]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المتنبئ و"علا الفارس"..ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر(1)

بواسطة: انور عبد المتعال  |  بتاريخ: 2015-12-29 ، الوقت: 12:38:40
  • تقييم المقالة:

جاء في الأخبار المتواترة في المواقع والمنتديات المختلفة على الشبكة العنكبوتية أن سودانياً يُدعى "أبو الطيب عثمان" أبدى رغبته في الإرتباط بالإعلامية الأردنية "علا الفارس"، على أن يقدم لها مهراً عبارة عن 100 ناقة في حال وافقت على طلبه في الزواج منها.

وتفاصيل الخبر كالآتي: عرض وافد سوداني مقيم بالسعودية يدعى "أبو الطيب عثمان"، عرض 100 ناقة رشايدي مهراً للإعلامية "عُلا الفارس"وأكد رغبته في تقديمها للإعلامية الشابة.وأوضح أبو الطيب أنه قدم إلى السعودية منذ عشر سنوات ليعمل في مجال النقليات، تاركاً خلفه بضعاً من الإبل بغرض تربيتها والاستثمار فيها، بعد أن أوكل المهمة في السودان إلى أبناء عمومته، إلا أن رغبته في الارتباط بالإعلامية علا الفارس، دفعته إلى تقديم استقالته من الشركة التي يعمل بها، وجمع كل ما يملكه من المال داخل المملكة والرحيل نهائيًا، ليكمل جمع الـ 100 ناقة رشايدي وتقديمها مهراً للعروس، في حال وافقت على طلبه.وتقول عُلا الفارس أنها تفاجأت بالخبر، وقالت إن الزواج قسمة ونصيب، وأنها تفتخر وتعتز بمحبة الشعب السوداني التي لمستها بشكل كبير في أكثر من موقف.. وقالت إنها في الزواج ستسمع نصيحة جدتها : (من طينة بلادك لطّ على خدادك).

 عندما قرأت الخبر، دُهشتُ أيّما دهشة.. كما دُهشت بطلة القصة نفسها، عُلا الفارس. عندما هدأت دهشتي قليلاً، حاولت أن أبحث عن تعليق أو ردّ مناسب على طلب أبي الطيب في الارتباط بالإعلامية الحسناء، فلم أجد وصفاً دقيقاً معبراً، يصف طلب أبي الطيب بصورة دقيقة وملائمة، غير بيت الشاعر أبي فراس الحمداني.. لم أجد وصفاً أجمل ولا أروع ولا أكثر ملائمة منه، الذي يقول فيه:

تهونُ علينا في المعالي نفوسُنا.. ومن يخطب الحسناء لم يغْلُه المهرُ.

وأسباب دهشتي، وربما كانت نفس أسباب دهشة بطلة القصة، وربما شاركنا الكثير من متابعي الخبر أسباب الدهشة، هي: عدم ارتباط (أبي الطيب) ب (عُلا) بأي علاقة.. لا صلة قرابة ولا زمالة عمل. ثانياً اختلاف مجال العمل، فهذا يعمل في مجال النقليات، وتلك تعمل إعلامية، وربما كان هناك أيضاً تباين في المستوى العلمي والأكاديمي. ثالثاً المهر الذي قدمه – كمّاً وكيفاً – مثير للدهشة!! فعدد النوق التي قدمها مهراً هو في الواقع كثير، لا أقول أنها لا تستحقه، لكنه كثير على شخص يعمل في مجال النقل.. بالإضافة إلى أن طريقة تقديم المهر هي طريقة تقليدية قديمة، كانت سائدة قبل مئات السنين، لكنها اندثرت الآن، في زمن الشيكات و"الفيزا" و"الماستر كارد"

وبما أن الشيء بالشيء يذكر، وما دمنا قد مررنا برائعة أبي فراس الحمداني، فلا يمكن أن نمرّ عليها مرور الكرام.. فهي قصيدة جديرة بالتأمل بكل المقاييس.. ما دمنا قد مررنا بحديقة وروضة أبي فراس فلا بد أن نرتع فيها قليلاً.. نقطف من ثمارها وننهل من كوثرها. هذه القصيدة في تقديري - من فرط روعتها ورصانتها وبلاغتها – تستحق أن تضاف إلى المعلقات السبع بكل جدارة، لتصبح ثماني معلقات.. فاسمحوا لي أن أقطف لكم بعضاً من ثمارها..

يقول أبو فراس الحمداني في رائعته تلك:

أراك عصي الدمع شيمتك الصبرُ..أما للهوى نهي عليك ولا أمرُ؟

نعم أنا مشتاق، وعندي لوعة..ولكن مثلي لا يذاعُ له سرُّ

إذا الليل أضواني بذلت يد الهوى.. وأذللت دمعاً من خلائقه الكبرُ

تكاد تضيء النار بين جوانحي.. إذا هي أذكتها الصبابَةُ والفكرُ

معللتي بالوصل والموت دونه.. اذا مِتُّ ظمآناً فلا نزل القطرُ

وهنا يُبدي أبو فراس أنانية واضحة لا يخفيها.. يقول إذا لم أنل وصلاً، فلا نال أحدٌ وصلاً بعد ذلك.. وهو يخالف هنا الشاعر أبا العلاء المعري، الذي أبدى غيرية رائعة وإيثاراً جميلاً عندما قال:

ولو أني حُبيتُ الخـلدَ فـرداً.. لما أحببت بالخلدِ انفــرادَا

فلا هطلت عليّ ولا بـأرضي.. سـحائبُ ليس تنتظمُ البـلادَا

ونواصل سرد بقية الأبيات الممتعة الرائعة للحمداني.. يقول أبو فراس في رائعته:

وقال أصيحابي الفرار أو الردى.. فقلت هما أمران أحلاهما مرُّ

سيذكرني قومي إذا جد جدهم.. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدرُ

ونحن أناس لا توسط بيننا..لنا الصدر دون العالمين أو القبرُ

أعزّ بني الدنيا وأُعلي ذوي العلا.. وأكرم من فوق التراب ولا فخرُ

ويبدو أن أبا الطيب السوداني الذي حمل كُنية المتنبئ "أبو الطيب"، يحمل أيضاً ذات الجينات العاطفية الرومانسية التي كان يحملها المتنبئ، وإن كان لا يستطيع أن يعبر عنها كما عبر عنها المتنبئ بشعره.. لكنه عبّر عنها بسلوكه ومبادرته. أما عاطفية أبي الطيب المتنبئ فقد تجلت في الوجه الآخر من شعره الشائع المألوف الذي اشتهر به، ألا وهو شعر الحكمة والفخر. والوجه الآخر للشعر الذي أجاده المتنبئ أيضاً بامتياز هو شعر الغزل والعاطفة.. قد نتطرق له في سانحة أخرى.. لأن المقام هنا ليس بمقام مقال المتنبئ. في الجزء الثاني من هذا الموضوع سنقوم بتحليل الشخصية الايجابية لأبي الطيب السوداني.. سنتحدث عن رهافة إحساسه..عن شجاعته.. عن جرأته.. عن طموحة. كذلك سنحلل الشخصية الإيجابية التي تتمتع بها الإعلامية عُلا الفارس. سنتحدث عن أدبها الجمّ.. عن لباقتها.. وعن ذكائها.   

ثمة قصة مماثلة لقصة أبي الطيب السوداني.. مماثلة لها في غُلو المهر.. ومماثلة لها كذلك في جيشان العاطفة ورهافة الحس.. ومماثلة لها أيضاً في الإخفاق وخيبة الأمل.. سأسردها لكم في الحلقة الثانية من هذا الموضوع بإذن الله.. فابقوا معنا.

الكاتب الصحفي / انور عبد المتعال سر الختم

  • طيف امرأه | 2015-12-29
    قرأت المقالة وشدتني جدا حتى أخر حرف
    للحقيقة لم أقرأ الخبر هذا ولم اسمع به رغم وجودي في الاردن لكن 
    أطربني الكلام ووجدت به حلاوة وطلاوة ..لكن كما القصص الخيالية التي تنتهي بالمأساة 
    وجدتني أحط على أرضية راسخة بالقساوة 
    بكل حال عجبني جدا رد المذيعة الإعلامية وأحييها لأدبها الجم 
    وكذلك أحيي صاحب الخلق الرفيع المتنبئ أبو الطيب السوداني 
    لأهل السودان رقة وطيبة ..وألفة .. يعرفون بها 
    وفي نهاية المطاف أتمنى له السعادة وأن ينال ما يتمناه ولن أعلق على المهر ..أو تلك الطريقة التي قدم بها نفسه 
    يكفينا أننا سنرى مقالا آخر بالتأكيد سيجذبنا إليه الكاتب كما قدم لنا هذا النص بسلاسة وثقافة ووعي تام وبحيادية 
    شكرا لك ..وننتظر كل ما تكتبه استاذنا الفاضل ... 

    • انور عبد المتعال | 2015-12-30
      شكرا "طيف امرأة" على إشادتك بالمقال.. وبنا نحن السودانيين. بدوري أشيد ب/ وأثمن أسلوبك السلس ومفرداتك الجزلة.. أتمنى أن يكون مقالي القادم جيد المحتوى..وعند حسن ظن القراء..لك الشكر مجددا.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق