]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الكاتبُ لا يسكتُ عنه الغضبُ

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2016-01-04 ، الوقت: 14:38:22
  • تقييم المقالة:
 

ينْقمُ مني البعضُ أني لستُ راضياً عن أيِّ شيءٍ، ولا مطمئناً لكذا وضعٍ، وأني أهاجمُ كثيراً من الأشخاص، والطوائف، والأفكار، والتصرفات، والمناسبات، وأنني لا يعجبني العجبُ ولا الصوم في شعبان أو رجب. وأعترف أني لا أصوم رجب أو شعبان، لكني أصوم رمضان، فرمضان هو شهر الصيام الذي فرضه الله على عباده المؤمنين، ولم يفرض رجب أو شعبان إلاَّ تطوُّعاً.

لكن هؤلاء الذين ينقمون عليَّ يسكتون عن الذين لا يصومون رمضان، ويُهاجمون الذين لا يصومون رجب أو شعبان، فقد انقلبت عندهم الموازين، وصار الفرْعُ في محلِّ الأصل، والواجب في مقام المَندوب.

وصار الذي لا يرضى عن واقعه، ويكتب عنه بسخط وتذمر شيطاناً رجيماً، وحاقداً ملعوناً.

فهم يريدون أن نضع غشاوةً على عيوننا، ووقْراً في آذاننا، ونتخيل أن العالم جميل مرسوم بألوان جميلةٍ، وأن الحياة مزدهرة عندنا تطير فيها الفراشات الجميلة، وتغرد فيها الطيور الجميلة.

وأنا لا أرى من حولي فراشات ولا طيوراً، بل أرى ديناصورات وخنازير وقردة، ووحوشا متوحشة تفترس الأخضر واليابس، والفقراء، والضعفاء، وتفتك بالأبرياء والمساكين.

إنَّ مهنة الكاتب ـ كما قال الروائي الخبيرُ "حنا مينة" ـ مهنةٌ حزينةٌ، وليست مهنة سعيدة، لا فرح فيها، ولا طبول ومزامير، وأعياد الميلاد والشكر والصفح.

فمن أين يجدُ الكاتبُ الفرح كي يكتب عنه، وإنْ وجده كيف سيكتب عنه؟

أظنَّ أنه لن يستطيع، وإذا حاولَ سيبدو طفلاً غريراً، أو بهلوانا في سيرك لا يُضْحك إلا الأطفال.

الكاتب لا يضربُ صفْحاً عن واقعه البائس، ولا يغضُّ طرْفَهُ عنِ المساوئ، ولا يزيِّنُ القُبْحَ والسلبيات، بل هو يتألم لها، ويغتاظُ، ويضربُها هي، وينفجر فيها انفجاراً أدبيّاً طبعاً. وفي تاريخ الآداب سواء العربية أو الأجنبية لا يوجد كاتبٌ راضٍ، أو متوافقٌ مع عصره وأبناء عصره، إلا "شن" الذي وافق "طبقة"، وتزوجا وعاشا في ثبات ونبات، لكن قبل أن يحدث ذلك اصطدمَ مع أبيها، واعتبره هذا الأخيرُ غبيّاً أو معتوهاً.

وهكذا الكاتب في سمْتِه وطبيعته قلَّ ما يوافقُ ما هو سائدٌ،  بل هو يحملُ عليه بقلمه حملات قاسيةً، فيعتبره السطحيون، والنائمون، والمستنيمون، غبياً، أو حقوداً، أو شريراً.

إن الكاتب ليس نعجةً في القطيع، وليس بوقاً في الجوقة، وليس مطرباً في الحيِّ، وليس عبداً يرْضى بوضعه القائم، ويسكتُ عن الخزي والظلم والهوان.

إنَّ الكاتب مخلوق متمرد، ثائر، ناقم، ساخط، غاضب، لا يعجبه العجب، ولا الصوم في رجب.

ولا ينْعَتُه بالحقد والشر إلا من يرضى أن يعيش في الحظيرة أو بين الحُفر.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق