]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

غزوةٌ تنفضُ غبارَ القرون

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-12-12 ، الوقت: 13:04:16
  • تقييم المقالة:

غزوةٌ تنفضُ غبارَ القرون

 

محمد الحداد  /العراق

ما أقسى أن تبدوَ صغيراً مَمْهوناً في عينِ عدوك؟ ما أسوأ أنينظرَ إليكَ من طرفِ عينهِ دونِ أن يُبصركَ مُستأثراً لوحدهِ بترَفِ الحق المُطلق فيحذفكَ تماماً من سجلِ الأحياء ويقذفُ بكَ من فوقِ الصراطِ إلى أتونِ السعير من دونِ أن تطرفَ لهُ عينٌ كأنكَ سقط متاعٍ لم تكن من قبلُ أبداً لتستحقَّ أن يستبقيكَ ساعة من نهار..

أسوأ من كلِّ ذلك وأقسى أن تشعرَ دائماً أنكَ أسيرهُ حتى وإن كان بينكما بُعدَ المشرقين..أن تظلَّ رهينَ خوفهِ فيهددُ وجودُهُ وجودَكَ وتتنفسَ رهبة قدومهِ إليكَ في كلِّ لحظة..تنتظرهُ مثل كابوس خوفٍ وشيك لتمارسَ خوفكَ منهُ على أتم وجهٍ فتفتح لهُ أبوابكَ ليعتلي صدركَ ويكتمَ أنفاسك !

بعد عدةِ أشهر من تهديدهِ لفرنسا وأوربا بأسرها هاهوَ تنظيم "داعش" يضربُ باريس من جديد وهذه المرة في منتصف القلب تماماً..تكرارُ الضربِ بتلكَ القوة وفي أكثر من مكان وبهذا العدد الكبير من الضحايا كلها دلائل فشلٍ فرنسي وأوربي ذريع..لكنَّ الغريبَ أن غزوة "داعش" الفرنسية الأخيرة هذهِ رغم حجم مأساتها المروعة لم تكن مفاجئة لأحدٍ أبداً..وأعجبُ حقاً لمن يقولُ عكسَ ذلك..يكفي أن أجهزة المخابرات الفرنسية نفسها كانت تعرفُ منذ أشهر طويلة أن اعتداءاتٍ رهيبة يُعدُّ لها في الخفاء فوق أراضيها واتخذتْ كافة التدابير اللازمة لمنعِ حدوثها ومع ذلك وقعَ ما كانت تخشاهُ وبوسعكم العودة إن شئتم من جديد إلى فيلم إعدام المصريين الذي بثهُ تنظيم "داعش" أوائل هذا العام حينما هددَ الداعشي الملثم بفتحٍ قريب سيطالُ أوربا كلها وبعد ذلك تلقت فرنسا بالفعل أكثر من ضربة ومن المرجح جداً أن هجماتٍ أخرى ستقعُ أيضاً سواء في فرنسا أو في دول أوربية أخرى..

هذه المرة قررَ تنظيم "داعش" ومن دون استئذان أن يعتلي أرقى مسارح باريس بالقوةِ ليستعرضَ عضلاتهُ الإرهابية لوحدهِ فاختارَ مسرح "باتاكلان" الشهير..وفي ليلةٍ باريسيةٍ مضيئةٍ وساحرة ارتدى مسيو "داعش" قفازاتِ الموت السوداء..أطفأ الأنوار وأسرجَ ظلامهُ وابتدأ بعرضِ مسرحيته الدمويةِ المرعبة واستأثرَ لوحدهِ بجميع الأدوار فكان هو المؤلفُ والممثلُ والمخرجُ معاً أما جمهورهُ الحزين فقد كانَ تلك الليلة على موعدٍ مع أولِ وآخرِ فرصةٍ للظهور على المسرح حينما مَنحهم مسيو "داعش" دورَ الكومبارس الحزين وأذاقهم من يديهِالملطختين بالدمكأسَ الموتِ الأخير..

في هجماتِ باريس هذهِ أرسلَ تنظيم "داعش" إلى العالم أجمع رسالة مكتوبة بالدم قالَ لهم فيها أنهُ لا يزالُ حتى اليوم قادراً على أن يضربَ في أيِّ مكان يختارهُ حتى لو كان مُحصّناً بأعلى درجات الأمن..وهو في ذلك لا يزالُ يتبعُ ذاتَ الأسلوب الماكر الذي افتتحَ بهِ حربهُ البربرية المفتوحة مع العالم بأسرهِ وهو أسلوب الصدمة والتهويل وتوزيع الرعب على الجميع..فمن الواضح جداً حرص هذا التنظيم على أن يتركَ آثار أقدام الموت في كلِّ مكان يمرَّ منهُ أو يوجد لنفسهِ فيهِ موطئ قدم..ضرباتهُ المتكررة هذهِ ليستْ نتاجَ نهجٍ عسكري تقليدي كي نُدرجها ضمن سياق نظرياتِ الحروب المألوفة بما تشملها من تكتيكاتٍ وأساليب قتالية ونفسية مُتّبعة في كلِّ مكانٍ وزمان منذ أن أصبحت الحروبُ عِلماً قائماً يُعتدُّ به لأنهُ أضفى على كلِّ ذلك أبعاداً جديدة لم تكن تخطرُ سابقاً على بالِ أحد ووهبها في هذا المجال الكثير من خبراتهِ الإبليسية المتراكمة بعد أن ألبسها جميعَ أثوابِ الموت التي لم نكن نعرفها من قبل.

من جانبٍ آخر يحاولُ هذا التنظيم أيضاً في حربهِ المفتوحة مع العالم كلهِ أن يعطي عنهُ انطباعاً آخرَ بأنهُ هو وحدهُ الذي يستأثرُ بالتفردِ والإستحواذ على عنصر المبادأة دائماً من أجل أن يفرضَ شروطهُ على خصومهِ سواء كان ذلك في حروبِ الأرض المباشرة التي أشعلَ حرائقها ولا يزالُ حتى اليوم يُغذي نيرانها ويخوضُ غمارها في أكثر من بلد أو على مستوى هجماتهِ المتفرقة هنا وهناك والتي يمارسُ فيها أسلوب اللدغ والهرب متى ما كانت الأرضُ ليست بيدهِ تماماً بأمل إحداثِ خروقاتٍ صارخة في القدراتِ الدفاعية لأصحابِ الأرض..يأتي كلُّ ذلك بالتزامنِ مع محاولاتهِ المتكررة في فتح جبهاتِ قتالٍ متعددة في وقتٍ واحد وإدارة وتوزيع اتجاهاتِ الصراع وتغيير دفتها في كلِّ مرة من أجل الإمعان في إرباكِ خصومهِ وتجريدهم من زمام السيطرة وتشتيت آلياتِ الجهدِ العسكري المُضاد..إتباع كلّ تلك التكتيكات القتالية بتلك الاحترافية وبهذا النفس الطويل يدلُّ بلا شك على حجم الاستعدادات العالية التي يحرصُ هذا التنظيم على امتلاكها في كلِّ وقت..كما أنهُ يشيرُ أيضاً إلى أن المعركة معهُ ليست تقليدية أبداً ولأنها كذلك فمن البديهي ألا تكون سهلة أو قصيرة الأمد على الإطلاق خاصة إذا ظلَّ التكتيك العالمي المضاد لهذا التنظيم يسيرُ على ذاتِ النسق البطيء والارتجالي المتخبطالذي لا يتناسب أبداً مع حجم الخطر البربري المحدّق بالجميع بلا استثناء.

ثمة ميزة مهمة تبدو كأنها محسوبة بدقة وباتَ تنظيم "داعش" يستثمرها بوضوح ودلتْ عليها هجماتُ باريس الأخيرة وما سبقها أيضاً وهي أن أذرعهُ الجديدة التي أصبحَ يعوّلُ عليها كثيراً في "غزواتهِ" الأوربية الجديدة هي في أغلبها من جيلِ الشباب الأوربي ذاته..أعني مواطنين من نفسِ البلاد التي تتعرضُ للهجماتِ الإرهابية ومن ذاتِ نسيجها الاجتماعي أو من بيئةٍ مقاربةٍ لها على الأقل من أجلِ أن لا تدور حولهم علامات استفهام مريبة فيلفتونَ إليهم الأنظار..وأفرادُ هذا الجيل المُعدَّل عن الأجيال التي سبقتهم وإن كانوا يمثلونَ امتداداً طبيعياً ونتاجاً متوقعاً لهم بما ورثوهُ منهم من خبراتٍ قتالية وحركية متراكمة إلا أنهم تفوقوا كثيراً على سابقيهم كونهم أصبحوا اليوم أكثر زئبقية ويتمتعونَ بحريةٍ نسبية أكبر على الحركة والاتصال والمراوغة والتمويه وما إلى ذلك..وقد رأينا كيف أن الكثيرَ من أعضاء تنظيم "داعش" الذين قاموا بالعمليات الإرهابية الأخيرة خاصة في أوربا كانوا متماهين تماماً مع بيئاتهم الاجتماعية التي كانوا ينطلقون منها وينفذون إرهابهم بأريحية نسبية بسبب توغلهم العميق في أدق تفاصيل الحياة فلغتهم وأعمالهم وعاداتهم وقبل كل ذلك سحناتهم لا تشي بهم أبداً مما يصعّبُ كثيراً على السلطات مراقبتهم وإحصاء تحركاتهم واقتناصهم قبل أن ينفذوا عملياتهم الإرهابية..ثم أن اثني عشرَ عاماً من خبراتِ القتال المتراكمة منذ أن دخلت القوات الأمريكية إلى العراق وما تلاها من حروبٍ لا تزالُ مستعرة في العراق وسوريا وغيرهما أكسبت التنظيم المزيد من الغرور في فرض وجودهِ كأمرٍ واقع إلى درجةٍ تجرأ معها أنيرتكبَ مجازرلا يمكنُ لعقلٍ بشري أن يحيط بأهوالهاويضارعُ في بربريتهِ كلَّ ما قرأناهُ في كتبِ التاريخ عن مجازر العصور الوسطىوسواها..

الأقسى من الخوف هو انتظاره..تماماً مثل وحشٍ أسطوري قديم تعرفُ أن لا وجودَ لهُ لكنك تعيدهُ إلى الحياةِ قسراً بسطوةِ الوهم مُصرّاً أنهُ سيمثلُ أمامكَ في أيةِ لحظة ليقضَّ مضجعكَ.

لا يبدو لي أن مسرحية الدم التي ابتدأ تنظيم "داعش" عرضَ فصلها الأول على مسرح "باتاكلان" الباريسي ستنتهي أحداثها المروعة قريباً فثمة بلا شك فصولٌ أخرى سيعرضها على مسارحَ جديدة وفي بلادٍ عديدة لأن الكهوفَ المظلمة بدأتْ تُخرجُ خفافيشها ووحوشهاوهاهيَ تنسلُّ إلينا من كلِّ حدَبٍ وصوب وهم ينفضونَ عنهم غبارَ القرون..

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق