]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لحوم العلماء ليست مسمومة… ولحومنا ليست كباب !!!!!

بواسطة: مهند نجم البدري  |  بتاريخ: 2015-12-25 ، الوقت: 15:03:42
  • تقييم المقالة:

مرَّ صحابيان على الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه زوجته، فأسرعا، فاستوقفهما النبى وقال لهما: على رِسْلِكما، هذه زوجتى صفية، قالوا: أفيك نشكّ يا رسول الله؟ قال: لئلا يدخل الشيطان عليكما.. فهذا رسول الله أراد ببساطة أن يزيل الشك من قلوب الصحابة رغم أنه رسول الله الذى كان قرآنا يمشى على الأرض، أراد أن يستأصل النبتة الخبيثة التى من الممكن أن تنمو فى قلوب أصحابه. لو حدث هذا الآن لشيخ من الشيوخ، وأردت الاستفسار لصرخ فيك صاحبك: احذر.. لحوم العلماء مسمومة، كأن مجرد إطلاق لقب «شيخ» على أحد هو بمنزلة العصمة التى تمنعه من سهام الظن وإرهاق المناقشة والجدل، هذا إذا تغاضينا أصلًا عن الفرق الشاسع بين العالِم، وبين كل من يُطلق عليه لقب «شيخ».وهذا ماحدث ويحدث معي ومع كل صاحب عقل كلما اراد نقد تصرفات شخصيه او مواقف خاطئه تبين انهم يميلون لمن يحكم اويدفع (وعاظ السلاطين ) من يسمون انفسهم علماء او يطلق عنهم مريدوهم واتباعهن بالشيوخ .علـّۓ-;- مختلف انتمائاتهم المذهبيه وطرقهم واحزابهم.  إذن.. فالمشكلة الأولى فى جملة «لحوم العلماء مسمومة» -التى هى قول مأثور وليست قرآنا أو حديثا قدسيا أو نبويا- ظنّ البعض أنه بموجبها يصبح العلماء فوق النقد وفوق المناقشة وفوق سوء الظن المترتب عادة على أفعال باطلة منهم واضحة وضوح الشمس، أما المشكلة الثانية فهى قصر السمّ على لحوم العلماء، كأن لحومهم مسمومة ولحوم غيرهم كباب وكفتة، بالهنا والشفا. شيوخ الاستعباد دلالاتها السلبية إلى بنياننا الفكري حتى أصبحت مُوجِّهة لمواقفنا في كثير من الأمور المصيرية. من تلك “الأساطير المؤسسة” عبارة يكاد يجمع رواتها أن أول من فاه بها ابنُ عساكر رحمه الله. فقد حذر في كتابه “تبيين كذب المفتري” قائلا: ” إن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في منتقصهم معلومة”. وقد صدق الشيخ، لكنهم ليسوا وحدهم في ذلك. أصبحت هذه العبارة سيفا مصلتاً على أي منتقد لمن قطع شوطا متقدما في تعلم العلوم الشرعية إلى أن اشتهر بها وبوصفه “عالما” بغض النظر عن مدى اتساق علمه وعمله، ومدى تصالحِ علمه الذي بين جنبيْه وسلوكه المتعلق بحياة الناس. فأصبح الإنسان المسلم إذا رأى لصاً في مسلاخ عالم، يُسوّغ الفظائع من نهب لأموال المسلمين وهتكٍ لأعارضهم وهدرٍ لكرامتهم، لا يستطيع نقده لقدسيته. وإنْ نقده سلقه أولُ من يلقاه بلسان حديد قائلا: دعك من الرجل يا أخي فلحوم العلماء مسمومة! ذاك “منطق” مدخول ورأيٌ فائلٌ خطر. فالنصوص الشرعية طافحة بنصوص تشير إلى أن العلماء غير العاملين هم أول من تسعر بهم جهنم لتضاعف درجة مسؤوليتهم أمام الله تعالى. فكيف يستقيم أن يكون أول من تسعر به جهنم يمتلك شيكا أخلاقيا أبيض يمنع نقدَه بشكل نهائي. فإذا كان مجرد حفظ معلومات شرعية دون اتصاف برسالتها أو دفع لضريبتها يكفي ليصبح لحم المرء مسموما فأنا دالّكم على شيخ يحظر نقده حظرا باتا: الشيخ غوغل؛ إذ لا أعلم على ظهرها أكثر محفوظات منه في العلوم الشرعية.  نعم، إن لحوم العلماء مسمومة لكنها لا تختلف عن لحوم البقالين والحمالين من المسلمين. فلحم أي مسلم وعرضه مسمومان. فإذا اغتبتَه غيبة متعلقة بشخصه فقد أكلت لحم أخيك، سواء كان عالما أو بقالا أو سائق حالفة ركاب، أو بائعا متجولا. فوظيفة المسلم لا دخَل لها في حرمة عرضه. أما إذا كان المسلم يعمل “شيخا” يفتي في أموال الناس وأعراضهم -أي في شؤونهم السياسية- فإن الحديث عن مواقفه ووزنها بميزان الشرع والولوغِ في نقد مواقفه إن لم يكن واجبا فسنة حسنة على الأقل، ولا علاقة لها بلحمه المسموم بدرجة تسمم لحوم البقالين والحمالين من المسلمين كما أسلفت. كيف يستقيم أن يتحول المسلمون إلى طبقتيْن: طبقةٍ كهنوتية تفعل ما تشاء ولا يجوز نقدها ألبتة، وطبقةٍ أخرى تُنشر بمناشير النقد دون حرج ألبتة.ينبغي التمييز، إذن، ما بين حرمة لحوم المسلمين والبشر عموما، إذ لا تجوز الغيبة ولا النميمة ولا القذف بحق أي أحد.لكن لا حرج من التعرض بالنقد الحرِجِ لأي شخصية تتصدر المشهد العامّ وتجيز وتبيح وتشرع مُحرمةً ومُحللةً. فنقد مواقف هذه الشخصيات –سواء كانوا “علماء” شرعيين أو خبراء فنيين أو مديرين تنفيذيين واجب كفائي، ولحومهم – أعني مواقفهم- عسلٌ مصفى، لا سمٌ زعاف.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق