]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هكذا رباهم محمد صلى الله عليه وسلم

بواسطة: جهلان إسماعيل  |  بتاريخ: 2016-01-06 ، الوقت: 18:50:07
  • تقييم المقالة:

بقلم/ جهلان إسماعيل

" بل الدين كله هو الخُلق فمن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الدين"

بهذه الكلمات الرائعة والتي تلخص رسالة الإسلام ، علق ابن القيم رحمه الله تعالى على قول الكتاني "التصوّف هو الخُلُق، فمن زادَ عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف"

الأخلاق هي جوهر الإسلام وروحه ، فقد جاء الإسلام لكي يهذب أخلاق الناس ويرتقي بها إلى قمم الكمال البشري ،جاء لكي يصفي النفوس والقلوب من أدران الحقد والغل والحسد والكراهية ، جاء لكي يزيل كل الأوساخ التي قد تعلق بالنفس البشرية بداية من الشرك بالله تعالى وحتى وسوسة النفس، جاء ليغرس في النفوس معاني الحب والإخاء والألفة والتعاون وليصنع أمة الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.

وقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرسالة الخالدة بقوله:

" إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق "

وبين لنا أن الناس يقتربون من مجلسه أو يبتعدون عنه ويتفاوتون في محبته لهم بأخلاقهم فقال:

"ألا أخبركم بأحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟"، فسكت القوم، فأعادها مرتين أو ثلاثاً.

قال القوم: نعم يا رسول الله ! قال: " أحسنكم خلقاً"

فمن فاق غيره بأدبه وحسن خلقه كان أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقرب. فهنيئا لذوي الأخلاق الحسنة قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم ، وهنيئا لهم محبة النبي صلى الله عليه وسلم لهم.

وقد ربّى محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه على حسن الخلق ، فكانوا مشاعل هداية للسالكين في درب الإسلام من بعدهم وعلامات طريق يهتدي بها الناس إذا ما اشتبهت عليهم السبل أو تعددت المسالك ، فهم:

"أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، وأقومها هديا ، وأحسنها حالا " ابن مسعود رضي الله عنه

وقد ضرب الصحابة رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في حسن الخلق والالتزام بالتربية المحمدية ، فكانوا بحق قمما سامقة في حركاتهم وسكناتهم وفي أقوالهم وأفعالهم ، في الفقر والغنى ، وفي الرضى والغضب ، في النشاط والكسل ، وفي الصحة والمرض.

وقع شجار يوماً ما بين أبي ذر وبلال بن رباح رضي الله عن الجميع فما كان من أبي ذر غفر الله له إلا أن قال لبلال بن رباح يوم أكرمه الله بالإسلام ” يا ابن السوداء ” فحزن بلال رضي الله عنه كيف يُعير وقد أسلم والإسلام لا يفرق بين الناس فكلهم سواسية إلا بالتقوى فما كان منه إلا أن ذهب للرحمة المسداه يشكو له أبا ذر فنادى الحبيب أبا ذر فقال له ” أعيّرته بأمه !! إنك امرؤٌ فيك جاهلية” 
فحزن أبو ذر وأصابه الغم  وقال ” والله أحببت أن تدق عنقي ولا أسمع ذلك الكلام من رسول الله"
فذهب في تواضع جم لبلال وقال له ” هذا خدي أضعه على الأرض ضع قدمك عليه والله لا أرفعه حتى تضعها ” فقال بلال ” والله ما كنت أضع قدمي على جبهة سجدت لله ”
فتعانقا وصفت نفوسهما لأنهما تربيا على التسامح والتغافر والعفو عن الزلات. رباهم الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم على أن يعتذر المخطئ وأن يقبل من وقع عليه الخطأ اعتذار أخيه وعلمهم أن الاعتذار شجاعة وقبول الاعتذار من شيم الكرام

قال الشافعي -رحمه الله-:

اقبل معاذير من يأتيك معتذرًا.. إن برَّ عندك فيما قال أو فَجَرا

لقد أطاعك من يرضيك ظاهره.. وقد أجلَّك من يعصيك مستترا

اختلف عبد الله بن عباس وزيد بن ثابت رضي الله عنهما في كثير من مسائل العلم ، ورغم ما بينهما من خلافات ظل كل واحد منهما يجل الأخر ويذكر فضله ومن ذلك أن ابن عباس رضي الله عنه رأى زيد بن ثابت يوما يركب دابته فأخذ بركابه يقود به، فقال زيد: تنحّ يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال ابن عباس: هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا. فقال زيد: أرني يدك. فأخرج ابن عباس يده، فقبلها زيد وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.

لقد رباهم محمد صلى الله عليه وسلم على الحب والإخاء وصفاء النفوس واحترام المخالف والاعتراف بفضله وذكر محاسنه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنزلوا الناس منازلهم) رواه أبو داود في سننه

خرج أبوبكر الصديق رضي الله عنه يشيع جيش أسامة بن زيد وبدأ المسـير ، والصديق رضي الله عنه معهـم يسـير ماشـيا وأسامة راكبا ، ولما يبلغ العشرين ، فقال أسامة : يا خليفة رسول الله ، إما أن تركـب وإما أن أنزل . فقال : والله لست بنـازل ولسـت براكب ، وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة .

لله درك يا أسامة ، من علمك هذا الخلق ، ومن أدبك هذا الأدب؟ لقد كان رضي الله عنه يشعر بالخجل لصغر سنه وكبر عليه أن يكون على رأس جيش فيه كبار صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفوق كل ذلك يخرج الخليفة ليشيعه ماشيا وهو راكب على فرسه، فيقول: "يا خليفة رسول الله ، إما أن تركـب وإما أن أنزل"

 

إنها تربية محمد صلى الله عليه وسلم ، لقد رباهم على احترام الكبير وتوقيره . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر"رواه أحمد،  وقال: ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا )، وفي رواية ( ويعرف حق كبيرنا )رواه أحمد .

ولعل أسامه شاهد بأم عينيه أو نقل إليه عندما أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟، قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: أسلم، فأسلم ) رواه أحمد .

هذه بعض الأمثلة التي تظهر أثر التربية النبوية على أصحاب النبي في حياته وبعد مماته، وإن الأمة الإسلامية التي تعيش حاليا تراجعا واضحا في مجالي التربية والأخلاق ، لن تنهض من كبوتها إلا بالعودة إلى هذه التربية النبوية ، والاقتداء بهذه النماذج الباهرة التي أشرف النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه على تعليمها وتأديبها، ويوم تعود أمتنا إلى هذه التربية النبوية سوف تختفي كل أمراضها وتبرأ، وسوف يعود للأمة مجدها وتصبح هي الأمة الرائدة كما أرادها الله عز وجل.


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق