]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لغة الغابة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-12-18 ، الوقت: 21:32:07
  • تقييم المقالة:

لغة الغابة

 

محمد الحداد/العراق

هي لغة كتبَتْها منذ الأزل أصابعُ الغابةِ التي لا تُجيدُ غيرَ منطق الصيادِ والفريسة..الجميعُ يتكلمُ اليوم تلك اللغة المقيتة ويفكرُ ويخطط ويناورُ من أجل أن تظلَّ هي اللغة الأولى في عالم التوحش الإنساني..وأمام الطاولات الكبرى ثمة خرائط قديمة ضاقوا ذرعاً من تفاصيلها المملة التي رسمتْها من قبلُ أصابعُ مماثلة..وداخل الحقائب الدبلوماسية السوداء خرائط جديدة تنتظرُ أن تحيلَ أحلام الغابة هذهِ إلى حقائق تُرسمُ على الأرضِ..أما الضحية الأزلي فهو ذاتهُ كما في كلِّ مرة: الإنسان.

لا أزعمُ أنني أحملُ بجعبتي أية أخبارٍ جديدة لم تسمعوا بها من قبل حول ملفنا العربي الشائك ولا أجزمُ أيضاً بأنني أمتلكُ قدرةً لا تمتلكونها في فكِّ أيٍّ من شفراتهِ التي باتت مباحة للجميع..لكنها محضُ مقارباتٍ متواضعة في السياسة تطمحُ أن تسلط قليلاً من الأضواءِ على دروبها الضيقة وأقبيتها المظلمة علها تفضحُ بعضاً من خفاياها حتى لو اعتمدنا في مقاربتنا هذهِ على إنصاتٍ خافتٍ لوشوشاتٍ خجولةٍ من شطحاتِ الخيال..

في الشهر الأخير من عام 2012 قررَ حلفُ الناتو بناءً على طلبٍ تركي آنذاك نشرَ منظومة صواريخ "باتريوت" الدفاعية على الأراضي التركية مع قوةٍ قتاليةٍ مشتركة من جيوش كلٍّ من أميركا وألمانيا وهولندا من أجل حماية تركيا من الصواريخ الباليستية التي قد تنطلقُ باتجاهها من الأراضي السورية..في منتصفِ شهر آب من هذا العام قررتْ ألمانيا سحب صواريخها العاملة من هناك مع قواتها القتالية وفي اليوم التالي مباشرة قررتْ أميركا ذلك أيضاً ولا نعرفُ حتى اليوم مدى جدية أميركا في تنفيذ قرارها الغريب هذا من عدمه !

ألمانيا بررتْ قرارها هذا بأنَّ التهديدات العسكرية في تلك المنطقة المتخمة بالأزمات بدأتْ تتخذ أبعاداً أكثر خطورة..أما العلل الأميركية المعلنة حول سحب تلك الصواريخ فتكادُ تتناطحُ مع بعضها بشكلٍ صارخ إلى الحدِّ الذي يثيرُ السخرية حقاً لكنها توزعتْ مرة بيننيةٍ أميركية لعملِ تحديثاتٍ حساسة لبطارياتِ تلك الصواريخومرة أخرى بانتهاءِ احتمالية أن تتعرضَ تركيا لمخاطر إطلاق صواريخ من سوريا باتجاه أراضيها..لكنَّ هذهِ العلل استبطنتْ رغبة أميركية واضحة لتجنبِ الوقوف وسط الغابة في طريق الدبِّ الروسي الغاضب والمنطلق نحو فرائسهِ بقوةٍ وبأقصى سرعته.

قطعاً ليست هذهِ المرة الأولى التي تسحبُ فيها أميركا صواريخ باتريوت من تركيا لأنها قامت بذلك أولَ مرةٍ بعد زوالِ الخطر عن تركيا فور انتهاء حرب الخليج عام 1991 وانسحاب صدام من الكويت ثم أعيدَ نشرها ثانية عام 2003 بعد عودةِ المخاوف التركية من جديد لتُسحبَ أيضاً بعد سقوط صدام حسين..وبعد اشتعال الأزمة السورية الأخيرة أعيدَ نشر تلك الصواريخ أيضاً قبل أن تقررَ أميركا مؤخراً سحبها للمرة الثالثة..لا أسرار جديدة حول كل تلك التفاصيل لأنها كانت معلنة أمام العالم كله..لكنَّ السؤال الجديد هو هل يمكن لنا افتراض سيناريو آخر لقراري أميركا وألمانيا الأخير بسحب تلك الصواريخ؟ هل بوسع الخيال أن يفترضَ مثلاً أن روسيا طلبتْ من غريمتها اللدودة "أميركا" أن تسحبَ تلك الصواريخ لكي تتمكن الطائرات الروسية من اختراق المجال التركي من دون أن تعترضها تلك الصواريخ بطريق الخطأ وفي نفس الوقت تبعدُ خطرها عن حليفتيها إيران وسوريا ؟

لا يفوتنا أن نؤكدَ هنا أن قرارَ سحب تلك الصواريخ أتخذَ قبل حادثة إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية وليس بعدها وللزمنِ هنا دلالته..ومع ذلك ثمة إغراءٌ بأن نعاودَ طرحَ السؤال بعنادٍ أكبر فنقول: إلى أيِّ مدى يمكن أن تكون تلك الفرضية محتملة جداً؟ تخيلوا معي فقط لو أنَّ اتفاقاً كهذا حصل بالفعل.. فهل لنا أن نستوعبَ الآن أي حدٍّ وصلَ استخفاف هؤلاء اللاعبين بدمائنا؟ هل سمعتم من قبل بمسرحيةٍ سمجةٍ مثل هذه؟ أرأيتم هزالة وتهريج الممثلين؟ وبعد ذلك أية مسرحياتٍ هابطة تلك التي نُجبرُ على مشاهدتها هذه الأيام وفي قابلِ الأيام ؟

لو تمعنا في أدوار بعض الممثلين الكبار في تلك المسرحية الهزلية الكبرى فسيبدو لنا الدور الأميركي اليوم أشبه ما يكون بممثلٍ هرِمٍ أسندَ إليهِ دور كومبارسٍ تافهٍ في آخرِ أدواره..هذا الدور الأميركي هو الأضعف بلا منازع لأنَّ أميركا اليوم هي الأضعف على مدى تاريخها السياسي كله ..وأيا ما كانت تبريراتها المستمرة بخصوص ذلك فلا خلاف أبداً أن جهودها في ملفِ محاربة الإرهاب كان مخزياً جداً ولم يرتقِ حتى الآن إلى مستوى ما ينبغي أن تلعبهُ دولة عظمى مثل أميركا التي أصبح جلَّ همها أن تُسجلَ لها حضوراً يشبهُ الغياب من دونِ أن يضمنَ لها حفظ الحد الأدنى من ماءِ الوجه.

الفشلُ يكادُ يلاحق أميركا في كلِّ مكان فيما تتفاقم الكوارث والأزمات في مشهدنا العربي الملتهب وتكادُ أن تفتكَ بنا العواصفُ من كلِّ حدبٍ وصوب أما "الحلولُ الأميركية" العقيمة فلا تكادُ تتراءى لنا إلا على هيئةِ ظلالٍ باهتة لبضعةِ أسرابٍ معدنيةٍ مُدللة معلقة في الأعالي وتسبحُ بعيداً في الهواء وسط سماءٍ واسعة..هذه الحلول المتبرجة بغبائها لا تزالُ تتعثرُ بفشلها المزمن يوماً بعد يوم ولم تزد الأمر إلا سوءً لتضيفَ إلى المشهد الملتبس برمتهِ مزيداً من التخبط والفشل لكنَّ أميركا مع ذلك لا تزالُ تكابرُ لتقنعَ الجميع فقط بأنَّها موجودة بالفعل.

في مقابل هذا الوهن وعلى نقيضهِ الصارخ تماماً يضعُ القياصرةُ الروس أقدامهم بقوةِ حضورٍ ملفتة تكادُ أن تبتلعَ الشرقَ الأوسط كلهُ مستعرضين عضلاتهم الإمبراطورية ليثبتوا لأميركا أيضاً بأن الدبَّ الروسي ندٌّ عنيدٌ وخصمٌ أكثر كفاءة وبوسعهِ أن يناطحَ الثور الأميركي ويقصيهُ جانباً ليضمن لهُ مكانَ الصدارةِ الذي يليقُ بهِ ضمن المعادلة الدولية الكبرى..ولا يخفي الروس حرصهم المضطرد على تنامي وجودهم الطموح هذا بالإفادة من ذلك الوهن الأميركي والعالمي المخزي..هذا الحضور الروسي الملفت أثارَ مخاوف جدية حتى لبعض دول حلف الناتو نفسه خاصة بعد الأنباء التي تحدثتْ عن قيامِ الروس ولأولِ مرةٍ في منطقة الشرق الأوسط ببناءِ قبةٍ صاروخية محصنة في اللاذقية تضمنُ أمناً تاماً لمحيط دائرةٍ جغرافية واسعة..وربما يفسرُ هذا سببَ إعلان وزارة الدفاع الألمانية أنها لن تبيحَ لروسيا بعد الآن بمساراتِ الطائرات الألمانية أثناء قصفها لأهدافٍ في سوريا.

ذنوبُ أقوى دولتين وسط هذهِ الغابة المتوحشة تكادُ تتوزعُ إجمالاً في موقفين يناقضُ أحدهما الآخر بشكلٍ صارخ..هذان الموقفان يمكنُ حصرهما في حضورٍ أميركي بارد وغريب يشبهُ الغياب يقابلهُ موقفٌ أكثر غرابة يتمثلُ بانقضاضٍ روسي متعطش يطمعُ أن يبتلعَ المنطقة بأسرها لوحده..تناقضٌ أصبحَ يشكلُ علامة فارقة في ما يتعلقُ بأزمةِ شرقنا الأوسطي تحديداً والتي ينبغي التوقف عندها بتأملٍ طويل.

لكن في المحصلة النهائية لخسائرنا الباهظة توشكُ نفس هاتين الإرادتين "الأميركية والروسية" أن تتقاسمان هذهِ الأرض الملتهبة..الأولى أميركية ومركزها العراق بإسنادٍ تركي وخليجي "ولا تزالُ هذهِ الإرادة تتعثرُ بفشلها حتى اليوم وتعجزُ أن تؤدي هذا الدور العسير بنجاح بسبب قوة الوجود الإيراني الفعلي"..أما الإرادة الثانية فهي روسية ومركزها سوريا بإسنادٍ إيراني وبين الإرادتين منطقة توتر مرعبة ستكونُ بمثابةِ أرضٍ حرام عازلة ستظلُّ مصنعَ أزماتٍ مفتعلة ومرتعاً دائماً لجميع حشرات الأرض التي تلفظها هاتان المنطقتان مما ينذرُ بإطالةِ أمدِ هذا الصراع الكوني..ووسط هذا التقاسم الفرائسي للمنطقة لا يمكنُ لخيالنا حقاً أن يتنبأ بما سيحصلُ في الغد لو أنَّ صاروخاً أميركياً أسقط طائرةً روسية فوق سوريا أو العكس أي أن يُسقط صاروخٌ روسي طائرةً أميركية فوق العراق؟

بوسعنا القول أن أميركا وروسيا والدول الكبرى ومعها دول الجوار الجغرافي كلهم يستخفّونَ بدمائنا ويتاجرونَ بهِ من دونِ رغبةٍ في أن يخسرَ أيُّ أحدٍ منهم قطرة دمٍ واحدة..تركيا تحاربُ إيران فوق التراب العراقي والسوري وتقفُ في طريق مشروعها التوسعي وتقامرُ بدمائنا لتحقيق ذلك..وإيران تفعلُ نفس الشيء فهي تحاربُ تركيا فوق نفس التراب وفي أماكن أخرى وتقفُ في طريق المشروع التركي التوسعي مُقامرةً بدمائنا أيضاً..مع أن مشروعيهما معاً في المنطقة لم يعودا خافيين على أحد.

القوى الكونية كلها تتطاحنُ فوق أرضنا التي تشرّبَ ترابُها بسحرِ الغواية..فلأرضنا هذهِ لعنة أزلية تغري جميع الأمم بذلك على الدوام..ثمة سحرٌ قديمٌ يجذبُ إلينا الأغرابَ ليُصفّوا حساباتهم فوق ترابنا ويبدو أنَّ ذلك سيستمر..تماماً كما كان يحدثُ دائماً طوال التاريخ..هي حلبة نموذجية تتبارى فوقها جميع إراداتِ المتصارعين من أجل الظفر بما تبقى من غنائم وسط هذا الكوكب المرعب وثمة بريقٌ ساطعٌ سيظلُّ يلمعُ أمام أعينهم جميعاً من دون أن يخفتَ أبداً..بريقٌ ستبدو إزاءهُ كلُّ خسائرنا الباهظة لا قيمة لها أبداً حتى لو قيضَ لهم أن يتنزهوا وسط خراب أطلالنا ليلتقطوا ثمارهم فوق أكوامها المرعبة..سيتكررُ كل هذا دائماً وأبداً ما دامَ الجميعيتكلمونَ بلغةِ الغابة الأولى ولا يجيدونَ غير منطق الصياد والفريسة.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق