]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

العطورُ لا تُجيدُ الكذبَ أبداً !

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-12-16 ، الوقت: 21:19:20
  • تقييم المقالة:

العطورُ لا تُجيدُ الكذبَ أبداً !

 

محمد الحداد/  العراق

(1)

 

حدثَ هذا قبل عشر سنوات..كنتُ مشغولاً بالعمل في مكتبي فتقدمتْ مني زميلة جديدة لم يمر على عملها معنا أكثر من شهرين وسألتني باستحياءٍ واضح عن ماركة العِطر الذي أتعطرُ بهِ كلَّ يوم..هكذا فاجأتني بسؤالها من دون مقدمات..خلعتُ نظارتي وأسندتُ ظهري على الكرسي الذي كنتُ أجلسُ عليهِ ثم رسمتُ بفمي نصفَ ابتسامة وقلتُ لها بهدوءٍ ووقار:حتى لو كنتُ أنا الذي صنعتُ هذا العطر بنفسي فسأنسى أسمهُ بالتأكيد..ضحكتْ وقالت: ولماذا؟ قلتُ لها لأني لم أتوقعْ سؤالاً مباغتاً كهذا..لكن هل هذا يعني أنَّ رائحة العطر أعجبتكِ؟ قالت متعجبة: صاحبُ العِطر يسألُ هذا السؤال؟ ثم قذفتْ نحو الأعلى بأطرافِ أصابعها خصلات ذهبية كانت تتلصصُ بتطفلٍ عنيد قربَ عينيها وقالت لي وهي تداري دون جدوى خجلاً بالغَ في فضحها: في الحقيقة لم أشم بحياتي عطراً ساحراً أطيبَ منهُ..كانت مفاجأتها الثانية هذهِ أجرأ قليلاً من الأولى لذا أحسستُ أنها سارعتْ للتنصلِ من تهمةِ التغزل التي أوشكتْ أن تتلبسَ بها وانعطفتْ سريعاً بدفةِ الحوار صوبَ وجهةٍ آمنة لتستدركَ فوراً بارتباكٍ كادَ أن يوقعَ على الأرض حزمة الأوراق التي كانت تحملها بيدها وقالت : ثم أنني أفكرُ أن أبتاعهُ اليوم وأهديَهُ إلى حبيبي..يا إلهي ثلاث مفاجآتٍ مباغتة في أقل من دقيقةٍ واحدة كانت أخراها صفعة مسمومة بطعمِ دهشةٍ قاتلة..لكنَّ مشكلة هذا الصنف النادر من النساء أنهنَّ يجدنَّ تسويق أنفسهنَّ بأغلفةٍ مُسلفنة بكلِّ ألوانِ الجمال البرّاقة لذا نكونُ مهيئين دائماً أننتقبلَ منهنَّ كلَّ شيءٍ عن طيبِ خاطر حتى وهنَّ يغرزنَ فينا أقسى لدغاتهنَّ..أما فيما يتعلقُ بهذهِ الآنسة الباذخة الجمال تحديداً فقد كنتُ على استعدادٍ أن أتقبلَ منها الموتَ نفسهُ لأنهُ قطعاً سيكونُ من يديها بمذاقٍ أشهى وأطيب..لكنني مع ذلك لا أنكرُ أن تبريرها الجريء لشراءِ الهدية كان وقعهُ قاسياً عليَّ جداً..حبيبُها؟ ربما لو قالتْ خطيبي لهانَ الأمر قليلاً..حسناً..ربما يتوجبُ عليَّ هنا أن أخبركم بسرٍّ خطير..هذه الفتاة الجميلة تحبني..لا يصعبُ أبداً على رجلٍ مثلي أن يفهمَ هذا..أحسستُ بحبها لي منذ أولِ يومٍ جاءتْ فيهِ إلى القسم..ولكي أكون دقيقاً فهي لم تبخلْ عليَّ يوماً بتلميحاتها الواضحة ولم تيأسْ من ذلك أيضاً..ثم تأكدتُ من تلكَ الحقيقة بمرور الوقت حينما لاحظتُ اهتمامها الاستثنائي بي أنا وحدي..من رعشةِ أصابعها كلما اقتربتْ مني..من خَمرةِ كلماتها التي تصبُّها لي من جرارِ شفتيها القرمزيتين حينما تكلمني..من نظراتِ عينيها اللتينكانتا تزلزلان أفلاكي الصارمة وتغويكواكبي وأقماري ونجومي الموحشة بالعصيان والدورانِ طوعاً حولَ مَجرتها حتى تسقطها أخيراً صريعة فوق أرضِ خرافتها..من حفيفِ صوتها الذي يشبهُ أجراسَ الملائكة..ذلك الذي لهُ الحق وحدهُ في أن يرتدي ثوبَ معجزةٍتُحيي مَواتَ القلوب وتقشّرُ الأحزانَ والكوارثَ من سماءِ الروح..من ابتسامةِ فمها المعجون بعشبةِ الخلود..المُغمَّس بعسلِ الدلال..ابتسامةلو أذِنتْ لها أن تنثرَ رحيقها لانفتحتْ فوراً أبوابُ المستحيل ولثرثرَ بلغةِ الجمال كلُّ سُكانِ الأرض دفعة واحدة وأصيبوا بداءِ هذيانها اللذيذ..كلُّ شيء فيها كان يصرخُ بي ويقول: أيها المغفل الكبير هذه الآنسة الجميلة تحبك..لكن إن كانت تحبني بالفعل فماذا يعني قولها أنها تريدُ أن تهدي حبيبها عِطراً مثل عِطري؟ ذلك التناقض الغريب أربكني تماماً ولا أدري لماذا شعرتُ لحظتها بأنني أغبى رجلٍ في هذا العالم..ثم أني لا أكادُ أصدّقُ أن قارورة العِطر الساحرة هذه تريدُ أن تهدي رجلاً لا أعرفهُ قارورة عِطر مثل عِطري..هل من حقي أن أغارَ حقاً من حبيبٍ مفترض لست متأكداً من وجودهِ أصلاً؟ اسمع أيها الجبان المُعتق بغبائه..هذه الفتاة الجميلة أنثى حقيقية من زمرةٍ ملائكيةٍ لا تتكرر أرسلتها السماءُ إليكَ وعَجَنتْ طينتها هناك في الأعالي ملائكة الحب والجمال بيدينِ من عطرٍ مقدّس..هذا البركان المجنون يكادُ يُفجّرُ سعيرَ أنوثتهِ أمامكَ كلَّ يوم ويقذفُ حِممهُ الساخنة قربَ أحضانكَ كلَّ لحظةٍ فيما تكتفي أنتَ بالجلوسِ قبالتهُ وتحدقُ فيهِ مرعوباً..متردداً وتصطنعُ تبتلاً كاذباً دون أن تحركَ ساكناً.. ماذا تُراكَ تنتظرُ الآن بعد أن أحرقتَ من حياتكَ خمسة وثلاثين عاماً ؟هل تريدُ أن تضيعَ ما تبقى لك من حياتكَ معتكفاً في صومعتكَ الثلجية هذه؟ اخلع ردائكَ الأسود العتيق هذا أو مزقهُ حالاً ألا يكفي أنك اختبأتَ تحتهُ مُغمَضَ العينين سنين طوال كان يجدرُ بها أن تكونَ أجمل سِني عمركَ منذ أولِ مرةٍ أخبرتكَ فيها مِرآتك أنكَ أصبحتَ شاباً وسيماً يليقُ بهِ السحرُ والجمال كما لا يليقُ لغيركَ وكشفتْ لكَ سرَّ تحلّقِ النساءِ حولَ بئركَ النابضة بالحب...الكبرياءُ أنثى أيها الأبله وليس من السهلِ على امرأةٍ بمثلِ جمالها النادر وأنوثتها الطاغية أن تغلقَ أبوابها بوجوهِ الجميع وتفتحَ لك أنتَ وحدك باباً مُشرعة على مقاسِ غرورك..بابٌ يسوقكَ فوراً من عطشِ جحيمكَ إلى نعيمِ جنتها من غير خازنٍ أو مَلَك..كفاكَ مكابرة..أنتَ تعشقها بجنونٍ أيضاً؟ ماذا؟ أعشقها؟ ثمة رجلٌ آخر في حياتها تحبهُ ويُحبها..هذا ما قالتهُ الآن ألا تفهم؟ والسخرية أنها تسألني أنا لا غيري عن ماركةِ عِطري لتهديه إياه..حسناً لا تستبق الأمور ولا تتعجل الحُكم..ثم ألستَ أنت مَن أوصلها ببرودكَ الغبي إلى هذا؟ مَن يدري ربما تحاولُ مثل باقي النساء أن تستفزكَ برجلٍ آخر لا وجودَ لهُ مطلقاً..ربما تمتحنُ صبركَ لتتأكدَ من حبكَ لها لا أكثر..

كانَ قد مرَّ وقتٌ قصيرٌ على آخرِ صفعاتها الثلاث ولا أعرف ما الذي أغراني وبلحظةِ مكرٍ سريعة أن أبادلَ شغبها لي بشغبٍ مماثل..ربما أردتُ أن أثأرَ لنفسي على الأقل من هذا الرجل الذي تحبهٌ وتفكرُ أن تهديهُ عِطراً أعجبتها رائحته..كنتُ مُرغماً أن أدافعَ عن نفسي في معركةِ وجودٍ مصيرية هي التي ابتدأتها معي..هل كان حبيبها المحظوظ يعلمُ بحجم تلك الانفجارات الهائلة التي أحدثها وجودهُ اللعين في رأسي وقلبي؟ ربما هو محضُ رجلٍ تافهٍ لا يستحقُ نصفَ نظرةٍ من عينها..حاولتُ أن أجعلها تدورُ في فلكي هذهِ المرة فقلتُ لها :عموماً تذكرتُ الآن أسم العطر إنهُ : "1clive Christian 1872 " والرقم المصاحب للعطر يمثلُ السنة التي صُنعَ فيها بأمرٍ من فكتوريا ملكة بريطانيا شخصياً وكلُّ قطرةٍ من العِطر هي خلاصة 150وردة جوري..لم يكن من الصعبِ عليَّ أن ألاحظَ كيف أنها فوجئتْ تماماً بما قلتهُ لها..كأنها لم تتوقع مني تفصيلاً دقيقاً وغريباً كهذا وبتلك السرعة القياسية..ذلك ما قرأتهُ بوضوحٍ في وجهها على الأقل..سحبتْ إليها كرسياً وألصقتهُ بجنبِ مكتبي على غير عادتها ووضعتْ أصابعها على خدها وجلستْ تحدّقُ في وجهي تنتظرُ مني المزيد..يا إلهي..هذهِ الحيرة الطارئة التي التحقتْ بها مؤخراً كم صبّتْ في أقداحِ عينيها من خوابي الإعجاز مزيداً من خمورِ السحر والجمال..كأنَّ وجهها بدا لي لحظتها ملائكياً أكثر من الملائكة ذاتها..لكنَّ حيرتها هذهِ أكدتْ لي أنها وجدتْ في الأمر ما يستحقُ اهتمامها فعلاً وهذا ما سرَّني كثيراً..كان ذلك يعني أيضاً أنَّ بدايتي كانت موفقة تماماً لذا شجعتني على مواصلة الحرب بذاتِ الإيقاع من دون أيةِ خسائر فأضفتُ: هل تعرفين أنَّ الملكة فكتوريا أمرتْ في حينها بتوزيع هذا العطر على رُكاب سفينة تايتانك كنوعٍ من الترويج له؟قالت : حقاً؟ رائعٌ جداً..قلتُ لها : ليس تماماً لأنَّ مشكلة هذا العِطر أنهُ باهظ الثمن جداً ولا يقلُّ عن2350  دولار وهو مُسجلٌ في موسوعة غينيس كأغلى عطرٍ في العالم..اللافت في الأمر أنني كنتُ أحدثها بطريقةٍ بدتْ لها مثيرةً وآسرةً تماماً والذي أضفى مزيداً من الثقةِ على المشهدِ كلهِ نبرة صوتي الجادة التي لم تكن توحي بالكذبِ أو المبالغةِ أو المزاحِ على الإطلاق..في الحقيقة كنتُ أبدو وأنا أكلمها عن العطر أشبه ما أكون بمذيعٍ وسيم ذي وجهٍ شمعيٍّ صقيل يقرأ بهدوءٍ خبراً طريفاً في التلفاز عن عطرٍ ثمين كما نشرتهُ صحفُ اليوم..كلُّ ذلك جعلني أواصلُ السيرَ حتى النهاية فقلتُ لها: هل تعرفين أيضاً أن ما تشمينهُ الآن من رائحةٍ عطرةٍ ليست سوى قطرة واحدة وضعتها صباحَ اليوم في يدي ثم مسحتُ بها ملابسي وستظلُّ تلك الرائحة عالقة لأيامٍ طويلة حتى بعد غسل ملابسي..شعرتُ أنني أتقنتُ دَوري في اللعبةِ جيداً لأنَّ الحيرة كانت قد استولتْ عليها تماماً..خذيها مني إذن..فلتخسري كلَّ ما معكِ من نقودطالماتصرّينَ على شراءِ هذا العِطر الثمين لحبيبكِ السعيد.

زمّت شفتيها بغضبٍ ملائكي شفيف وأطرقتْ رأسها لبضعةِ ثوانٍ فشعرتُ بحجم الصدمة القاصمة التي أنزلتُها على رأسها وكأنني قرأتُ في شفتيها كلماتٍ مبهمة كانت تتمتمُ بها لكنني لم أتبينْ حروفها..في الحقيقة رقَّ قلبي لحالها كثيراً وأشفقتُ عليها جداً..في تلك اللحظةِ شعرتُ كأنني تحولتُ أنا نفسي إلى معصيةٍ كبرى لا تغتفر أبداً..ما الذي فعلتهُ بهذهِ الفتاة المسكينة؟ كيف لي أن أوقفَ هذه اللعبة القاسية بعد أن ورطتُ نفسي بالتوغلِ بتفاصيلها كل هذهِ المسافة؟ حاولتُ أن أتطهرَ قليلاً من ذنوبي التي سفحتها فوق حريرِ براءتها فسارعتُ لأطمئنها بقولي أن باستطاعتها إن كانت مُصرّةً على اقتناءِ العِطر أن تشتري نسخة تجارية مُقلَدة لكنها لا تقلُّ جودةً وفخامة عن الأصل وسعر العلبة حوالي 200دولار أي ما يعادل نصف راتبها تقريباً..لم يكن بوسعِ ذخيرتي الشيطانية أن تمدني بأكثر من هذا الذي قلتهُ لأصلحَ بعضاً مما أفسدتهُ على الأقل وأخفف عن ضميري إثم إيقاعها في شِراكِ الحيرة التي أوقعتها فيها لذا تعمدتُ بعد ذلك أن أصمتَ تماماً ثم لبستُ نظارتي من جديد ورفعتُ ورقة قربَ عينيَّ وحاولتُ أن أشغلَ نفسي بها لأوحي لها أنني أنهيتُ كلامي..كنتُ أتلصصُ عليها من خلفِ نظارتي فرأيتها قد صمتتْ هي الأخرى وسرَحتْ لبرهةٍ قصيرة فعرفتُ أن صدمة العطر الباهظ قد بلغتْ منتهاها فضاعفَ هذا من شفقتي عليها أكثر لكنني كنتُ في تلك اللحظة أعزلَ تماماً من أيةِ ذخائر حربٍ إضافية وشعرتُ في ذاتِ الوقت أنني أضعتُ جميع قوارب النجاة لي أو لها..رأيتها تسحبُ شهيقاً قصيراً ثم أتبعَتهُ بعاصفةِ زفيرٍ طويلة قبلَ أن تنهضَ فجأةً من كرسيها وترفعَ رأسها قليلاً لتوحي لي بنصرٍ قادم..كأنها أرادتْ أن توهمني أنها استعادتْ توازنها من جديد..وبحركةٍ تمثيلية لم تخلو من أداءٍ مُصطنع رفعتْ سبابتها مثل زعيمٍ يقرأ على شعبهِ قراراً جمهورياً حاسماً وقالت وهي تمشي إلى مكتبها بثقةِ مَن قررَ أن يخوضَ معركتهُ الأخيرة : لا يهُم..لا يغلى عليهِ أبداً..سأشتري العطر!

رفعتُ حاجبيَّ متعجباً من دونِ وعيٍّ مني لكنني لم أستطع أن أنبسَ بكلمةٍ واحدة..يا لإصرارها العجيب..هل يستحقُ حبيبها المحظوظ كلَّ ذلك حقاً؟ كم حسدتهُ في سِري لأنها قررتْ شراءَ هذا العطر كهديةٍ لهُ حتى مع علمها بثمنهِ الباهظ..كان العِطرُ الملكي يستحقُ بالفعل كلَّ هذا الثناء الذي أغدقتهُ عليهِ لكنهُ بالتأكيد لم يكن عِطري المفضل لأنني في حقيقة الأمر كنتُ أستعملُ عِطرَ Mercedesورغم أنني كنتُ في قرارةِ نفسي مقتنعاً تماماً بأنَّ عِطري أنا أروعَ عِطرٍ في العالم لكنَّ ذلك لم يمنع حقيقة أن الفرقَ بين العِطرين كان شاسعاً في كلِّ شيء..المهم أنني كنتُ أعوّلُ كثيراً على جهلها بالعطور الرجالية فمن أين لها أن تعرفَ سراً مثل هذا؟ لذا بالرغم مما بدا لي من ثقتها وهي تصدرُ قرارها الأخير إلا أنني كنتُ موقناً بأنها ستنسى الأمر كلهُ بعد قليل ولن تشتري هذا العطر أبداً..

(2)

 

في صباحِ اليوم التالي وصلتُ مكان عملي ووضعتُ أغراضي على المكتب كالعادة فوجدتُ ثمة علبة فاخرة من عطر 1clive Christian 1872 ..تجرأتُ وفتحتُ العلبة فوجدتُ بداخلها ورقة مكتوب فيها بخط أنيق : إلى أرَق وأعذب وأغبى وأكذب حبيبٍ مرَّ على قلبي !

يا إلهي! هل كانت تعنيني؟هل أنا حبيبها المفترض؟ لكن إن كنتُ كذلك فما معنىأن تهديني عطراً تعرفُ أنني أمتلكهُ أصلاً وأتعطرُ بهِ كلَّ يوم؟أعدتُ قراءةَ ما كتبتهُ لي ثانية وثالثة وعاشرة ولشدةِ غبائي ابتسمتُ أولَ الأمرِ ابتسامة غرورٍ ماكرة تشبهُ ابتسامة مَن انتصرَ أخيراً في معركةٍ قذرة لكنَّ كلمتَيْ "أغبى وأكذب" سَحَبتاني فجأة من أذني وضربتا رأسي بأقربِ جدار..كان الخطأ قاتلاً بالفعل..التفتُّ بعينيَّ باتجاهِ مكتبها فوجدتهُ نظيفاً وخالياً تماماً من جميع حاجياتها وملفاتها وأغراضها الخاصة بها..أين تُراها ذهبتْ ؟ أيُعقلُ أنهاغادرتْ إلى قسمٍ آخر بسبب كذبتي الغبية هذه؟يا لهُ من موقفٍ مُخجل هذا الذي وضعتُ نفسي فيهِ بلا داع..أيُّ شيطانٍ أرعن أقنعَ طواويسي المنتفخة أن كذبة سمجة وتافهة كتلك التي نسجتُ تفاصيلها لا يمكنُ لأحدٍ أن يفتضحَ أمرها وها هي تطيحُ بي أرضاً رغم أن الفرقَ بين رائحتي العِطرين كان صارخاً حدَّ الفضيحة؟ ما ضرَّني لو كنتُ أخبرتها باسمِ عطري الحقيقي؟ كم أنا مغفلٌ وأخرقٌ حقاً؟ كيف لي أن أواجهها الآن بعد أن ترجمتْ كذبتي هذهِ على أنها استخفافٌ بمشاعرها؟ أيُّ بلسمٍ يمكنهُ أن يداوي جُرحاً كهذا وكلُّ اعتذارات الكون لا تكفيني كي تسامحني؟لا شيء يبررُ الكذبَ والخداعَ في الحب وليس ثمة أعذارٌ مقنعة يمكنها أن تصمدَ إزاءهما..يا لَغبائي المزمن..أحسستُ في تلك اللحظة أنني خسرتُ حبيبتي إلى الأبد وأنَّ كلَّ مراثي الحزن لن تجدي نفعاً إزاءَ خسارة فادحة كهذهِ.

كانت المؤسسة تغصُّ بالموظفين والمراجعين وكانت أصواتهم تنثرُ الضجيجَ والفوضى في كلِّ مكان لكنني كنتُ أراها فارغة تماماً لأنَّ عينيَّ لم تكونا تبحثانِ إلا عن فتاةِ العطر ولا تريدانِ أن تُبصرا أحداً غيرها..بحثتُ عنها في كلِّ شبر..دخلتُ جميعَ الأقسام قسماً قسماً لكنني لم أجدها أبداً..كنت أركضُ في كلِّ اتجاهٍ كالمجنون وثمة داخل رأسي جبالٌ هائلة من أسئلةٍ مقفلة كانت تتجمعُ وتتناسلُ مثلَ سُحبٍ سوداء سرعان ما أمطرتْ بعنفٍ وتساقطتْ أمامي وكنتُ أرى رَشقاتها وهي تسابقني وتزاحمُ أقدامي اللاهثة وراءَ سرابٍ بعيدٍ تركتهُ لي حبيبة راحلة..حبيبة لم يبقَ لي غير أملٍ يشبهُ الوهمَ أن أراها الآنكي تجيبني قبلَ رحيلها على أسئلةٍ لا أطيقُ أن تظلَّ معي من دونِ أجوبة..فقط لو أن القدرَ يمنحني فرصة أخيرة لكي أراها حتى ولو كانت تلك آخر لحظاتِ حياتي..على الأقل كنتُ سأجثو حينها تحت قدميها كعبدِ مُقرّ بذنبهِ وأطلبُ منها الصفحَ والسماحوأقولُ لها: سامحيني..أنا نادمٌ حقاً عمّا أجرمتُ وأعترفُ لكِ بأسفٍ لا حدودَ له..لستُ غبياً وكاذباً فحسب بل أنا أسخفُ وأتفهُ وأقرفُمُغفلٍ يمكنُ أن تقابلينهُ يوماً في حياتك كلها..لكنني مع ذلك أطمعُ في عفوكِ وصفحكِ وأنا أثقُ تماماَ أن قلبكِ الكبير سيغفرُ لي كذبتي البيضاء هذه.

سألتُ عنها الجميع..كثيرون قالوا لي لم نرها اليوم أبداً ولا نظنها جاءتْ إلى العملِ أصلاً لكنَّ بعضهم أكدوا أنهم رأوها قبل قليل..أخيراً رأيتُ زميلة مقربة لها قالتْ لي أنها رأتها تدخلُ مبكراً قسمَ شؤون الموظفين وهي تحملُ ورقة بيدها..دخلتُ هناك وسألتُ الموظفة عنها..نظرتْ إليَّ باستغرابٍ وقالت: نعم.. كانت هنا بالفعل..

مرتْ عشرُ سنواتٍ على تلك الحادثة ولا زلتُ أحتفظ بهذا العطر معي مُغلقاً حتى اليوم..أصبحَ عطراً مُعتقاً بعَبقِ لعنةٍ قاتلة..سيظلُّ على ذاكرتي المتورمة ألا تنسى أبداً ما حييت أنني أصبحتُ في وقتٍ واحدٍ أسيراً لذكرى عِطرينِ لا أستحقُّ أن أشمَّ أياً منهما لأنني أضعتهما في يومٍ واحد ..عطرٌ نادرٌ باهظ الثمن لم أجرأ حتى اليوم أن أضعَ منهُ قطرةً واحدة أهدتهُ لي امرأةٌ لا أستحقها هي الأخرى..امرأةٌ من عِطرٍ أندر وأغلى.. كأنهما عِطرانِ امتزجا معاً فأصبحا عِطراً واحداً مَلئا قارورة شبَحية بائسة خبأتُها بين أكفانِ الموت وواريتها بيديَّ أسفلَ قعرٍ مظلمٍ في سراديب الذاكرةِ إلى الأبد.

كانت فتاةُ العِطر قد قدَّمتْ في نفسِ ذلك اليوم طلبَ نقلها إلى موقعٍ آخر..ولم أرها بعد ذلك أبداً !

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق