤكد أن سورية الغد لن تعود كما كانت قبل الثامن عشر من اذار بوجود النظام او بزواله.

 

* باحث و صحفي سوري مقيم في سويسرا

 

نشر في صحيفة القدس العربي  العدد 6791 الاربعاء 13 نيسان (ابريل) 2011 ـ 9 جمادى الاولى 1432ه


http://www.alquds.co.uk/pdfarchives/2011/04/04-12/qmd.pdf


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق