]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عرش الفصول

بواسطة: Ahmed Hassan Bakir  |  بتاريخ: 2015-12-28 ، الوقت: 08:18:19
  • تقييم المقالة:

في بلادنا ومع مطلع كل عام جديد يستوي الشتاء على عَرش الفصول  بعد ان يفرض سطوته بقوة الزمهرير وبطش السيل الغزير .. ويستبد الشتاء بسلطان سقيعه فيفرض علينا  نظام حياة ويل لمن يخرج عليه .. فنحن في الشتاء مضطرون لارتداء ثقيل الثياب وأكل ساخن الطعام وربما فرض علينا حظر التجوال خينا من الوقت ..وأمرُ الشتاء نافذ لا مفر منه ومن يزِغْ عنه تُسقِطه نزلات البرد طريح الفراش  .. بَيْدَ أنَّ الشتاء  يحلو استبداده اذا ما استناربشمس الصباح فتركها تشرق دون غَيْمة او دَيْمة تحجب أشعتها .. تلك الأشعة التي ما إن تلامس أجسادنا حتى تفك عنها أسر قيود السقيع فتحررها من أغلال الخمول وتتدفق فيها دماء الحرية .. في تلك الأوقات يبدو نظام الشتاء مستبدا مستنيرا يسمح لشمس الصباح أن تعارض سقيعه بلهيبها معارضة بناءه تُنَشِّطُ حركة الحياة تحت ظله دون أن تخرج عليه او تسحب البساط من تحت قدميه فيحدث توازن عجيب تنمو معه حركة الحياة وتزدهر.. إلا أن تلك الشمس قد تجمح في معارضتها أحيانا فيدب الخلاف بينها وبين الشتاء فيسدل عليها ستارا من السُحُب الثقال ليكبح جماح لهيبها .. كأنه أوجس منها خيفة أن تهز عرشه او أن تنزع سلطانه .. ويشتد الصراع بين الشتاء والشمس حتى تضَعَ السُحُب أوزارها من الأمطار .. فيضطر الطرفان إلى الوفاق مرةً أخرى لتستمر الحياة وتنمو وتزدهر في ظل توافقهما ويتكرر ذلك الصراع بينهما على نحوً متقطع طيلة الشتاء منتهيا في كل مرة بتوافق لا محيد عنه.. ثم تسري سنة الله على الشتاء فيمسه الكِبَر والضعف فيبدو في أمشير صائحا هائجا دون اي داع فيهتز نظامه وتتساقط هيبته .. ويثور الربيع عليه برياحه المتربه فيحاول الشتاء قمعه حينا فينجح تارة ويخفق أخرى حتى اذا ماتمكن الربيع من حشد رياحه الخماسينيه وتواطأت معه الشمس  فقد الشتاء السيطرة عليهما وعمت حالة من الفوضى والارتباك في المشهد  فتتغير الأاجواء من النقيض الى النقيض من ساعة لأخرى وكأننا نرى فصول العام كلها في يوم واحد.. فيقتحم الصيف ذلك المشهد الفوضوي تاركا للشمس الحبل على الغارب مدعيا أنه موسم ديمقراطي يترك لكل منا حرية الاختيار في مطعمه وملبسه فلا نظام ولا قيود فيستقبله بعض الناس إستقبال الفاتحين  .. لكن الشمس سرعان ما تستغل حريتها أسوأ استغلال فتكشف عن وجهها الحقيقي لنا فبعد أن كانت أشعتها في الشتاء محررةً لنا من قيد السقيع  إذ بها تتحول إلى سياطٍ تجلدنا على رؤسنا وظهورنا في الصيف .. وتفرض علينا لهيبها مستبدا غير مستنير فنفر منه مااستطعنا إلى ظلال الأشجار وشواطيء البحار  مترحمين على الشتاء الذي كان يكبح جماح ذلك اللهيب بسقيعه وغيومه فندرك تلك الحكمة الشتويه بعد ما رأينا الفوضى الصيفيه.. وينفلت زمام الأمور من يد الصيف فتفسد الأطعمه وتزاحم أنفاسنا رطوبته الحارة ونفقد السيطرة على أعصابنا ونمل من التكيف الصناعي .. ونشتاق مرةً أخرى إلى حُكم شتاءٍ رشيد فيبدأ الصيف منسحبا من المشهد بعد أن فشل في كبح جماح شمسه المنفلته ويتسلل شتاء جديد خلف الخريف الذي  يحل ضيفا كريما على عرش الفصول وحاكما انتقاليا لا يرغب في سلطة ولا يطمع في بقاء ولا همَّ له إلا تلطيف الأجواء فترةَ بقاءه المرحلي ..وسرعان ما يخطو الشتاءُ الجديد  خُطاً حثيثةً ليتسلم العرش من ذلك الحاكم الانتقالي  ..  ثم يبسط الشتاء الجديد سيطرته كما بسطها شتاء سابق أو أشد بسطاً ليستوي على عرشه الجديد فينعم الناس به حينا ويئنون تحت وطأته حينا آخرباحثين كل صباح عن الشمس لتحرر اجسادهم من قيود السقيع الذي حاصرهم طيلة الليل ..وهكذا تدور دورة عرش الفصول في بلادنا فسبحان من ملكه لا يزول وعرشه غير قابل للحلول .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق