]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

نمو الشعور الدينى والطفوله أد/ سحر توفيق

بواسطة: أ د/سحر توفيق نسيم  |  بتاريخ: 2015-12-22 ، الوقت: 09:10:14
  • تقييم المقالة:

نمو الشعور الديني في مرحلة الطفولة:

 

1-                       قبل الطفولة المبكرة يردد الصغير بعض الألفاظ  الدينية من غير أن يدرك معناها, وتتفاوت هذه الألفاظ على حسب البيئة المحيطة بالصغير, فتسمع الصغير يقول: الله، النبي, سيدنا محمد, الملائكة, الجنة, النار. وقد تسمع الصغير في أسرة ملتزمة مثقفة  يقول قبل أن يأكل: بسم الله الرحمن الرحيم, وبعد الطعام: الحمد لله رب العالمين, ولا تستغربن هذا إذا سمعته ممن لم يتجاوز الثلاث سنين؛ لأن للتلقين دوره الكبير في التربية والتعليم. وكنا نسمع الصغار في المدارس الإسلامية( التحضيرية) وهم يرددون على الطعام: "اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار". وتسمع أمثال هؤلاء يقول بعضهم لبعض : (لا تترك شيئاً من الطعام في طبقك حتى يحبك الرسول صلى الله عليه وسلم),  و(لا تدع الطعام يقع على الأرض .. حرام)([4]).

 

والمهم هنا الجانب الوجداني, وتبلور هذه الأمور في الأطفال...

 

2-                       وفي الطفولة المبكرة لا يدرك الطفل معاني المعتقدات؛ لأن إمكاناته العقلية لم تبلغ المستوى الذي يؤهله لإدراك هذا, وفي هذا يقول الإمام الغزالي: ( إن التربية الدينية يجب أن تبدأ في سن مبكرة؛ ذلك لأنه في هذه السن يكون الصبي مستعداً لقبول العقائد الدينية بمجرد الإيمان بها, ولا يطلب عليها دليلاً, أو يرغب في إثباتها أو برهنتها ...  لذلك عند تعلمه الدين, يبدأ أولاً بحفظ قواعده وأصوله, وبعد ذلك يكشف له المعلم معانيه فيفقهه, ثم يؤمن به ويصدقه ... ), وقال أيضاً: ( إن الدين ينبغي أن يقدم إلى الصبي في أول نشأته ليحفظه حفظاً, ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئاً فشيئاً, فابتداؤه بالحفظ, ثم الفهم, ثم الاعتقاد والإتقان والتصديق به ...).  

 

والواقع التربوي والتعليمي يؤكد هذا, فكثير من الصغار يرددون الفاتحة عن ظهر قلب ولا يعرفون معناها. وفيما بعد يبين لهم المعلم المعنى التفصيلي, وإن كان للمعنى العام أثر كبير في حفظ الصغير كما سنبين إن شاء الله.

 

3-                       ويفهم الصغير من الدين ما كان واقعياً محسوساً, فيفسر ما يسمع بما يعلم, ويفسر ما يعلم بما يحس ويشعر.

 

ويبدأ في الطفولة الوسطى يسأل والديه عن بعض المفاهيم الدينية, وقد يسأل عن علل بعض المحرمات, وتظهر بوادر نقاشه لمعلميه وذويه في مرحلة الطفولة المتأخرة، وفي هذه المرحلة يدرك بعض المفاهيم الدينية التي عجز عن فهمها من قبل, وتتكون عنده مجموعة من الأفكار التي تتبلور بالتلقين  وبالإجابة عن أسئلته, واكتسبها ممن حوله, فتتسع آفاقه, فيشعر بانتمائه إلى مجموعة كبيرة تدين بدين واحد من قبل رب العالمين, فتقوى صلته بالله عز وجل, ويجتهد في عبادته وطاعة ربه, ويتعصب لما يدين به.

 

4-                       وتتميز مظاهر النمو الديني في الطفولة بأربع خصائص:

 

أ‌-الواقعية: يضفي الطفل على مفاهيمه الدينية واقعاً محسوساً, يتمثل الملك صورة جميلة, والشيطان مارداً غليظاً تنفر منه الطباع, وقد يصوره حيواناً مفترساً مكشراً عن أنيابه, وكلما نما تدرج في تجريده, وأدرك الحقيقة ووضعها في نصابها في مرحلة المراهقة.

 

ب‌-                     الشكلية ( الصورية ): يقلد الصغير الكبار في عبادتهم وأدعيتهم شكلاً, من غير أن يدرك معناها, أو يشعر بسموها الروحي وآثارها النفسية كما يشعرون, فيردد ما يرددونه, ويؤدي ما يؤدونه مسايرة للمجتمع  ...  وجدير بالمعلم أن يفيد من ميل الصغار في هذه المرحلة ليعودهم آداب الإسلام وأخلاقه, ويطبعهم على أداء العبادات بشكل صحيح ...

 

ج- النفعية: يدرك الصغير سرور والديه ومعلمه ومن حوله؛ لأدائه بعض العبادات,                   ومشاركته في الدعاء, أو بعض الأناشيد الدينية؛ فيفعل هذا كسباً لحبهم, ووسيلة لتحقيق بعض منافعه, أو لدفع عقوبة تلحق به ... فترى بعض الصغار في الطفولة المبكرة يقول: ماما أنا إذا صليت  الله عز وجل يحبني ويدخلني الجنة, أو يصير وجهي جميلاً؟ وكثيراً ما يقف أمام المرآة ليرى نور وجهه بعد الوضوء والصلاة.

 

 وتظهر النفعية جلية في عبادات بعض الصغار: (بابا إذا صليت معك في المسجد تشتري لي اللعبة الحمراء ... )، وفي الطفولة المتوسطة يصلي ويدعو لينجح في الامتحان ...,  وينتقل الطفل إلى مرحلة الطفولة المتأخرة, ويدرك أن دعواته لا تجاب جميعها, ولا تتحقق بعض غاياته, من تفوق مثلاً, أو شفاء قريب ... فلا يدع عبادته ودعواته, بل يستمر على ما اعتاده بحكم العادة السابقة, غير أن البراءة التي كانت تبدو عليه في مرحلة الطفولة المبكرة في دعائه وصلواتهيخبو نورها, وتذبل نضارتها ... وما يلبث الصغير أن يدرك العلاقة بين العبادة والدعاء والعمل, وأثر ذلك في السلوك, وأثر السلوك المستقيم في استجابة الدعاء, فتظهر البوادر الأولى للإدراك الديني الصحيح، الذي يتسع ويأخذ عمقه في الفرد, بأن الدين نظام حياة عام شامل في دور المراهقة والرشد.

 

-    ولا بد من الإشارة هنا إلى أهمية البيئة والمجتمع اللذين ينشأ الطفل فيهما, فإذا كانت الأسرة متدينة  في مجتمع إسلامي, نشأ الصغير على ما تربى عليه, وظهر أثر الدين في التوافق الاجتماعي, وإلا فسيظهر الخلل والتناقض  إذا تخلفت الأسرة دينياً عن المجتمع, أو إذا اعترى المجتمع التحلل, أو ضعف في الدين.

 

د- التعصب: يتعصب الطفل لدينه تعصباً وجدانياً بدافع حاجته الغريزية الفطرية إلى الانتماء والولاء, وأرفع صور الانتماء الولاية لله عز وجل, فيشعر الطفل بصلته وانتمائه لله عز وجل, حتى ينتهي إلى استشعار مراقبته في جميع أحواله ... بحيث يشعر فيما بعد بأنه لا سلطان لأحد عليه إلا الله رب كل شيء, ويعتز بما يدين به, وبما ينتمي إليه, ويشعر بالسعادة لذلك.

 

-    لكل ما سبق لا بد للمعلم من مراعاة فطرة الطلاب في توجيههم الديني, وعلى الوالدين والأولياء مراعاة هذا الناحية؛ لتؤتي التربيـة الدينيـة أكلهـا يانعـة مـن الناحية العملية, فلا يكلف الصغار ما لا يدركون أو ما لا يطيقون فهمه لغموض أو تعقيد ... لا بد من البساطة في بيان الوسيلة والغاية, والإفادة من طبيعة مراحل نمو شعورهم الديني, فيزودون بالمعلومات الدينية المناسبة في مرحلة الطفولة المبكرة والوسطى عن طريق القصص الديني, ومواقف البطولة لعظماء الإسلام, وإن قصص شباب الصحابة والصحابيات في البذل والإيثار والمشاركة والثبات على العقيدة, وأداء العبادات والواجبات .. لها الأثر العميق في نفوس الصغار، هذا إلى جانب اختيار بعض الآيات القرآنية والسور القصيرة, وبعض الأحاديث النبوية, بما يناسب مستويات الصغار وحاجاتهم, وتضمينها للقصص, أو في الحوار الذي يدور بين أبطالها, كما يستفيد المعلم من أسباب النزول, وأسباب ورود الأحاديث؛ لتزويد الطلاب بالمعارف الإسلامية تدريجياً بما يراه مناسباً لهم.

 

-    ولا بد لمن يلي أمر تربية الأطفال من أن يتسع صدره لأسئلتهم الكثيرة في مرحلة الطفولة المبكرة والوسطى, حول الموت والبعث والنشأة الأولى, والجنة والنار, وحقيقتهما ومكانهما, وغير ذلك مما يسأل عنه الأطفال.

 

ويكفي الصغير الجواب المختصر البسيط, فيقنعه, ثم لا يلبث أن يناقش تلك الإجابات في طفولته المتأخرة وعتبة المراهقة, لكل هذا يجدر بنا أن نجيب عن أسئلة الأطفال الإجابة الصحيحة البسيطة, ووضوح يتناسب مع طبيعتهم؛ حتى لا تتعرض هذه الإجابات للنقض أو الرد في المرحلة القادمة؛ مرحلة المراهقة واليقظة الدينية.

 

-    ومن أهم ما يغرس الإيمان في نفوس الأطفال, ويحملهم على السلوك الديني السعي لتحقيق القيم الإسلامية, والتخلق بآداب وأخلاق الإسلام, أربعة أمور:

 

أولاً- القدوة الصالحة: وقد بينا أثرها حين تحدثنا عن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية([5]), فإن الصغير يرى في القدوة الصالحة أمامه الإسلام عملياً  في العبادة والمعاملة والآداب, وهو مفطور على المحاكاة والتقليد, فيتأسى بأبويه ومعلمه.

 

وما أصدق وأبلغ قول عمرو بن عتبة لمعلم ولده: (ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحَك لنفسك, فإن عيونهم معقودة بعينك, فالحسن عندهم ما صنعت, والقبيح عندهم ما تركت, علمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملّوه, ولا تتركهم فيهجروه, روّهم من الحديث أشرفه, ومن الشعر أعفه, ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه, فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم, وعلمهم سنن الحكماء, وجنبهم محادثة النساء, ولا تتكل على عذر مني لك, فقد اتكلت على كفاية منك). (العقد الفريد جـ2/ص436-437).

 

ثانياً- الإفادة من حاجة الطفل النفسية إلى الأمن والطمأنينة, بتوجيه سلوكه إلى مرضاة الله عز وجل؛ حتى يكون دائماً مع الله عز وجل.

 

 وحاجته هذه تدعوه إلى طلب العون من الكبار, أولياء أو إخوة أكبر منه, وبمساعدتهم يشعر بالأمن والطمأنينة, فلا يخشى ما يحيط به من ظلام في الليل، أو صوت غريب, ما دام إلى جانبه من يحميه؛ لذا تكون انفعالاته سارة, فيشعر بحب الآخرين له وبحبه لهم, بخلاف من لا يشعر بالأمن والطمأنينة.

 

 وهنا يتجلى دور التربية الدينية في توجيه الطفل؛ نحو الاعتماد على الله, والاتكال عليه, وطلب العون منه بعد بذل الجهد, وإعداد ما يلزم لكل أمر من الأمور, وهذا أسمى أنواع الاعتماد الذي يبعث الثقة بالنفس, فيشعر بالأمن الدائم والاطمئنان إلى عون الله, مهما يعرض

 

للإنسان من عقبات أو ظروف, ويقوى هذا الجانب كلما تقدم المرء في النمو, وازداد إيمانه قوة ويقيناً.

 

ثالثاً – التعليم التدريجي بجميع وسائله من تقرير ومناقشة مناسبة لمستوى الأطفال؛ ليدرك الطفل أصول الدين وأحكامه وآدابه وأهميته في حياة الناس وسعادتهم.

 

رابعاً- التطبيق العملي: كنت قد فصلت أهمية هذا الجانب في منهج النبي صلى الله عليه وسلم, وبينت أثره البعيد في التربية الدينية على وجه الخصوص([6]), فلا بد للطفل من أن يمارس ما يتعلمه من آداب وأخلاق وعبادات ممارسة ذاتية نابعة من نفسه؛ ليتخلق بأخلاق الإسلام, فيصلي ويصوم – على قدر طاقته – ويشارك في مساعدة الفقراء, ويلتزم الصدق, ليصير كل هذا سجية فيه, بعد أن كان تطبعاً وتعوداً.

 

-    وبهذا نرى الطفل في آخر مرحلة الطفولة ( الطفولة المتأخرة ) قد أدرك مفاهيم الأمانة والصدق, والعدالة والحلال والحرام, والحق والباطل, ويمارس المشروع منها كقيم ومفاهيم, بعيداً عن التقليد الأعمى, ويدع السيئ منها كمفاهيم دينية, لا تقليداً لغيره, وينمو في نهاية هذه المرحلة وازعه الديني, ورقابته الذاتية لسلوكه, ويتحقق التوازن بين أثرته وسلوكه, ويزداد تسامحاً تجاه الآخرين, وبخاصة مع لداته وزملائه.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق