]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رسالة راسبوتين إلى بوتين !

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2016-01-11 ، الوقت: 21:53:42
  • تقييم المقالة:

رسالة راسبوتين إلى بوتين !

 

محمد الحداد/ العراق

 في ليلتهِ الأخيرة شربَ الراهبُ الروسي المشعوذ "راسبوتين" دونَ علمهِ جرعاتٍ كبيرة من السم كانت تكفي لقتلِ عشرةِ ثيران دفعة واحدة وتلقى جسدهُ من مسافةٍ قريبة عدة طلقات نارية..ضُربَ ورُكلَ وسُحلَ لكنهُ لم يمت قبل أن يُكبّلَ ويُرمى أخيراً في نهر "نيافا" في بطرسبورغ ليموتَ هناك أخيراً...

هذا الرجل الذي دوّخَ الروس أثناءَ حياتهِ دوّخَ العالمَ كلهُ لاحقاً بقصةِ موتهِ أيضاً..ناقلو أحداث تلك الحقبة الخطيرة من تاريخ روسيا القيصرية لم يكن بإمكانهم أن يجزموا بالسبب الذي أفضى لموتهِ لكنَّ الحقيقة الصادمة التي كُشفت لاحقاً بينتْ أنَّ الرجلَ ماتَ غرقاً بعد أن جمدتهُ برودة النهر الذي رُميَ فيهِ وربما لولا ذلك لما مات..القصة يعرفها الجميع وهي أشهر من أن نكررَ تفاصيلها.

تشيعُ القوةُ وتلدُ الأحداث من رحمها الكثيرَ من الأقوياء لكنَّ رجلاً واحداً منهم يُظهرُ زعامة على الجميع فيخطفَ العقولَ والأبصار ويُشارُ إليهِ بالبنان..هذا ما كان يحصلُ على الدوام ولا غرابة في ذلك..لكن حينما يتفشى الوهنُ مثل الوباء وتخلو الساحة من الأقوياء لا يكادُ الناسُ أن يروا في زعيمٍ بعضاً من ملامح القوة حتى ينفخوا فيهِ ويُصدقوا أن لا أحدَ غيرهُ يستحق لقب زعيم الزعماء!

في عصرٍ غريب تفشتْ فيهِ القوة لكن قلَّ الأقوياء وإن كثرَ مدعوها أخرجَ لنا رحم الوهن رجلاً اسمهُ بوتين قالوا لنا أنهُ اليوم أقوى زعيمٍ في العالم.. لا بأس..فلكلِّ مرحلةٍ رجالها..

لكن مهلاً..هل ثمة خطأ في الكتابة؟ كيف حضرَ "راسبوتين" في بداية السطور وأنا أنوي أن أتكلم هنا عن بوتين؟ ما علاقة الأول بالثاني؟ هل بينهما شبهٌ كبيرٌ ألبسَ عليَّ الأمر لهذه الدرجة ؟ قطعاً ثمة أكثرُ من شبهٍ بين الرجلين إن كانَ في السحر أو الكاريزما أو الطموح أو القوة أو شغف السيطرة على العقولِ والمصائر..لكننا لا ننكرُ أيضاً أن هنالكَ اختلافاتٍ صارخة بينهما.

ليس غريباً أن تستوقفكَ ميزةٌ ما عند شخصٍ ما فتحيلكَ بنظرةٍ خاطفةٍ إلى ميزةٍ تشبهها عند شخصٍ آخر لكنَّ الغريبَ حينما تحيلكَ تلك الميزة إلى نقيضها فيحضر أمامكَ فوراً كلا الشخصين معاً..وأولُ تناقضٍ سيحضرُ هنا بين راسبوتين وبوتين هو تخوفُ الأول من مغبةِ الانزلاق إلى الحرب وشغفُ الثاني بها.

المشعوذ راسبوتين حذّرَ آخر قياصرة روسيا "نيقولا الثاني" من مناطحة السلطان العثماني في حربٍ بعيدة لا جدوى منها خلافاً لما أرادت الكنيسة آنذاك لكنَّ القيصرَ لم يستمعْ لنُصحِ راسبوتين..تماماً كما يفعلُ بوتين هذهِ الأيام الذي تجاوزَ هو الآخر نُصحَ راسبوتين وركبَ موجة معاكسة وقررَ أن يشدَّ الرحال لحربٍ خارجَ الأسوار.

لبسَ بوتين ثيابَ الحرب إذن وقررَ أن يتوغلَ بعيداً في الجغرافيا لأن عينهُ كانت على التاريخ حتى لو جرّهُ ذلك لمناطحةِ الأميركان والأتراك والعالم بأسره.

على المستوى الشخصي لا يريدُ بوتين أن يكونَ زعيماً تقليدياً..هو ينوي أن يظلَّ كما كانَ دائماً منذ أن ولدتهُ الأحداث : لغزاً وأحجية ومتاهة ثم أسطورة لا تغيب..رجلُ المخابرات الغامض الذي تعلمَ مبكراً لغة الشفرات المبهمة والأحبار السرية قررَ ألا يبدو سطراً سهلَ القراءة..هو لم يخطط أبداً أن يكون يوماً ما متاحاً أو مألوفاً بل عصياً على التحليل والتفسير والتسطير والأرشفة..ماذا بوسعِ مَن توسوس بأذنهِ شياطين الأنا ليلا ونهاراً أنكَ أجدرُ مَن يستحقُ اليوم مجداً لم تصلَ إليهِ قدمٌ قبلك؟ العزلة خانقة..والساحة ضيقة والجميع هذهِ الأيام يبحث لهُ عن صورةٍ مغايرة كي يضعها أعلى هويته الجديدة!

مَن يغمض عينيهِ لن يرى شيئاً لكنهُ قد يرى صورَ أعدائهِ يتربصونَ بهِ في ظلمةِ العينين..ومَن يختبئ خلفَ جدارِ السلامة سيصورُ لهُ خوفهُ أنَّ أعداءهُ سيتسلقون جدارَ بيتهِ ولن ينعمَ بالأمان أبداً لأنهُ سيظلُّ يراهم حتى في انعكاسِ ظلهِ..الحربُ الباردة بأعوامها الطويلة علمتهُ تلك الدروس النفيسة.

لا يريدُ بوتين أن يُقيدهُ التاريخُ ويحشرَ صورتهُ في إطارٍ كلاسيكي عتيق تقرأهُ العيونُ بكسلٍ من أولِ نظرة..هو لم يركبْ ظهورَ المستحيل كي يبدو شبيهاً أو نظيراً أو رديفاً لأحدٍ قبله..الرجلُ مهووسٌ كثيراً بأن يحفرَ أسمهُ كفارسٍ دائم في سجلِ شرفِ الحاضرين ولا يريدُ أن يُصدّقَ أنهُ يمكنُ أن يُسجَلَ يوماً ما في أرشيفِ الغائبين ما دامَ حاضراً..لا يُحبُّ أن يُقالَ عنهُ غداً كان محض ورقةٍ تساقطت من شجرةِ التقويم بعد اصفرارها كشأنِ كلِّ الأوراق المتساقطة التي ينساها التاريخ سريعاً..ما يريدهُ بوتين أن يكونَ هو ذاتهُ الشجرة والتقويم والتاريخ..

لكن بوتين وهو في نشوةِ هوسهِ بنقش أسمهِ بين الأسماء يدفعُ بروسيا نحو مُنزلقٍ كارثيّ مَهول ويعجّلُ بسقوطها من حيث يدري أو لا يدري..روسيا التي ذابت صورتها في صورةِ بوتين حتى لم نعُد نراها اليوم بأعيننا إلا على هيئةِ صورةٍ شخصية جذابة لرئيسٍ جميل طامح بمجدٍ لا يريدُ أن يذوبَ جليدهُ الساحر أبداً..لكنها كارثة كبرى أن يكونَ الوطنُ رجلاً وليس العكس..والحقيقة التي لا يريدُ أن يصدقها كثيرون أن روسيا رغم هيبتها وثقلها تكادُ تنخرُ من الداخل..انكماش اقتصادها الضعيف أساساً أصبح سمة بارزة لدولةٍ أنهكتها عقوبات غربية قاسية بسبب أزمة أوكرانيا مما أدى إلى تدهور مستمر في عملتها وارتفاع معدلات التضخم..أما خارجياً فتكادُ الأزماتُ تحيطُ بها من كل مكان..

ربما لم يفق بوتين حتى اليوم من صدمة الإمبراطورية السوفيتية العظمى التي غابت عنها شمسُ الهيمنة قبل الأوان..ثمة جراحٌ لا تزالُ تنزفُ دماً..جراحُ الأغصان المتمردة التي بترَها فأس "البرويسترويكا الغورباتشوفية" فانفصلتْ تماماً عن الشجرة السوفيتية الأم الطاعنة في السن..وآلام كهذهِ لا يمكنُ أن تُنسى أبداً..خاصة بعد أن تنفست تلك الأغصان الصغيرة هواءً رأسمالياً باذخاً ونمَتْ وتطاولتْ حتى غدتْ أشجاراً عالية تعبث أشواكها بالأنف الروسي الكبير إمعاناً في مشاكسته!

لكن الأخطرَ من ذلك كلهِ هو القادم لو اندلعتْ حربٌ يشعلُ فتيلها هذا التوغل الروسي البعيد نفسه..حربٌ هي أقرب مما يتوقعُ الروس ويحذرُ بوتين..إذ ليس ببعيدٍ أن تُجرَ أقدام روسيا لخوضِ غمارِ حربٍ مفتوحة يكون طرفها الثاني مسلمو روسيا وجيرانها الأقربين يدفعهم غضبٌ عارمٌ للثأرِ والانتقام من "حربٍ دينية" سيقولونَ أنَّ الروس شنوها على مسلمي سوريا والعراق وتركيا !

كلُّ ذلك ليس ببعيد أبداً فكل بذرةِ وهم روسي بنصرٍ بعيد ستُغرسُ بدلها في روسيا بذرة مماثلة قد تنبتُ في الغد هزيمة ماحقة وسط الديار..وأن تتلقى طعنة قريبة في الظهر غير أن تتلقاها في حربٍ بعيدة..

ألم يُسجلُ التاريخ أن كلَّ حروب روسيا البعيدة التي خاضتها طوال تاريخها كانت نذرَ شؤمٍ بكوارث ماحقة وإرهاصاتٍ للعناتٍ قادمة؟ حينما شنَّ آخر قياصرة روسيا حرباً مع العثمانيين سقطتْ روسيا القيصرية إلى الأبد..وحينما دخلَ الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان انتهتْ الحربُ بسقوط الإتحاد السوفيتي إلى الأبد أيضاً واليوم تخوضُ روسيا البوتينية من جديد حرباً أخرى بعيدة عن حدودها أيضاً فهل وضع بوتين سقوط روسيا نصبَ عينيه؟

سيقولُ البعض لكنَّ الوجودَ الروسي في المنطقة فرضتهُ حاجة مُلحّة جداً.. حسناً أليست تلك الحاجة ذاتها هي التي فرضت علينا من قبلهم وجوداً أميركياً وأغرَتْ بوجودٍ مماثلٍ بهويةٍ بريطانية أو فرنسية أو غيرهما ولم يضف ذلك إلينا إلا دماراً فوق دمارنا؟

ملامح التوغل الروسي في المنطقة تبدو أبعد كثيراً مما تفرضهُ تلك الحاجة الملحة لذا لا غرابة أبداً أن تنزلقَ أقدام الروس لتغوصَ في رمالنا المتحركة كما فعلتْ قبلهم بأقدام أميركية مماثلة..

تحضرُ ها هنا فوراً صورة راسبوتين دون دعوة مسبقة..ربما لن يُصدّقَ الروس أن السمَّ الذي شربهُ راسبوتين قديماً بسبب طيشهِ وتهورهِ ومجونهِ يشربهُ اليوم بوتين على مهل في حفلةِ نصرٍ صاخبة تشربُ روسيا كلها معهُ بكؤوسٍ مضللة وأن هذا السم يسري الآن ببطيء في العروق لكن مفعولهُ المميت قد يعملُ تدريجياً مع الوقت..لا تتعجلوا وانتظروا النتائج قريباً ولا تستغربوا لو رأيتم القيصرَ في الغد يترنحُ ويسقط في بحيرةٍ بعيدة..

لا تغرنكم كثيراً قوة الدب الروسي الذي يستعرضُ اليومَ أمام العالم كلهِ.. هذهِ ليست حفلة سيركٍ روسيةٍ مُسلية والحربُ لا تزالُ في بدايتها فقط وما يفعلهُ الروس هذه الأيام فعلتْ أميركا أكثر منهُ حينما كانت في أوج قوتها.

اليوم أرى بعينيَّ ما رأتهُ عينا راسبوتين لقيصر روسيا قبلَ أكثر من مئةِ عام..نبوءةُ شؤمٍ استبقتْ الأحداث قبل وقوعها فكتبتْ أصابعُ راسبوتين كلمات اللعنة القادمة في رسالةِ يأسٍ بعثها لآخر القياصرة ينذرهُ بأفولِ نجم الدُبِّ الغارب عن سماءِ المجد إلى الأبد..ثمة غمامةٌ عاصفة تسري في سماءِ روسيا..أرى كارثة وظلاماً وحزناً بلا ضياء..أرى بحراً من الدموعِ والدماء..لا أجدُ كلماتٍ تصفُ ذلك الرعب..الجميعُ يدفعُ بكَ نحو الحرب لكنهم لا يعلمون أن الدمارَ ينتظر..أنت القيصر فلا تدع الجنونَ ينتصر.. ستُدمرُ ومعكَ الأبرياء وستغرقُ روسيا بالدماء..والكارثة ستكونُ رواية والأحزانُ دون نهاية..

هل يقرأ اليوم بوتين رسالة راسبوتين ؟

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق