]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الذات و الآخر حوار أم صراع؟

بواسطة: نور الدين السافي  |  بتاريخ: 2016-01-06 ، الوقت: 05:08:09
  • تقييم المقالة:
الذات والآخر: حوار أم صراع؟ د.نور الدين السّافي

 

      أمام هيمنة العولمة الاقتصادية والسياسية رفع المفكرون المعاصرون والسياسيون شعارا رأوه جديدا قصد الحدّ من الصراع الذي اشتد اليوم بين العالم المتقدم تكنولوجيا والعالم النامي. وكان القصد من هذا الشعار البحث عن السبيل الأقوم للخروج من عنق الزجاجة الذي وجد فيه العالم المعاصر نفسه. لقد سقطت الإيديولوجيات كما يقال ولكن رفعت شعارات أخرى وأفكار جديدة مارست الدور نفسه الذي كانت تمارسه الإيديولوجيا وكانت فكرة الحوار أبرز هذه الأفكار وأهمها مقابل فكرة الصراع والصدام.وقد كان العالم الإسلامي في قلب الرحى لأنه يمثل الآخر بالنسبة إلى الغرب مثلما أن الغرب هو الآخر بالنسبة إلى العالم الإسلامي. والغريب أن ما يشهده العالم الإسلامي اليوم من تحركات اقتصادية وثقافية من أجل بناء ذاته الثقافية والسياسية نرى أصواتا عديدة ترى في هذه الحركات الداعمة للذات والمؤسسة لها حركات ارتكاسية وماضوية معادية للتقدم والحضارة. كما نرى أصواتا أخرى في العالم الغربي تحمل الموقف نفسه وترى في العالم العربي والإسلامي أخر غير قادر على الانخراط في الحداثة الغربية  بل يمثل عائقا لها وعدوا يضمر للغرب كل الشر ولذلك يجب مقاومته. المسألة إذن إذا شئنا التعبير عنها فلسفيا هي مسألة الذات والآخر. ولا شك أنها مسألة فلسفية لها أساسها الأنطولوجي مثلما لها أبعادها الأخلاقية والسياسية. وهي من جهة أخرى مسألة حضارية تحمل في أعماقعا الصراع الإيديولوجي المعبّر عن الاختلافات الثقافية الموجودة بين الشعوب. إننا إذن أمام وضع محرج ومحيّر، فكل ثقافة تدعو من جهتها إلى بناء ذاتها بناء يعبّر عن هويتها وخصوصياتها ورؤيتها للوجود والحياة والمصير. غير أن البحث عن الذات وتأسيسها والذي وقع في عصر الحداثة اعتبر وقتها - ومازال الفلاسفة يقولون ذلك إلى اليوم – أبرز حركة عرفتها أوروبا في العصر الحديث والتي جسّمت أهم ثورة فلسفية وعلمية وسياسية أسست أوروبا الحديثة وجعلتها تصل إلى ما وصلت إليه اليوم. نتبيّن من خلال هذا أن بناء الذات خطوة أولى ضرورية لمن شاء الحضور في الوجود والبقاء. ولأجل ذلك تغنى الجميع بعصر الحداثة وعصر ميلاد الذات. رغم أن الاستعمار كان أول مشروع سياسي وثقافي أنجزته الذات الغربية في علاقتها مع الآخر الذي لم ينجز بعد ما أنجزته واعتبرته لأجل ذلك شعبا متخلفا وبربريا يجب استعماره لدفعه إلى الحداثة دفعا كما يقولون. وكلنا يعرف ما قام به الاستعمار طول المدة التي ظهر فيها وإلى يومنا هذا. فالغرب إذن هو الذات المتحررة الممثلة للمدنية والديمقراطية والآخر العربي أو المسلم واحد منه، بربري يجب مقاومته واستعماره. وأهل الاختصاص والمؤرخون وغيرهم يملكون أدلة كبرى لا يرقى إليها الشك، عن كبار المفكرين الحاملين للواء الحرية والتقدم والديمقراطية من أمثال ليبنيتز الذي يشرّع مع الساسة لاستعمار مصر، وماركس لاستعمار الجزائر، وغيرهما الذي يصرّح بأن الحداثة هي حداثة الإنسان الغربي والتي لا يمكن تعميمها مثلما نادى بذلك ماكس فيبر. هذه الأصوات الفكرية والفلسفية التي قامت في الغرب منادية بتفوق الإنسان الأبيض الغربي هي نفسها التي صنعت الأنوار وبشّرت به. إلا أن المشكلة أن مفكرينا المبهورين بهذه الأنوار والذين نصّبوا أنفسهم دعاة لتلك القيم التنويرية لم يكشفوا في الوقت نفسه عن هذه الانزلاقات الخطرة وهذه الممارسات الداعية إلى استعمار العالم ونشر القيم الغربية بالحديد والنار وهو ما حدث فعلا حين قسّم العالم الإسلامي وغيره إلى مستعمرات ضعيفة في مقابل بناء أمبراطوريات جديدة لا تغرب عنها الشمس. فما هي نتائج ذلك على العالم الإسلامي؟ تأثر العرب والمسلمون بما حدث في الغرب وما يحدث في ديار العرب والإسلام نتاج التدخل الغربي في حياتهم واستعمار أوطانهم وقد عبّروا عن تأثرهم هذا بأنحاء متعددة ومختلفة بل ومتعارضة. وسأكتفي بتسجيل موقفين اثنين لأني أرى فيهما دلالة كبرى ورمزية لكل ما سيحدث في العالم العربي والإسلامي بعد ذلك. كما أني سأقتصر على الجانب الفكري والفلسفي من المسألة، وإن كان هذا الجانب لا يمكن فصله عن الجانب السياسي منها.         أعلن الغرب الحداثة وأسّسها وتمكّن من بناء ذاته وجعلها قبالة العالم للسيطرة عليه وبناء فكر علمي يمكّن الإنسان من أدوات السيطرة على الطبيعة، ولم لا في وقت متأخر السيطرة على الإنسان نفسه، وهو الذي سنلاحظه مع ظهور أولى البحوث الأنتروبولوجية والتي شرّعت للاستعمار بل ومكنت الساسة والعسكر من أدوات السيطرة والنفوذ. وهو ما يفسّر أسلوب نابليون مثلا في غزوه لمصر واستعانته بالعلماء والمفكرين وغيرهم.وأمام هذه القوة الغربية الهائلة عرف العرب ما سمّي بصدمة الحداثة والتي ولّدت نتيجة لها مفكرين وأدباء مختلفين في توجهاتهم ومشاريعهم ومع ذلك اتفقوا على أمر واحد وهو ضرورة نقل التجربة الغربية إلى ديار العرب والإسلام لأنها تجربة بيّنت قوتها الفكرية والواقعية. وكان من أبرز أعمال كبار مفكرينا بناء نسخ فكرية للنظريات الفلسفية التي ظهرت في الغرب. فنجد عندنا من ينادي بفكر ماركسي معلنا أن المادية التاريخية هي الدين الجديد وهي سبيل الخلاص من التخلف. ونجد من ينادي بفكر وجودي مبررا لميلاد الإنسان الجديد الصانع لقيمه ومصيره، ونجد من ينادي بفكر وضعي أو وضعي جديد معلنا أن كل قول غير القول العلمي وهم وزيف وغيرهم كثير. لقد تمكن مفكرونا من فتح مقرات فكرية عندنا للفكر الغربي. تمكنوا من بناء النسخ العربية للفكر الغربي. وهي نسخ باهتة لا روح فيها ولذلك ولدت ميتة ولم تثمر شيئا. رغم أن هذه الأفكار والنظريات صنعت وما زالت مجد الغرب وسلطانه. فإذا ما اعتبرَنا الغرب آخر أو غيرا  بل ومارس سلطانه علينا لنفينا واستبدالنا فإن ما أنجزه الفكر العربي في بداياته أيضا أنه اعتبر عالمه متخلفا ونفى ذاته وتبنى ذات الآخر وحاول جهده من أجل إرسائها وفرضها على واقعها. نحن إذن أمام عقدة المتفوق الذي مارس البطش بعدما أقرّ بالأنوار وأمام عقدة الناقص الذي سلب ذاته ومحاها وحاول استبدالها. لأجل هذا ولدت هذه المشاريع ميتة ولم تتمكن من بناء شيء رغم الإنجازات الفكرية الكبرى التي أنجزتها. لقد أكد هذا الصنف من المفكرين ما أرادته الأفكار الغربية في نظرتها الدونية فكان استعمرنا مضاعفا استعمارا للوطن والأرض واستعمارا للعقل والذات. وبيّن أيضا أن سبب فشل كل هذه المشاريع أن مفكرينا انحرفوا عن صواب المهمة التي كلّفوا أنفسهم بها. وهي بناء الذات والعقلانية والحرية والإبداع. فكل ما فعلوه أنهم استبدلوا نقلا بنقل آخر. استبدلوا النقل من التراث والسلف لأنه مظهر تخلف واستبدلوه بنقل آخر هو نقل الآخر وتبني أفكاره وقيمه وفرضها. وبالتالي وجد العالم العربي والإسلامي نفسه أبعد ما يكون عن العقلانية وعن الحرية وعن الإبداع. لأنه حرم (العالم العربي والاسلامي) حرم من مهمة أولى وأساسية هي أن يفكر بنفسه. وكيف يفكر بنفسه وقد أصبح بوق دعاية للأفكار الوافدة من الآخر. لقد حرمونا حق التفكير بأنفسنا. الذات والآخر هنا هي ذات الغرب التي تأسست وقويت واستقلت وهيمنت وذات العربي أو المسلم التي طمست وغيّبت وتلاشت بل وحُوربت ونُفيت. إنها علاقة إقصاء وهيمنة.        أما النموذج الثاني الذي تعامل مع الواقع الفكري والحضاري الجديد، فهو الذي يمثله من دعا إلى ضرورة ترسيخ الذات العربية أو الإسلامية وعدم الذوبان في الغرب لأن الغرب يمثل الاستعمار وجبروته. ورغم أن هذه النخبة من المفكرين تحمل مشروعا وطنيا وذاتيا فإنها مع ذلك ترى في الغرب نموذجا يمكن التعامل معه على نحو آخر. رأت فيه صاحب العقلانية والحرية والمدنية بل رأت فيه مجسما للروح الإسلامية رغم أنه لا يعتنق الإسلام وذلك لأن القيم الكبرى قيم إنسانية كلية يوافق عليها الإسلام ويباركها لأن الإسلام أتى ليخاطب الكلي في الإنسان. ومن هذه الناحية فالمدنية الغربية مهمة جدا ولكنها ليست بديلا عن الذات العربية وهو ما أدخل هذا المشروع في صعوبات التوفيق والتلفيق خاصة وأن المشاريع الفكرية التي نادوا بها لم تتمكن من الفعل في الواقع كما يجب بل وجدت نفسها أمام تعارضات وتناقضات يصعب حلها فمنهم من يقول بتحديث الإسلام ومنهم من يقول بأسلمة الحداثة وكل يناجي ليلاه. نرى في هذا النموذج تعامل مختلف عن النموذج الأول، تعامل مختلف مع أهم القضايا التي يعاني منها الواقع العربي والإسلامي. ولكن الأهم في هذا هو بداية الوعي بضرورة إنشاء الذات العربية أو الإسلامية بما هي شرط إمكان أي نهضة نروم تحقيقها. هذه الفكرة الأخيرة هي التي ستدخلنا في صراح مباشر مع الغرب. فأن يدعو العرب والمسلمون إلى بناء ذاتهم يعني أن تكون للعربي والمسلم ذات يمكن لها أن تقف بندية أمام ذات الغربي وهي ندية مقبولة بل وضرورية لكل حوار ممكن. ولكن الأمر لم يكن كما نشاء، لأن دعاة الذات سيجدون أنفسهم في صراع عنيف ذي وجهين. صراع داخلي مع الذين يرون في الذات الغربية نموذجا ومشروعا حضاريا وحداثيا لا يمكن التفريط فيه بل ولا يمكن أن يوجد بديل عنه. وصراع خارجي مع الغرب مباشرة الذي يرى في ميلاد الذات العربية والإسلامية منافسا عنيدا يسير في اتجاه مغاير للاتجاه الغربي وبالتالي فهو يمثل خطرا على الحضارة الغربية. ومن هنا بدأ المفكرون الغرب ومن يمثله من العرب في البحث عن أساليب قمع هذا الفعل الفكري والسياسي. والغريب في الأمر أن الدعوة إلى بناء الذات دعوة غربية وأثرها الإيجابي واضح للعيان ولكن العرب والمسلمون لما آمنوا بضرورة بناء ذاتهم وتقديم تصورهم للوجود والعالم والحياة والمصير فإن الغرب نفسه هو الذي يقاومه لأنه سيمثل قوة عنيدة ستجعله يخسر مواقع  على الأرض وتضطره إلى إعادة ترتيب أوراقه من جديد. وبهذه الصورة يجسّم الغرب وأتباعه للمرة الثانية عملية إقصاء الآخر وعدم الاعتراف به وأعني بالآخر هنا العربي والمسلم . ونتيجة لهذا أيضا بدأ العديد من العرب والمسلمين في الدخول في اللعبة نفسها واعتبر الغرب عدوا نادى بمحاربته والنيل منه. أي إن الآخر عدو أيضا وأعني بالآخر هنا الغرب. تلك هي الحالة التي نحن عليها. يمكن تلخيصها على النحو التالي: الصراع والإقصاء هو عنوان علاقة الذات بالآخر. سواء تعلق الأمر بموقف الغرب وأنواره من العرب والمسلمين. أو تعلق الأمر بموقف العرب المسلمين من الغرب. والسبب في ذلك يعود إلى إشكال السلطة الذي يوجه كل فكر وكل ثقافة. وإشكال السلطة هنا يظهر في الرغبة في التحرر الحقيقي فكريا والذي يتجسم في شعار أن نفكر بأن أنفسنا. وواقعيا والذي يتجسم في شعار الحرية والديمقراطية. فأن يتحرر العرب المسلمون فكريا وواقعيا وأن يستقلوا حقيقة ولبس وهما أمر لا يمكن قبولها في الواقع الفكري والسياسي الغربي كما لا يمكن قبوله لدى من تبنى الذات الغربية نموذجا. ومهما كان الأمر نحن اليوم أمام إشكال أعمق وأخطر صنعه الغرب أيضا وهو إشكال العولمة. وهو إشكال لأنه يمثل حالة هروب إلى الأمام التجأ إليها الغرب لبسط سلطانه أكثر على كل الذاتيات التي تريد أن تقدم لنفسها رؤى مغايرة، وترى أن لها حق الوجود. وختاما نرى أن الذات والآخر وإن كانت العلاقة بينهما تنشد الحوار فإن الواقع يبرر الصراع. ولذا أرى من الضروري متابعة قصة الحوار والصراع بين الذات والآخر في مستويات متعدد وسجلات مختلفة. يمكن لآتي الأيام أن يظهرها.

 

     

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق