]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لعبة القدر

بواسطة: Ali Alsayed  |  بتاريخ: 2015-12-18 ، الوقت: 19:52:48
  • تقييم المقالة:

الفقر لعله حمل يقسم الظهور او داء يصب الابدان فمنا من يستطع ان يحمله ويتجاوز به الجسر والبعض الاخر يسقط ولا يكون له عودة مرة اخرى, فاليوم سأقص عليكم احد هذه القصص ربما تتشابه كلها او جلها مع واحد منكم ولكنها من وحي خيالي ولا تمثل أي شخصية واقعية......  

في احد احياء مصر الشعبية التي تعج شوارعها وبيوتها القديمة بالسكان الذين يرون حياتهم على عكس حياة الاخرين او ربما لا يحسبون انفسهم انهم من سكان الدنيا يوما غير الذي يموتون فيه ويشيع اجسادهم جيران يترحمون عليهم حينا ويتغامزون حينا في السهر, ففي أحد الليالي سمع اهل الشارع صراخ أم وإذ الام تضع مولودها الخامس وتحل الكارثة ويعم الحزن وبكاء الام وسباب الزوج الذي كان يطمع بأن يكون المولود ذكر إذ وضعت الأم أنثى وهي الخامسة بين اخوتها والرابعة بين اخوتها البنات إذ كان لديها أخ "ذكر" وترتيبه الثاني بين اخوته ولكن اصيب بإعاقة ذهنية وأرجح الاطباء سبب مرضه زواج امه من ابن عمها, وسرعان ما انفض المجلس حول الام التي مازالت تجهش بالبكاء خاصة وهي على مسمع من سباب زوجها وسخط اهلهما.

مرت الايام وضاق الحال اكثر مما كان فالأبناء الثلاث طلب منهم الخروج الى العمل لكي يجدوا ما يأكلوه على الرغم من ان كبيرتهم كانت في الثالثة عشر من عمرها والاخرى في الثانية عشر والثالثة في التاسعة ولم تكن احداهم تعرف شيئا اسمه تعليم او مدرسة فقط العمل والطعام لهذه الاسباب اعتقدوا انهم هنا على هذه الدنيا, وفي يوم قرر الابوان تزويج ابنتهما الكبرى لاحد شباب الحي البالغ التاسعة عشر من العمر ويعمل كسائق على (توك توك) ورأي في نفسه ان الوقت حان ليتم نصف دينه واختارت امه هذه الفتاة لتكون شريكة حياته فوافق اهلها على الفور وهنا تعلم الفتاة عند دخولها الى المنزل وهي عائدة من عملها ان زيجتها تحددت بعد شهرين من اليوم على ذلك الشاب ولم يكن لها شيء سوى الموافقة فقط, ومرت الايام الى ان مر عليهم ثلاث اسابيع وقرر الاب الرحيل ليس عن الاسرة البائسة بل عن الدنيا الفانية التي لم يعرف وجهها الاخر يوما وخرجت معه الصرخات ودمعت العيون ولطمت الوجوه ولكن لا جدوى من عودته مرة اخرى وحل الظلام وحلت معه الهموم كيف واين, لماذا وهل؟ ظل الهموم والكوابيس تنهش في راس الام والبكاء يحرق عيون البنات ام الولد فلا يعي شيء وحل الصباح ببطيء شديد وحل معه التفكير, واذ الباب يطرق من صاحب المنزل ينذر الام اما بدفع الايجار المتأخر او الرحيل وقد امهلهم فرصة للغد لتسديد خمسمائة جنيه او ليحجز على اثاث منزلهم وبطردهم, حاولت الام البحث في ثنايا بيوت كل من تعرفه عن مال لتسد جله او كله ولكن كان الجواب دوما بالرفض واغلقت الابواب امامها الا باب احدى صديقاتها ولكن لم يكن الحل مال بل اسدتها رأي لعله يجدى وكان بأن تبيع هي بنفسها الاثاث لاحد التجار وتسدد ما عليها منه وبالباقي تعيش منه ودلتها على احد العمارات في حي غني يحتاج لشخص يخدم العمارة ويرعى شئون ساكنيها, فوافقت وفعلت الام ما نصحتها به صديقتها وتمر الايام يوما تلو الاخر والحال كما هو لم يتغير قليلا وبخاصة بعدما تزوجت ابنتها الكبرى وتداينت الام وقل من كان يدخل لها رزق فأشار احد بوابي العمارات المجاورة عليها بأن تبيع أحد بناتها لشخص لا ينجب وانه يعرف احدهم الذي يريد ان يتبنى احد الاطفال فترددت الام ولم تجد حلا سوى الموافقة وكان عليها عرض بناتها الثلاث المتبقية في المزاد امام هذه الاسرة الثرية لتختار منهن ما يحلو لها ووقع الاختيار على الصغرى (سارة) البالغة وقتها خمس سنوات وبيعت الفتاة بمبلغ مائة ألف جنيه وهو ما احدث نقله لهذه الاسرة وكذلك للفتاة الصغيرة التي اخذ الابوين الجديدين يعودان لسانها على ماما وبابا وتنتقل الاسرة الثرية بعدها لتعيش في احد فلل الاسكندرية لتمحى معها ذكريات الماضي بالنسبة لهم وللفتاة أيضا وتكبر الفتاة يوما تلو الاخر وترى بعينها ما لم تره يوما وتتذوق ما لم تكن تعرف انه موجود وتدخل المدرسة لتنعم بتعليم في احد المدارس الراقية وتكبر الفتاة لتدخل المرحلة الثانوية, وطوال هذه السنين الثلاث عشر كانت بنت مطيعة لأبويها مجتهدة في مذاكرتها فكانت دوما اول اقرانها وكانت قرة عين لأم وأب نعم لم تكن من صلبهما ولكن الاهل الحقيقية هي من تشتري فتربي وتعلم وتحافظ مهما كانت الظروف لا تبيع وتهجر وترمي هكذا حفظت الفتاة الجميل وارادت رده, وفي تلك الاثناء ترد اليها انباء عن زواج امهما التي كانت تتابع اخبارها باستمرار, فقد تزوجت الام من احد الاشخاص ولم يعرف له عمل او حرفة فتزوج من تطعمه فحسب كما انه علم بقصة تلك المرأة وحكاية بيع ابنتها فغضبت الفتاة لذلك وعكفت في غرفتها ايام تذبل كما يذبل الورد في الخريف ولكن لا يدوم الحال فتتناسى الفتاة مصيبتها في امها وتحاول ان تتذكر حياة اختارتها تلك الام لها, ويمر بعد ذلك عامان لتشعر الفتاة بصداع مستمر دون مبالة او شكوى, وإذ يوما تأتي الام مع زوجها فتجهش بالبكاء لترى ابنتها وتحن الفتاة لامها وتنسى كل الالام التي تسببت فيها ولكن لم تكن الزيارة بريئة كما توقعت الفتاة بل كان وراءها قصد اخر وهو المال فجاءت تطلب المال او فضح الامر فرضخت الاسرة لطلبها واعطوه لها خمسون الف اخرى لتسكت وزاد الامر سوءا إذ يقول الزوج الجديد انه كلما انتهى المال سيأتي ليطلب المزيد والمزيد وكانت فاجعة الاسرة ليس في المال بل في الفتاة إذ مرضت الفتاة ولازمت الفراش لأسابيع واخيرا لم يكن هناك من ينقذها سوى الامتحانات التي تدق الابواب فنهضت الفتاة من فراشها ولكن لازمت الصمت والحزن طوال الايام وتظهر النتيجة لتفرح تلك البائسة وتخرجها من عزلتها للعالم التي كانت تعيش فيه من قبل وتحتفل مع اسرتها بدرجة تؤهلها لكلية الطب كما حلمت الاسرة وتمنت الفتاة, ولكن السعادة لا تدوم الا لقليل والشقاء ايامه اكثر فتشتكي مرة اخرى من الصداع الذي اصبح لا يبرح عنها فيلازمها في نومها ويقظتها وهنا يلاحظ الاب ان مرض ما الم بابنته الشابة فيخبره الاطباء بانه السرطان قد تمكن من ابنته ولسوء حظها انه ورم خبيث لا تستطيع الاطباء مداوتها او تخفيف آلامها بل ما زاد الاب والام حسرة ان الفتاة اصبحت ايامها معدودة تعد على الاصابع ورأى الاطباء ان من الافضل عدم الافصاح عن حقيقة المرض لابنتهما لئلا تدخل في اكتئاب فيسرع من ايام متبقية لها على هذه الدنيا.

وتهم هذه الفتاة لتفرح بكليتها الجديدة وحياتها لتحس ان وراء دائها سرا فتفتش عن اوراق مرضها وبين طيات الورق تكتشف الامر ولكن لم تكن كما توقع الجميع بأنها ستسرع من الامر بل اعترفت لأبويها بانها اطلعت على حقيقة مرضها وانها تريد ان تعيش كل لحظة بين احضانهم وانها لا تنوي الابتعاد مطلقا عنهما لذا قررت عدم حضور الكلية والمكوث ليلا ونهار معهما.

 

 

وفي أحد الايام تعود الام التي باعت تطالب بمال جديد او الفضيحة فتوافق الاسرة ولكن الفتاة هي التي تمتنع وتظهر امر مرضها وتقول "لها انها هي من باعت وان امها التي اشترت لست انت وان كنت تودين قول الامر للملأ فافعلي او أعود معكي بمرضي حيث تسكني" وتزداد حدة الفتاة في الكلام فتسقط على الارض وكأنها تخرج في انفاسها الاخيرة فتدر برأسها الى امها وابيها وتبتسم لهم وتشكرهم على كل لحظة قضتها بينهم وتودعهم فقد احست بان اجلها قد حان وبالفعل تسقط يدها من يد امها تغمض عينيها الى الابد لترحل عن عالم شابه الاطماع، عالم  لم يرسم لها فيه غير الشقاء فلم يكن مقدر لها سوى الرحيل بعد القليل من حلو الحياة.................

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق