]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المقامة المُحمّديّــــة

بواسطة: البشير بوكثير  |  بتاريخ: 2015-12-23 ، الوقت: 08:00:01
  • تقييم المقالة:

المقامة المُحمّديّة

البشير بوكثير

حدّثنا البشير الصّغير، عن قنديل بني هاشمٍ المنير:

بين رُبى أمّ القرى، سرى خيط رفيع من النّور والسّنا يشعّ من قنديلِ بني هاشم يروي للورى، ماقد جرى، قصّة نبيّ فاحتْ أزهارُه، ولاحتْ أنواره ، وبزغ نهاره، مُبشّرا بإرهاصات قدوم المصطفى المختار، لإنقاذ البشرية من الرّقّ والاضطهاد والاستكبار، ويابُشرايَ فقد خمدت نارُ المجوس، بعد سنوات الرّجس والشّرك ومقارعة المُدامة والكؤوس، معلنة بداية تطهير النفوس، من شركٍ طال مداه، وطغيانٍ بلغَ منتهاه.

أبان مولدُه عن طيب عنصــره * يا طيبَ مبتدإٍ منه ومُختتَــــمِ

يومٌ تفرَّس فيه الفرس أنهــــمُ * قد أُنْذِروا بحلول البؤْس والنّقـمِ

وبات إيوان كسرى وهو منصدعٌ * كشملِ أصحاب كسرى غيرِ ملتئـِمِ

والنار خامدةُ الأنفاسِ من أسـفٍ * عليه والنهرُ ساهي العينِ من سَدمِ

وعجّت دارُ آمنة بالأفراح، وتوشّحتْ بأجمل وشاح، لمّا انبعث من بطنها نورعمّ تلك البطاح، يزفّ للعالمين مولدَ الشّذى الفوّاح، معانقا الورد الأقاح، غاسلا مكّة من أدران الشّرك البواح، بسلسالِ غيثٍ قراح، معلنا انطماس دياجي الظلام وبداية إشراقة الصّباح.

وكان أسعدَ النّاس جدّه المُنجِب عبدُ المطلّب، شاكرا المولى على ماوهب، فطاف به البيت العتيق، عائذا بالله من كلّ حاسد في صدره حريق ، حتّى حسده الياقوت والعقيق، حامدا ربّ النّاس بقلب مُشفق رقيق، فهرول نحو البيت مردّدا، مترنّما مغرّدا، فسمّاه محمّدا، ليكون للدنا صدرا وموردا، محمودا مُمجّدا، وليدّخره عضبا صمصاما في نحور العدى.

ولمّا شبّ عن الطوق احتضنته بادية بني سعد، فرحل الشّوكُ وحلّ السوسن والورد، وامتلأ الضرع بلبن أحلى من عسلِ الشّهد، وفي سباسب ذلك القفر، حدثتْ معجزةُ شقّ الصّدر، فانتكس حظّ الشّيطان ، أمام خير أرومة بني عدنان، فامّحتْ جميع الأوزار، وتضمّخت حناياه بعبير الأنوار.

وعاد الفتى الصادق الأمين، إلى العرين، وهو ينضح بالجوريّ والآس، في انتظار الوحي والنّاموس والنّبراس. وفي غار حراء، تعانقت الأرض بالسماء، وكان لقاء الملائكة الأنقياء، بصفوة الأنبياء، وزُفّت بشرى بعثة خير المرسلين إلى العالمين، مردّدة في الفلاة قانون الحياة "اقرأ" ياإنسان، وافتحْ كتابَ الأكوان، وتمعّن في الحقائق بالحُجّة والبرهان ، وانفذ فإنّك لاتنفذ إلاّ بسلطان، حتّى تحقّق العبودية في أسمى عنوان.

لقد قيّض الله تعالى للنّاس، أشرفَ الخلق والنّاس، قنديلَ بني هاشم رفيع النّسب شامخَ الرّاس، ليكون الهدى والنّبراس، بل الرّوحَ والأنفاس، فجاب الوهاد والنّجاد، داعيا بدعوة الأنبياء الأمجاد، ناظما قلائدَ ثِمان، من آيِ الذّكر والتبيان، على سبائك من زبرجد وعِقيان، في جيد الزّمان، بقيت شاهدة على مآثره عبر الأزمان.

وتلوح بشائر النبوة والسّلام ، تحمل للنّاس الأحرار تباشير الخير والازدهار، فقد أطلّت الأنوار، وتفتّحت الأزهار، وغرّدت الأطيار، وغار الظلام، وانتشر نور الإسلام.

ويزداد الاضطهاد، ويبدأ مسلسل الاستبداد ، لأصحابه الأمجاد، فيتحملون مالا تتحمّله الرواسي والأطواد، فيدلهم سيّد الأسياد، إلى حادي عشيرة الأحباش، لأنّ بها ملكا ذا قلب حسّاس بالرحمة فوّار جيّاش، يحمي المستجيرين المضطهدين العطاش، إلى نهر الحرية دون تمييز بين عرق وأعراش.

وتستمرّ رمزية الغار، لتكون الملجأ والدّثار، في زمن الشّدّة والإعصار، ويخلّدها شوقي في نفائس الاشعار:

سَل عُصبَةَ الشِركِ حَولَ الغارِ سائِمَةً * لَــــــــــولا مُطـارَدَةُ المُختـارِ لَـم تُسَـمِ

هَل أَبصَروا الأَثَرَالوَضّاءَ أَم سَمِعـوا * هَمسَ التَسابيـــحِ وَالقُـرآنِ مِـن أُمَـمِ

وَهَل تَمَثَّــــــلَ نَسـجُ العَنكَبـوتِ لَهُـم * كَالغابِ وَالحائِماتُ وَالزُغبُ كَالرُخَمِ

فَأَدبَـروا وَوُجـــــوهُ الأَرضِ تَلعَنُـهُـم * كَباطِلٍ مِـن جَـــــــلالِ الحَـقِّ مُنهَـزِمِ

تَوارَيـا بِجَنــــــــــاحِ الـلَـهِ وَاِستَـتَـرا * وَمَن يَضُـمّ جَنـــــــاحُ اللَـهِ لا يُضَـمِ

وفي مدينة الأنوار، كانت قلوب الأنصار، تترقّب حلولَ بدر التّمام، صادحةً بأجمل الأنغام:

طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا * مادعا لله داع

أيها المبعوث فينا * جئتَ بالأمر المطاع

جئتَ شرّفتَ المدينة* مرحبا ياخيرَ داع

وهاهي مدينة السّلام، تتوشّح برداء الإسلام، فيقيم بهذه الرّبوع، إلى غير رجوع، فيُحييها بعد موات، ويجمع شملها بعد شتات، ويلحق ركبها البطيّ قبل فوات.

وفي المدينة الميمونة، والخريدة المكنونة، والدّرّة المصونة، وطّد الأركان، ووثّق العُرى بين المهاجرين والأنصار والخلاّن ، ووضع أعظم دستور، على مرّ العصور، حفظ كرامة الإنسان، ورفع راية التّوحيد في كلّ مكان.

وماهي إلاّ صولاتٌ وجولات، من ضراغمةٍ لايخشون الممات، فوُهبت لهم الحياة، في سبيل نشرِ أسمى الرّسالات، حتى انحسر مدّ المشركين الطغاة، وانكسر حدّ المنافقين الغُلاة، وانكشف حقدُ اليهود، لمّا نقضوا العهود، ولليهود في نقض العهود، تاريخ أسود منكود، فراح الصّحابة الكرام يدكّون قلاع بني قينقاع، ويقتلعون شوكة الكفر والمكر والخداع، ويطردون الرّعاع، من جزيرة النبوّة والوحي والإشعاع، وتردّد في كلّ الأصقاع:

حتى غدتْ ملةُ الإسلام وهي بهمْ * من بعد غُربتها موصولةَ الرَّحِــمِ

مكفولةً أبداً منهمْ بخـــير أبٍ * وخير بعْلٍ فلم تيتمْ ولم تَئِــــمِ

همُ الجبال فسلْ عنهم مصادمهـم * ماذا رأى منهمُ في كل مُصطدمِ

وسلْ حُنيناً وسل بدراً وسل أُحداً * فصولُ حتفٍ لهم أدهى من الوخمِ

المُصْدِرِي البيضِ حُمراً بعد ما وردتْ * منَ العدا كلَّ مسودٍّ من اللِمَــمِ

وبعد هجرةٍ وحنين، وألم وأنين، يعود الحبيب إلى مكّته فاتحا، وعن دينه منافحا، وعلى أيْك دوحتها صادحا:

إنّ الشريد الذي قد كان يظلمه * ذوو قرابته قد عاد فانتصفا

إنّ الرّسول لسمْح ذو مُياسرة * إذا تملّك أعناق الجُناة عفا

وفي آخر اللقاء، ردّدت البطحاء، ترنيمة شاعر الشّعراء، محمّد جربوعة، في درّته الفريدة المسجوعة:

  لو كنتَ حيّا .. يا رسول الباريِ* لبنيتُ داركَ من حجارةِ داري

وشققتُ نفسي كي أَخيطكَ،راضيا* ونثرتُ في هدبيكَ من أشفاري

ورتقتُ ثوبك من ثيابي، والذي* خلق العرى في الثوب للأزرارِ

وغسلتُ مسجدكَ الحبيبَ بأدمعي* ونقشتُ ( صلى الله) في الأحجارِ

وكتبتُ سنّتكَ الشريفةَ كلّها * بالعطرِ والأضواء والأزهارِ

وأحطتُ منبركَ الحنون بأضلعي* وفرشتُه يا قائم الأسحارِ

وإذا ركبتَ ركضتُ خلفك حافيا* كتّامَ جرح ..داميَ الآثارِ

وإذا غفوتَ غفوتُ في أعتابكمْ* متوسّدا كفّي الهزيلَ العاري

أنا يا نبيّ الله شاعركَ الذي* قد عاشَ يسترضيكَ بالأشعارِ

نزّال رحلكَ عن بعيركَ ،نازلا* حمّالكَ التبّاعُ في الأسفارِ

صبّابُ مائك للوضوء أنا، ولي* شرف الملوك ، بخدمةِ المختارِ

الاثنين: 21 ديسمبر 2015م


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق