]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هكذا يختلف الكبار

بواسطة: جهلان إسماعيل  |  بتاريخ: 2015-12-23 ، الوقت: 17:40:45
  • تقييم المقالة:

بقلم/ جهلان إسماعيل

الاختلاف سنة من سنن الله في خلقه ، ولن يزال الناس مختلفين حتى يرث الله الأرض و من عليها {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } (118) سورة هود، ولكن الناس يتفاوتون في كيفية إدارة الاختلافات بينهم ، فمنهم من يجعل الاختلاف بينه وبين الآخر نوعا من العداوة ومسوغا للتنقص ممن يخالفونه وإلصاق كل شائبة بهم ، ويستبيح لنفسه الكذب وتلفيق الأخبار الكاذبة ضد من يخالفه ، ولا يترك سبيلا ولا وسيلة ولا فرصة إلا واستغلها للغمز واللمز، وهناك من يختلفون فلا يزيدهم الإختلاف إلا رفعةً  وعظمة،بل ويبرز الاختلاف جوانب ما كانت لتبرز للناس لولا اختلافهم ، فيضربون المثل والقدوة في أصول التعامل بين الناس عند تباين وجهات النظر.

ولنبدأ بجيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين:

عن محمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو قال : جاء الاقرع بن حابس وعيينة بن حصن إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقال يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة فإن رأيت أن تقطعناها فأجابهما وكتب لهما وأشهد القوم وعمر ليس فيهم فانطلقا إلى عمر ليشهداه فيه فتناول الكتاب وتفل فيه ومحاه فتذمرا له وقالا له مقالة سيئة فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما والاسلام يومئذ قليل إن الله قد أعز الاسلام اذهبا فاجهدا علي جهدكما لا رعى الله عليكما إن رعيتما فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمران فقالا ما ندري والله أنت الخليفة أو عمر فقال لا بل هو لو كان شاء فجاء عمر وهو مغضب حتى وقف على أبي بكر فقال : أخبرني عن هذا الذي أقطعتهما أرض هي لك خاصة أو للمسلمين عامة ؟؟ قال : بل للمسلمين عامة . قال : فما حملك على أن تخص بها هذين ؟؟ . قال : استشرت الذين حولي فأشاروا علي بذلك ، وقد قلت لك إنك أقوى على هذا مني فغلبتني .انتهى

لقد خالف عمر رضي الله عنه أمر الخليفة أبي بكر و رفض أن يشهد على ما فيه ، ومحى أمر الخليفة بتفلة، لأنه كان يرى أن الإسلام أصبح عزيزا ولم يعد في حاجة لأن يتألف هؤلاء الأعراب ، وعندما وصل الأمر إلى الخليفة أبي بكر رضي الله عنه لم ينزعج أبدا لمخالفة عمر رغم قسوة العبارة التي سمعها من هذين الأعرابيين " ما ندري والله أنت الخليفة أو عمر" ولما علم حجة عمر رضي الله عنه أقره على ما رأى ولم يلمه ولم يوبخه على ما فعل وقال بكل تواضع : " وقد قلت لك إنك أقوى على هذا مني فغلبتني"

اختلف ابن عباس رضي الله عنهما مع زيد بن ثابت في مسألة من مسائل المواريث فكان يرى أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات في المواريث كالأب، وكان زيد بن ثابت يرى توريث الإخوة مع الجد ولا يحجبهم به، فقال ابن عباس يوماً: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً!: وقال: لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفونني في الفريضة نجتمع، فنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.
لقد كان ابن عباس رضي الله عنه شديد الثقة بصحة اجتهاده وخطأ اجتهاد زيد كما يبدو من كلامه ولكنه لما رأى زيد بن ثابت يوماً يركب دابته فأخذ بركابه يقود به، فقال زيد: تَنَحَّ يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا. فقال زيد: أرني يدك. فأخرج ابن عباس يده، فقبلها زيد وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. وحين توفي زيد قال ابن عباس: "وفي رواية "هكذا ذهاب العلم، لقد دفن اليوم علم كثير"

واختلف علي رضي الله عنه مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنهما ، وكان لكل منهما اجتهاد مخالف للآخر ورفض معاوية ومعه أهل الشام أن يبايع عليا رضي الله عنه ووقع بينهما قتال في عدة مواضع ، ومع ذلك لم يمنع هذا الخلاف اعتراف المفضول منهما بمنزلة الفاضل ولم يذهب بالحب بينهما .

دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية، فقال له: صف لي علياً، فقال: أو لا تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال: أما إذ لا بد، فإنه والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة (الدمعة)، طويل الفكرة، يقلب كفيه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب (ما غلظ وخشن من الطعام) كان ـ والله ـ كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا، وقربه منا، لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ـ وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه ـ يميل في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ (يضطرب ويتقلب) تململ السليم (الملسوع) ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا، يتضرع إليه، يقول للدنيا: ألي تعرضتِ؟ ألي تشوفتِ؟ (اطلعت) هيهات، هيهات، غرِّي غيري، قد بتتُّك ثلاثاً (طلقتك طلاقاً باتاً) فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك يسير، آه آه، من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. . .

فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال معاوية:

كذا كان أبو الحسن رحمه الله، كيف وَجْدُكَ (حزنك) عليه يا ضرار؟ قال : وَجْدُ من ذُبحَ واحدها في حِجرها، لا ترقأ (تسكن وتنقطع) دمعتها، ولا يسكن حزنها. ثم قام فخرج.

لقد اعترف معاوية رضي الله عنه بما لعلي من فضل وسابقة ولم يعترض على كلمة واحدة مما قاله ضرار في الرجل الذي كان يحاربه ، بل ووصل به الأمر أنه بكى حزنا على أبي الحسن رضي الله حتى ابتلت لحيته من الدموع. ما أروعها من نفوس وما أرقها من قلوب.

وقد اختلف علماء الأمة من أصحاب المذاهب ومن غيرهم من أهل العلم ، فما سمعنا أن أحدا منهم انتقص من قدر الآخر ولا كذب عليه أو افترى عليه بل كانوا كبارا في اتفاقهم وكانوا كبارا في اختلافهم .كان الواحد منهم لا يفتأ يذكر مناقب أخيه وما تميز به أمام الناس ويدعو له في سره وعلانيته.

روى عن الإمام أحمد أنه قال :ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي ، وقال ابنه : يا أبتِ أيُّ رجلٍ كان الشافعي حتى تدعو له كل هذا الدعاء ؟

قال : يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا والعافية للناس ، فانظر يا بني هل من هذين خلف؟ هكذا كان العلماء الصالحون كالشمس للدنيا والعافية للناس وليس منهما خلف ... فإن الله يدفع بهم البلاء ويُنزل الرخاء ، وتعمّ البركة وتُنشر الرحمة .

ومن قصص الاختلاف التي نتعلم منها الكثير من الدروس اختلاف الشيخ أحمد حسن الباقوري مع جماعة الإخوان التي كان عضوا بارزا فيها، فقد اقتنع بأنه عن طريق توليه منصب وزير الأوقاف يستطيع أن يخدم الدعوة والإسلام أكثر من تواجده في تنظيم الإخوان وكان الذي رشحه للوزارة مجلس قيادة الثورى فقبل المنصب وخالف الباقوري رغبة الإخوان، فقدم استقالته من الجماعة.

وقد سأل أحد الصحفيين الشيخ الباقوري عن أسباب استقالته من الإخوان، فقال: (هي أسباب أحب أن أوثر بها نفسي، وليس من بينها سبب واحد يمس احترامي لإخواني، واعتزازي بهم، فكل واحد منهم صغيرا كان أو كبيرا في أعمق مكان من قلبي).

وقد كانت للباقوري إنجازات قوية في وزارة الأوقاف، وكان له دور مع شباب الإخوان الذين عارض الأمن تعيينهم، وكان من هؤلاء عشرة من خريجي الأزهر المعينين على وظيفة إمام وخطيب، ورفض الأمن تعيينهم لانتمائهم لجماعة الإخوان، وإذ بالباقوري يفاجئ الجميع بتعيينهم على مسئوليته الشخصية، وكان من بين هؤلاء العشرة: يوسف القرضاوي، وأحمد العسال.وقام الباقوري كذلك بخدمات لعدد من الإخوان المسلمين، ورفع الظلم عن بعضهم، كما يشهد بذلك مؤرخو الإخوان أنفسهم.

لقد خرج الشيخ الباقوري من جماعة الإخوان لاختلافه مع قياداتها حول وسائل التغيير والإصلاح ولكنه ظل وفيا للمنهج ، ولم يتواني يوما عن تقديم ما يستطيع تقديمه من دعم ومناصرة رغم المخاطرة الشديدة في ذلك ، ولم يخرج رحمه الله على شاشات التلفاز أو عبر موجات الأثير أو على صفحات الصحف يهاجم الكيان الذي تربى فيه أو يسفه أحدا من إخوانه الذين عاش زمنا بينهم ، لقد كان رحمه الله وفيا لدعوته وإخوانه حال الإتفاق وحال الاختلاف.

واختلف الشيخ صلاح أبو اسماعيل مع الإخوان عندما حصل التصادم بينهم وبين ضباط الثورة ، وزج بهم في المعتقلات وصب عليهم العذاب صبا ، ولما حدثت فتنة التأييد ، أرسل الشيخ رسالة من داخل المعتقل، كتب في مقدمتها: من المعتقل صلاح أبو إسماعيل إلى السيد الرئيس جمال عبد الناصر.

 ولما خرج من السجن بعد إرساله هذه الرسالة ، بدأ ينخرط في العمل الدعوي وكانت له أنشطة عديدة  ، فأخذ شباب الإخوان يتسائلون عن موقع الشيخ في التنظيم   فرد بلباقته المعهودة :

"لو أخرجني الإخوان من الباب لدخلت إليهم من الشباك."

وقد استفادت جماعة الإخوان بجهد صلاح أبو إسماعيل السياسي، مما جعل شابا من شبابها ينجح معه على نفس قائمته، وهو الدكتور عصام العريان، ليصبح بذلك أصغر عضو في مجلس الشعب وقتها.

رحم الله الشيخ صلاح أبو إسماعيل ، فرغم فصله من الجماعة إلا أنه ظل وفيا مخلصا للدعوة ، وظل مجاهدا بالقول والعمل حتى لقي ربه ولم يؤثر عنه ما يشين لا قولا ولا فعلا.

ومن الشهرة بمكان قصة اختلاف الشيخين الغزالي وسابق مع الجماعة وبالأخص مع مرشدها الثاني المستشار حسن الهضيبي رحمه الله، وقد وصل بهم الأمر أن احتلا المركز العامل لإخوان المسلمين، وقادا ثورة على مرشد الجماعة وفُصلا على إثر ذلك من الجماعة.

وبعد فصل الغزالي من الإخوان، لم يتنكر الرجل للجماعة التي نشأ فيها -ونفس الكلام يقال عن السيد سابق- أو ينقلب عدوا مبغضا لها ولأفرادها، رغم ما كتبه الغزالي في نقد الهضيبي مرشد الإخوان في كتابه (من معالم الحق) وبخاصة في طبعاته الأولى، يقول الغزالي عن موقفه من الإخوان بعد فصله، وقد ألقوا في غياهب المعتقلات والسجون، وقد تبوأ مكانا ومكانة في وزارة الأوقاف.

ولما جاءت أحداث اعتقالات 1965م، طلب عبد الناصر من المشايخ التحدث في الإذاعة المصرية عن الإخوان ووصفهم بالإرهاب وإلصاق كل نقيصة بهم ، فرفض الشيخ محمد الغزالي وقال قولته الخالدة :

" أنا على استعداد للحديث عن الإسلام، وضرورة إحياء ما مات من أحكامه، ومستعد لإرشاد المخطئين، حكاما كانوا أو محكومين، لإصلاح ما يكون قد بدر منهم من خطأ، أمّا شتم الإخوان وحدهم، فليس من خلقي أن أجهز على جريح!."

فقيل له: إنهم فصلوك من جماعتهم، فلماذا تُبقي عليهم؟ قال:

"إذا استضعفوني أيام قوتهم، فلن أستضعفهم أيام حريتي! وما هي إلا ساعات حتى كانت القيود في يدي!)

ونفس المواقف للسيد سابق، فقد كان معه في الأوقاف.

 

لقد أثبت هؤلاء النفر أنهم كانوا كبار النفوس ، فلم تحملهم الخصومة مع غيرهم على التسافل والفجور وضربوا  أروع الأمثلة في التجرد والتسامي على حظوظ النفس ورغبتها في الانتصار للذات  ، واستمروا على وفائهم لمنهج الدعوة رغم اختلافهم مع الأشخاص ، بل وحفظوا الجميل لهؤلاء الأشخاص وكانوا لهم معينين وناصرين في أوقات المحن.

الختام...

 أولا : إن الشقاق والخلاف من أخطر أسلحة الشيطان الفتاكة الَّتي يوغر بها صدور الخلق ، لينفصلوا بعد اتحاد ، ويتنافروا بعد اتفاق ، ويتعادوا بعد أُخوَّة، ويضعفوا بعد قوة ، ويصبحوا فريسة سهلة لأعداء الملة.

ثانيا:الحذر الحذر من الانزلاق وراء الأهواء الشخصية، يقول الأستاذ سيد في قوله تعالى :

{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (46) سورة الأنفال   

" فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه؛ وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار . فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر ، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو وضع « الذات » في كفة ، والحق في كفة؛ وترجيح الذات على الحق ابتداء! ."

 

ثالثا: لا يحملنكم الخلاف على نسيان الفضل بينكم  { وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (237) سورة البقرة "  فإن الفجر في الخصومة علامة من علامات النفاق وقلة الإخلاص.

 

 

 

 

 

 

 

  • محمد | 2015-12-25
    موضوع متميز والكاتب ساق الشواهد على أن الخلافات طبيعة في الكون ولكن المشكلة في كيفية التعامل مع الخلافات. ليتنا نقتدي بهذه النماذج
  • علي | 2015-12-24
    يبدو ان الاجيال الحالية لديها مشكلة في منظومة القيم الحاكمة ولذلك غاب عنهم اساسيات الاختلاف.... صحيح اذا اردت ان تعرف حقيقة شخص فاختلف معه او اغضبه

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق