]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الاغتراب

بواسطة: فواد الكنجي  |  بتاريخ: 2015-12-08 ، الوقت: 00:39:55
  • تقييم المقالة:

                        الاغتراب

 

 

                                         فواد الكنجي

 

الاغتراب هو إحساس يسبب للفرد شعورا بالعجز حول  قدرته على تغيير الوضع الاجتماعي الذي يعيش فيه، وبمعنى أخر هو إحساس مضطرب وعجز في شبكة علاقات يشعر به الفرد مع الآخرين، في العائلة او في مؤسسات أخرى، حيث يشعر بأنه غير قادر على التأثير وانه يدفَع إلى الهامش، ويشعر بالقمع الأخر له،  وانه يسيطر عليه وعلى مستقبله علاقات القوة والسيطرة والعنجهية، بحيث أنه لا يستطيع التأثير أو تغيير أشكال السيطرة سواء كانت داخل العائلة أو في مؤسسات محيطه الخارجي وإنها تعاقب الفرد في حالة خروجه عن الأيديولوجية السائدة، و حينما لا يجد قناة لينشط  من خلالها فان الفرد يشعر بالاغتراب .

 وبشكل عام يعرف (الاغتراب) بوصفه إحساس الإفراد بالغربة عن بعضهم البعض او عن موقف او عملية معينه، فالغربة هي نتائج للبناءات الاجتماعية التي تقهر الإنسان وتنكر عليهم جوهرهم الإنساني، وفكرة (الاغتراب) تطغي اليوم على الأدب والفن المعاصر كما تطغي على تاريخ الفكر الاجتماعي بصورة عامه .

ومع بوادر ظهور علم الاجتماع كعلم مستقل، بدأ مفهوم (الاغتراب) يشهد تحولات عملاقة بإسهامات مؤسسي علم الاجتماع من(إميل دوركايم) و(ماركس) و ( ماكس فيبر) و (كارل مانهايم)،  بما أدخلوا على المفهوم دلالات جديدة كليا والتي جلها تتعلق بما قاموا من تحليلات على واقع المجتمع.  

لقد وجد (الاغتراب) طريقه إلى العلوم الاجتماعية  بشكل رئيس واضح عن طريق (كارل ماركس) حيث هيمن مفهوم (الاغتراب) على كل كتاباته، وان جل مناقشاته الاجتماعية للمفهوم (الاغتراب) ترتبط بهذا الصورة و تلك بما ذهب إليه (ماركس) الذي يفسر- كما ورد في مخطوطاته - بأن "الاغتراب ما هو الا عملية اجتماعية و حالة نفسية تنتج من خلال المشاعر الكامنة للعزلة والعجز".

وعلى مر تاريخ شهد الفكر الإنساني  تباين واختلاف  أراء المفكرين في تعريف واستخدام مصطلح (الاغتراب)، ولعل سبب في هذا الاختلاف والتباين يعود الدرجة الأولى إلى المنطلق الذي يحدد به زاوية النظر إلى هذا المصطلح، ومع هذا فإن النظريات الحديثة لموضوع (الاغتراب) قد انصبت حول دراسة (مستوى المواقف لسلوك الاجتماعي) وهذا متعلق بالمزايا الجوهرية للتركيب الاجتماعي في مجتمع  ما .

إن صعوبة وضع تحليل شامل وعام لمفهوم ( الاغتراب) كمصطلح  يعود نتيجة للمواقف النظرية المتباينة لوضع أسس فكرية للبحث الاجتماعي تنعكس في حقيقة استعمال هذا الاصطلاح من قبل عدة مدارس فكرية كعلم الاجتماع والفلسفة والسياسية وعلم النفس و الوجودية، ولما كأن موضوع (الاغتراب) متصل بعلم الاجتماع لعلاقته بتفسير أنواع السلوك الاجتماعي فهو من وجهة نظر دينية سواء من وجه نظر الديانة اليهودية او المسيحية او الإسلامية تلتقي على مفهوم أساسي واحد للاغتراب بمعنى (الانفصال)، أي انفصال الإنسان عن الله، وانفصال الإنسان عن الطبيعة ــ الملذات والشهوات ــ وانفصال الإنسان (المؤمن) عن الإنسان الغير المؤمن، وان المفهوم الديني لـلاغتراب عن الآخر وعن الطبيعة ينطوي على أن (الاغتراب) ظاهرة حتمية في الوجود الإنساني وحياة الإنسان على الأرض، فمن وجهة نظر دينية ما هي إلا غربة عن وطنه الأسمى الذي هو وطنه السماوي.

أما وجهة النظر علوم الفلسفة لهذا المصطلح فتكاد تنحصر بآراء الفيلسوفين (هيجل) و(ماركس)، رغم ان هنالك فلاسفة لا يقل عنهما أهمية كتبوا في هذا الموضوع كتابات جادة ومهمة  ولكن البنية الأساسية لمفهوم ( الاغتراب ) بنيت من قبل هاذين العملاقين، إذ أنهما رائدا البحث في هذا الموضوع على المستوى الفلسفي، وقد حدد فلاسفة الوجوديون فكرة الاغتراب عند (هيجل) و(ماركس) بنظرة شمولية واحدة تتجسد في أنه ".. انعكاس لتصدعات وانهيارات في العلاقة العضوية بين الإنسان وتجربته الوجودية وبين الذات والموضوع وبين الجزء و الكل وبين الفرد و المجتمع وبين الحاضر و المستقبل..".

أما علم النفسي فان منطلقه يدور في تحديد مفهوم (الاغتراب) في إطار " .. العزلة واللاجدوى وانعدام المغزى الذي يشكل نمطا من التجربة يعيش الإنسان فيه كشيء غريب ويصبح غريبا حتى عن نفسه..". والمقصود بـ(الاغتراب عن النفس) هو افتقاد المغزى الذاتي والجوهري للعمل الذي يؤديه الإنسان وما يصاحبه من شعور بالفخر والرضا، وبديهي أن اختفاء هذه المزايا من العمل الحديث يخلق شعورا بـ(الاغتراب عن النفس) وهذا ما يصاحبه من الاضطرابات العقلية التي تجعل من الإنسان غريبا عن ذاته ومجتمعه ونظراته .

 وهنا يطرح السؤال نفسه هل (الاغتراب) حالة إنسانية دائمة أم حالة مؤقتة..؟ بمعنى هل يمكن تجاوز الاغتراب أم لا...؟ وإذا كان جوهر المنظومة الاجتماعية في عموم مجتمعات العالم هي التقدم .. وتراكم المعرفة .. وإنتاج السلع .. وتزايد التحكم في الذات والطبيعة، فهل يؤدي التقدم إلى تناقص مشاعر (الاغتراب) أم  إلى تزايده..؟

 يرى (فرويد) -على سبيل المثال وليس الحصر- بأن (الاغتراب) هو اغتراب عن اللبيدو (دوافع الإنسان الجنسية)، ومن ثم فإن (الاغتراب) مرتبط بالحضارة ومتطلباتها و أن إنهاء (الاغتراب)  أمر مستحيل حتى لو تم إلغاء المجتمع الطبقي، ويرى (الوجوديون) بأن (الاغتراب)  حالة نهائية فكل إنسان يحيا ويموت وحيدا غريبا عن نفسه وعن الآخرين بهذا الشكل أو ذاك.

أما المعطيات الحديثة لعلم النفس التجريبي والعلوم الأنثروبولوجي فإنها تشير إلى وجود حالة من الانسجام بين الإنسان والطبيعة، بين الإنسان والعالم الموضوعي المحيط به، بين الإنسان وعمله في الأشكال المبكرة لمعيشة الإنسان (كما في مجتمع القطاف، ثم الصيد والقنص، ثم الرعي والزراعة البسيطة المتنقلة) السابقة للزراعة المستقرة، فيومئذ كان الإنسان والطبيعة لا ينفصلان بل كان يعتبر الحيوانات امتدادا لوجوده و جزءا من جماعته هو، بل كثيرا ما أطلق عليها أسماء محببة، ولكن بعد ذلك فإن ما حصل جاء منذ ان أصبح نشاط الإنسان يوجهه شيء آخر غير ردود فعله الآلية الخادمة لحاجاته، منذ ذاك الوقت بدأت مغامرة التأمل الكبرىوهذا ما أدى إلى تفاقم  مشاعر (الاغتراب) عن عمله في ظل ما آل إليه المجتمع الصناعي من تقسيم العمل ودخول الآلة الملقنة والتحكم بسرعة العمل والإنتاج، حيث (لم ينفصل الإنسان عن خيرات إنتاجه وحسب، بل وانفصل عن العملية الإنتاجية العامة بأسرها، ولم يعد يرى دوره إلا كقطعة من منظومة كبرى عمياء تخضع لسلطانها ولحركاتها وبما شلت عنه  كل قواه المادية والروحية. (

فالوجوديون وان كانوا أكثر قربا مما ذهب إليه علم النفس ولكن كتباتهم عن (الاغتراب)  جاءت بنكهة عصرية، فقد  استعمل (جون بول سارتر) مصطلح (الاغتراب)  بدلالة مختلفة حيث استخدم (سارتر) في كتابه (الوجود والعدم) مصطلح (الاغتراب) فيما يتعلق بـ(ظاهرة معايشة المرء لذاته) على نحو ما تنظر إليه ذات الآخر، أي كموضوع حيث يقول : ".. إن المرء يسلب نقاء ذاتيته من خلال الوعي بوجوده كموضوع بالنسبة لآخر له بصفة الذات، وأن بعد الموضوعية الخاص بالمرء الذي يصبح واعيا به على هذا النحو هو موضوع غريب بالنسبة له باعتباره ذاتا .."  أي أن الإنسان يصبح غريبا عن ذاته بفعل الصورة التي يعكسها الآخر عنه والتي لا تكون متطابقة مع صورة ذاته التي يحملها.

لقد عالج (سارتر) مفهم (اغتراب الذات) من خلال معايشة الفرد لذات أخرى غريبة عنه هي تلك الذات التي تفرضها نظرة الآخر، لذلك فإن (الاغتراب)  عن الذات يتضمن وعيا مؤلما بغياب الذاتية الحقيقة للفرد، فإن (الاغتراب) الذي يتحدث عنه (سارتر) يطرح ".. باعتباره يواجهنا لا بتناقض يتعين التغلب عليه، وإنما بحقيقة حول أنفسنا يتعين علينا إقرارها.."  وبهذا يكون (سارتر) أوضح بعدا مهما من أبعاد (الاغتراب)  كما تتناوله الدراسات الحديثة ألا وهو (اغتراب الذات) أو (الغربة عن الذات)، كما لا يمكن تجاوز حقيقة أن (سارتر) ليس الوحيد الذي تكلم عن (اغتراب الذات) فقد اهتم به كذلك كل من (ماركس) و( رايت ميلز) و (إريك فروم ) الذين كانوا يرون أن الغربة مرادفة للاغتراب، مع العلم أن ( كارل ماركس ) استعملا مصطلح (الغربة عن الذات) في كتباته عن (الاغتراب). فاغتراب الإنسان هو اغترابه عن ذاته وجوهره الإنساني و عن إمكانياته الإنسانية وعن الآخرين (المجتمع). ومن هنا فان( الاغتراب ) في تفسير الفلسفة تشير إلى غربة الإنسان عن جوهره وتنزله عن المقام الذي ينبغي أن يكون فيه، كما تشير إلى (عدم التوافق بين الماهية والوجود)، فالاغتراب نقص وتشويه وانزياح عن الوضع الصحيح.

 فـ(الاغتراب) في فلسفة (توماس هوبز) مسألة خاصة بعلاقة الفرد بالمجتمع، فحالة الطبيعة هي حالة الاستعداد والترقب الإنسان بكونه لا يستطيع أن يحقق أمنه وبقاءه (الحالة الإنسانية) إلا من خلال الدولة، فكأن الإنسان يمكنه أن يتجاوز الاغتراب من خلال الدولة العلمانية، أما ( جان جاك روسو) فقد رأى أن (الاغتراب) هو انقطاع الإنسان عن طبيعته الأصلية التي يمكن أن تكون إما أصوله البدائية أو طبيعته الجوهرية الثابتة، والتغلب على الاغتراب هو العودة إلى هذا الجوهر (الثابت أو البدائي).

 ولعل ما طرحه (هيغل) للموضوع (الاغتراب) له نكهته الفسلفية لان كل ما كتب عن ( الاغتراب ) كتب معتمدين عى ما طرحه (هيغل) من افكار، فـ(الاغتراب) عنده هو" انفصال الجزء عن الكل، ويحدث هذا عندما يقوم العقل المطلق (الفكرة المطلقة الإله) بخلق الطبيعة والإنسان، فهو بذلك قد طرح جزءا منه خارجه وأصبح هذا الجزء غريبا عنه ((وهذا ما يسمى بـ(اغتراب الوعي) عن عالم الطبيعة والأشياء الطبيعية، وانقسام الذات عن الموضوع)) والخلاص هو عملية إنهاء الغربة وحالة النفي، وهي حالة لا يستطيع (الإله) أن يقوم بها إذ لابد للإنسان أن يقوم بها فيعيد( للإله -العقل المطلق) سيطرته على الطبيعة من خلال فهمه لها وسيطرته عليها وتوحده بها (التوصل للغنوص) بحيث تصبح الذات موضوعا والعقل واحدا مع الطبيعة، أي أن العقل المطلق يستعيد الطبيعة من خلال فهم العقل المتناهي (الإنسان) لها والسيطرة عليها. وليس التاريخ سوى محاولة الإنسان الدائبة أن يتعرف على الطبيعة ومن ثم تنمية وعيه بالمطلق".

وقد رفض (لودفيغ أندرياس فيورباخ) وحدة الوجود الروحية وطرح بدلا منها وحدة وجود مادية، فأنكر" أن يكون الإنسان إلها مغتربا عن ذاته، فالعكس هو الصحيح، فالإنسان خلق الإله وأسقط عليه جوهره الإنساني ثم خرّ له ساجدا وكأن الإله هو الذي خلقه. ولذا، لكي يتجاوز الإنسان غربته، عليه أن يسقط فكرة الإله ويكتشف جوهره الإنساني".

ومن هنا فان موضوع (الاغتراب) عند (فويرباخ) مبنية على أن التدين هو الذي ميز الإنسان عن الحيوان، ويرجع هذا التمييز إلى أن لدى الإنسان شعورا ووعيا بالمعنى الدقيق للكلمة، حيث تتمايز الحياة الداخلية للإنسان عن حياته الخارجية، وحيث يطمح الوعي إلى الوعي باللانهائي، وحيث الذات والموضوع يتشاركان، ولكنهما يبقيان مستقلين، بل إن الإنسان يعي ذاته عن طريق الموضوع والوعي بالله عنده هو وعي الإنسان لذاته، وما الدين إلا إظهار لكل ذلك الغنى الإنساني والاعتراف بوجوده، حيث الله حاضر في روح الإنسان نفسه، فالدين في رأي (فويرباخ) كما يقول : "..الدين هو اعتراف غير مباشر بالإنسان سيدا لهذا العالم، ولكن بالواسطة، وأنه بذلك لا يشكل بحد ذاته ظاهرة ناتجة عن الاغتراب..."

ومن هنا فإن (فويرباخ) يبني نظريته في (الاغتراب) على أساس التفريق بين المحتوى (الوجودي) للدين وبين محتواه (الأسطوري، الاغترابي، الشعائري) فالاغتراب عنده هو الاغتراب عن الذات.

 الاغتراب بدأ عند الفصل بين الذات، كمشروع نحو المطلق، وبين المطلق ذاته، هو يبين بأن الدين في وصفه الأنثروبولوجي للإنسان، كان يصف الإنسان قبل أن يقع فريسة للاغتراب، في حين يشكل الوجود الأخلاقي للإنسان عنده وجودا مطلقا.

ومن هنا نجد بان (ماركس) وافق على موقف( فيورباخ) وأضاف " أن الغربة الدينية ليست إلا أحد أشكال غربة الإنسان عن ذاته" ، فالإنسان هو الذي يصنع طبيعته ويصوغها (فهو ليس له طبيعة أصلية أو جوهرية) ولكنه بدلا من أن يركز على مظهره الإنساني فإنه يخلق الإله من نفسه كما يقول (فيورباخ) والأكثر من هذا أنه يخلق من نفسه كذلك قوانين ومبادئ ومؤسسات اجتماعية وفلسفات وسلعاً مادية ورؤوس أموال وينفصل عنها فيشعر بالاغتراب وكأنها لم تكن له وكأنه ليس خالقها، ثم يبث فيها من روحه حتى تدب فيها الحياة( فتتوثن هي ويتشيأ هو) فتستحيل مخلوقات مستقلة يقوم هو بعبادتها، فالإنسان المغترب عن ذاته ليس في الحقيقة إنسانا، فهو لم يعرف نفسه ولم يع تاريخه أو إمكانياته، أما الإنسان غير المغترب، فهو الإنسان الحقيقي الذي يتجاوز حالة الانفصال هذه ويتحكم في الطبيعة وفي كل ما تنتجه يداه، ويحقق لنفسه الحرية ويتحكم في مصيره، ومن هنا فان (ماركس) حاول الاستفادة مما طرحه (هيغل) و (فيورباخ) فخرج بمعطيات فكرية لتفسير حالة (الاغتراب) بشكل واقعي .

وقبل البحث في نظرية الاغتراب في التراث (الماركسي ) لا بد لنا من تسليط الضوء على المفهوم (الهيغيلي) لـ(الاغتراب) وذلك انطلاقا من بديهية علاقة الاستمرار والتجاوز التي تربط بين تكوين المنظومة (النظرية الماركسية والأصول الهيغيلية ) المهيمنة على هذه المنظومة، و إن كان (لينين) قد اعتبر لاحقا انه لا يمكن فهم كتاب (رأس المال) بدون العودة إلى منطق (هيغل) ، فنحن لا يمكننا فهم مقاربة (ماركس) لمفهوم (الاغتراب )من دون المرور بالمقاربة (الهيغيلية) وذلك رغم تأكيد الكثير من المحللين بان( ماركس) لم يكن يوما (هيغليا ) ولا كان (فويرباخيا), بيد ان (ماركس) كتب في ملحق (الطبعة الثانية لـكتابه - راس المال) ما نصه : (( حين كنت أؤلف الجزء الأول من كتاب (رأس المال) كان أبناء الجيل الجديد، أولئك النزقون المدعون التافهون الذين يسيطرون اليوم على ألمانيا المثقفة، يزهون بان يعتبروا (هيغل - كلبا ميتا)، لذلك أعلنت نفسي صراحة تلميذا لهيغل هذا المفكر العظيم...)) معتبرا إن "الدايلكتيك عند (هيغل) يسير على رأسه، ويكفي إعادته على قدميه لكي ترى له هيأة معقولة تماما" .

إن البحث عن التصور الهيغلي لمفهوم (الاغتراب) يستدعي منا لا محال البحث والتحليل في أعماله المتعلقة بهذا المفهوم، إذ سنجد أن استخدام (هيغل) لهذا المفهوم هو ذو طابع مزدوج، أي أنه استخدم هذا المفهوم في اتجاه يشير إلى (سلب المعرفة) من جهة ومن جهة أخرى يشير إلى (سلب الحرية) باعتبار هذين البعدين أساسين يقوم عليهما الفهم ألنسقي لمفهوم (الاغتراب.(
أن الروح عند (هيغل) هو الخالق للعالم، والعالم هو منتجها المستلب أو المتخرج عنها. إن سائر ظواهر الطبيعة والمجتمع وتاريخهما، إنما هي استلاب للروح، أو خارجات عنها، ثم يضيف أن "..الإنسلاب و التشيؤ في موضوع التحول إلى آخر، هو خارج منه بفقدان الوحدة و بفقدان الطابع الكلي... كل هذه المفاهيم تعبر عن العلاقة المفضية إلى( الاغتراب) أو (حالة الاغتراب).." ومن ثم، فان (هيغل) استعمل مصطلحين قد يعبر أحدهما عن الآخر، إذ خروج الفكرة من الروح يفقدها كمالها، وبالتالي تصبح غريبة عن الفكرة المطلقة الأساسية التي انطلقت منها، فيتولد الاغتراب " أي فقدان الوحدة كما الخروج في حد ذاته هو الانفصال أو الاستلاب وبالتالي يمكن اعتبار التخارج هو نفسه الاغتراب". ويستمر تحليل (هيغل)  فيرى "..أن الفكرة المطلقة تعود إلى الوحدة بالطبيعة فترفع الاغتراب، أي تنفيه، وهذا النفي غني لأنه يحقق وحدة أعلى، إنه إلغاء وصيانة في الوقت نفسه، هذه الوحدة بين الفكرة والطبيعة تتجسد في الإنسان (الروح الذاتي)" ، بهذه السلسلة من التخارج والاغتراب يتكون لدى الفرد الوعي الذاتي، وهذا يوحي بأن (الاغتراب) ذو معنى إيجابي.

إضافة إلى المعنى الإيجابي الذي بدا في تحليلات (هيغل) لمفهوم (الاغتراب) تذكر دائرة المعارف البريطانية أن (هيغل)  يرى الاغتراب "..واقع وجودي متجذر في وجود الإنسان في هذا العالم، فثمة انفصام موروث بين الفرد بوصفه ذاتا مبدعة خلاقة، تريد أن تكون وأن تحقق نفسها وبين الفرد موضوعا واقعا تحت تأثير الآخرين واستغلالهم.." وهذا هو التناول السلبي لمفهوم ( (الاغتراب) عند (هيغل).

 ومن خلال هذه الفكرة مبسطة عن (الاغتراب) لدى (هيغل) فان الإنسان عند (هيغل)  يخرج ماهيته باستمرار و هو لا يتعرف على نفسه كإنسان إلا أمام ما ينتجه من أعمال منفصلة عنه، والحركة الجدلية هنا تنطلق من هذا الانفصال، فالفكر يتموضع على شكل وقائع مادية وثقافية، فالعالم الموضوعي يبدو كـروح مغتربة، ولكن عليه إن يجسد من جديد تلك الماهية المموضعة، أي إن الفكر يخرج من ذاته فيتجسد في الإنجازات الاجتماعية والثقافية الكبرى لكنه ما يلبث ان يكتشف أنه سليب في ما أنجزه وغريب عنه، فلا يلبث أن يتخطى اغترابه السابق ليعبر إلى مرحلة جديدة، ومن هنا فان( تاريخ الإنسانية أو تاريخ الروح، ليس سوى تاريخ الاغترابات الضرورية و المتتالية التي يمر بها والتي يشكل مجموعها ماهيته)، فـ(الاغتراب) عند (هيغل) مرحلة ضرورية يعبر فيها الفكر عن ذاته ثم يتخطّاها، ويتحدد الجوهر الإنساني في نهاية التاريخ في مجموعة الاغترابات التي مر بها الإنسان، فموقف (هيغل) من (الاغتراب) هو موقف نظري بكون (الاغتراب) مرحلة ضرورية وعابرة ووسيلة لخروج الفكر من ذاته ولبلورة محتواه، و(الاغتراب) هنا يشكل تصدع الذي يحدث داخل النشاط الفكري الخلاق، ففي جميع ميادين الحياة و الفكر يضع الإنسان نفسه خارج ذاته، ويجعل نفسه غريبة عنه و يقوم بإنشاء عالما موضوعيا لا يتعرف فيه على نفسه، لكن هذا الضياع هو أغناء في نفس الوقت، فلولا هذا الاغتراب لما تمكن الفكر من معرفة إمكانياته الحقيقية و لما حقق تلك الإمكانيات.

و ( هيغل) في كتابه ((أصول فلسفة الحق)) يستحضر (جان جاك روسو)، و ينقل مفهوم الاغتراب الى الميدان القانوني، فيصبح (الاغتراب) اللحظة الثالثة من لحظات فعل الملكية، وهو يعني نقل الملكية و "..انغماس الإرادة وارتدادها من الشيء الى ذاتها.." بعد ان تجسدت هذه الإرادة على نحو مباشر عبر حيازة الشيء (اللحظة الاولى) والتي تليها لحظة استعماله او استهلاكه،
و(الاغتراب) هنا يملك وجهين، فهو (سلبي ) لأن نقل الملكية الى الآخرين تعني التنازل عنها، وهو (ايجابي) ألان الشيء الذي يتم التنازل عنه يؤكد ملكيته لمن يتنازل عنه، وقد يتم التنازل لا عن الأشياء الممتلكة كقطعة ارضٍ مثلا، بل أيضا قد تتنازل الإرادة عن "..المواهب الذهنية، والعلم والفن، بل أمورا دينية كالمواعظ والقداسة والبركات وكذلك الاختراعات وما على شاكلتها، تصبح موضوعات للتعاقد، ويعترفا بها ويتعامل على نفس النحو التي تُعامل به موضوعات البيع والشراء.. لا بل إن نفس المبدأ قد يطبق على (الانتحار) عندما ينظر المرء الى حياته على أساس ملكه الخاص.."، ولو ان (هيغل) عن (الانتحار) يقول في هذا الخصوص:".. إنني بوصفي هذا الفرد لست سيدا لحياتي، لان الحياة بوصفها المجموع الشامل لنشاطي ليست شيئا خارجيا عن شخصيتي (بحيث استطيع ان أمله) لكنها هي نفسها هذه الشخصية المباشرة..

ويستمد( ماركس) من (هيغل) مفهوم ( الاغتراب) لكنه يمده بمعنى خاص به، (الاغتراب )عند (ماركس) حالة سلبية مطلوب نقضها والقضاء عليها لأن الإنسان يفقد ذاته فيها، وفيما كان موقف (هيغل) من (الاغتراب) نظري فان موقف (ماركس) منه عملي وأخلاقي وكما يقول" إنه وضع شاذ يجب إنقاذ الإنسان منه" وبين وراء هذين الموقفين نظرة مختلفة إلى الجوهر الإنساني حيث يتحدد الجوهر الإنساني عند (هيغل)، في نهاية (التاريخ) وهو مجموعة الاغترابات التاريخية التي مر بها الإنسان، بينما جوهر الإنسان عند (ماركس) سابق على (الاغتراب) ومستقل عنه، فالجوهر الإنساني هو مجموع كل العلاقات الاجتماعية التي هي في نهاية المطاف من صنع الإنسان نفسه في مسيرة التاريخ العالمي،وفيما يطل (هيغل) على ((الاغترابات من موقع المعرفة المطلقة فيحاكمها ويقيمها إيجابيا))، يطل عليها (ماركس) من موقع عملي – أخلاقي، ((الاغتراب موقف يغترب فيه الإنسان عن ذاته ومطلوب محاربته والقضاء عليه)). يرى (هيغل) في (الاغتراب) خروجا من الذات وأداة لإغنائها أما (ماركس) فقد ربط (الاغتراب) بالعمل المأجور وتموضع الإنسان بالنسبة له، فالإنسان ينتج عملاً لكنه يصير عبدا له، بمعنى أنه يشعر بالغربة عما تنتجه يداه، وتتفاقم هذه الغربة، إذ أن في العمل إمكانات حقيقيةً لتفتح طاقات الفرد وتطوره، وهكذا حول (ماركس) الاغتراب من ظاهرة فلسفية ميتافيزيقية، كما كان عند (هيغل)، إلى ظاهرة تاريخية لها أصولها التي تنسحب على المجتمع والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية. وبهذا المفهوم يكون الإنسان مغتربا بكل معاني الاغتراب عند (ماركس) وفي كل مستويات الحياة، في الدين، في الفلسفة، في السياسة، في الحياة الاقتصادية، وهو يرجع مختلف أشكال (الاغتراب) التي يلاحظها في المجتمع إلى إستلاب أساسي، هو إستلاب الطبقة العاملة في نمط الإنتاج الرأسمالي، وذالك لا يعني إنه يهمل وجود الأشكال الأخرى للاغتراب ، ولكنه يربط ذلك الوجود بظاهرة اقتصادية شاملة هي منبع تصدع الإنسان والعلاقات الإنسانية وإفقارهما، وبالتالي نقده لكافة الاغترابات لا يمكن لها الا ان تمر تحت مبضع النقد الاقتصادي السياسي للنمط الرأسمالي في علاقات قواه الإنتاجية، وهنا يقول (كارل ماركس) في مخطوطات عام 1844 ".. يزيد عالم البشر فقرا كلما أزيد عالم الأشياء غنى.." وإذا كان (ماركس) لم يستخدم لفظ الاغتراب بعد 1845 إلا قليلا، فذلك لأنه أهتم بإثبات الآلية التي يرجع وفقها اغتناء عالم الأشياء عن طريق العمل ضد العامل، ومع ذالك فإن (ماركس) يتشبث بوجود (الاغتراب) على المستوى الفكري،فـ(الاغتراب)  عنده ذو واقع سلبي يشوه هوية الإنسان وجوهره والمطلوب نقده، وتحويل هذا النقد إلى ممارسة سياسية بغية التغير، ولكن ما هي هذه الهوية الإنسانية التي يريد (ماركس) ان يعيدها للإنسان بعد ان افقده إياها في (الاغتراب)...؟

حتى ندرك أبعادها في الفكر الماركسي علينا أن نحدد مفهومي الكليّة والإنسان الشامل، ومن هنا فان (الكلية) حسب مفهومه يأتي من خلال تفسيره لحالة الفرد في المجتمع المعاصر حيث يعطي له بعدان متعارضان، فهو من جهة، مواطن يشارك في الدولة، أي في (الكلية)، لكن مشاركته فيها تقتصر على المساهمة في عملية الاقتراع التي تحصل كل أربع أو خمس سنوات، وهو من جهة ثانية، ينتمي إلى ما يسميه (هيغل) المجتمع المدني أي أنه يمارس مهنة معينة في إطار ضيق يبعده عن الكلية، تكون الكلية الحقيقية والديمقراطية العقلية بتوسيع الحريات لتشمل لا الميدان السياسي فحسب بل المجتمع المدني أيضاً، فيختار كل فرد عندئذ لا النظام السياسي فحسب بل مهنته وظروف عمله، وما يحول دون ذلك الآن هو امتلاك البرجوازية لوسائل الإنتاج من جهة، وبيع العمال قوة عملهم لكسب القوت والاستمرار في الحياة من جهة ثانية.

اما مفهوم الإنسان الشامل فهي عنده تعني حينما يؤدي تقسيم العمل في المجتمع الرأسمالي إلى تشويه الإنسان وإلى حصره في إطار نشاط مجتزأ، توجه التربية المهنية الفرد نحو اختصاص ضيق ويمضي معظم أيام حياته في القيام بالنشاط الرتيب ذاته، هكذا يموت الفرد دون أن يتاح له تنمية قدراته الواسعة والمتعددة، الإنسان الكلي هو الإنسان الذي يتعدى الاختصاص الضيق والأعمال المجتزأة.

فـ(الاغتراب) كما يفسره (ماركس) بكونه ذات طبيعة اقتصادية مادية كامنة في علاقات الإنتاج والهيمنة الطبقية اذ يغترب الإنسان عن عمله في المجتمع الرأسمالي لأنه يبيعه بكون طبيعة عمله و جوهر العلاقات الاجتماعية في النظام الرأسمالي هو التنافس، فـ(الاغتراب) هو فقدان الإنسان العلاقة مع مشاعره الإنسانية الدفينة العميقة واحتياجاته الإنسانية و إحساس الفرد بالعجز وشعوره بأنه غير قادر على التأثير في المواقف الاجتماعية المحيطة به بكون (الاغتراب) هو الإحساس بالعزلة وانفصال الفرد عن تيار الثقافة السائد  فبدلا من أن يكون العمل مصدرا لتحقيق ذاته وتجسيدا لقواه الإبداعية، فإنه في المجتمع البورجوازي يصبح شكلا من أشكال السخرة، فـ(الاغتراب) هنا يعني إحساس الإنسان بتزايد هيمنة الإجراءات البيروقراطية اللا شخصية على حياته (بل إن ثمة ترابطا بين الاغتراب والترشيد في الإطار المادي)، و بغياب المعنى واللامعيارية يغترب الإنسان عن الطبيعة الإنسانية الجوهرية ويغترب أيضاً عن فكرة الكل وما يميز الإنسان عن الحيوان هو أن الحيوان يتكيف مع بيئته، أما الإنسان فإنه يسيطر عليها بوعي وتحت حكم (الرأسمالية) يفقد العامل عنصر السيطرة ويصبح في مرتبة الحيوان (أي أن المرجعية الإنسانية المتجاوزة تتهاوى لتحل محلها المرجعية الكامنة في الحيوان)، ويمكن إلغاء حالة (الاغتراب) من خلال الثورة وتغيير علاقات الإنتاج فيصبح العامل حرا ليعبر عن إمكانياته الإبداعية التي يجسدها ثمرة عمله، ولن تصبح حياة الإنسان شظايا مفتتة بل سيصبح كلا متكاملا.

وثمة مشكلة أساسية في مفهوم (ماركس) للاغتراب وبخاصة جوهر الإنسان، وتتلخص على نحو الأتي: " هل جوهر الإنسان محايث للإنسان من حيث هو إنسان، أي جوهر مطلق (متجاوز) لا يخضع في تحديده إلى التاريخ أو إلى الشروط الاجتماعية، أم أن الجوهر الإنساني هو محصلة للعلاقات الاجتماعية ومن ثم يؤدي تغيير هذه العلاقات إلى تغييره، وعليه لا يكون الجوهر الإنساني محايثا للإنسان بل خاضعا للتحديدات الاجتماعية، ومن ثم يجب عدم الحديث عن جوهر إنساني وينتهي أساس التجاوز الإنساني..؟"

بكون ظروف العمل التي أوجدها المجتمع (الرأسمالي) تؤدي إلى (اغتراب) العامل، أي لا تعطيه الفرص والإمكانيات الكافية لتحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية التي يسعى من أجلها، فالعامل هو شخص مغترب عن وسائل الإنتاج طالما أنه لا يحصل على القناعة والسعادة من عمله ولا يحصل على ثمرة جهوده وأتعابه، إذن العامل هو كائن مغترب عن الطبيعة الحقيقية للإنسان على حد تعبير (ماركس) وهذا يعني أن تقسيم العمل والتوزيع غير متكافئ للسلطة والأرباح، وهذه هي مزايا الإنتاج الصناعي الرأسمالي، منعت العامل عن مزاولة طاقاته البشرية الخلاقة وبالتالي جعلته يستنزف طاقاته الكامنة ولا يستغلها لصالحه.

فالظروف الاجتماعية حسب آراء (ماركس) هي التي تبعث شعور الاغتراب عند الفرد وهذه الظروف تتجلى في أنظمة وعمليات الإنتاج الصناعي، فقد تصور (ماركس) التطور الصناعي من منظور الجدلية، بمعنى أنه رأى في تطور التكنولوجيا واحتمالات الوفرة المادية التي نشأت عنها باب فتح نحو التحرر الحقيقي للإنسان، لكن النتائج الفورية كانت ".. زيادة في تجريد الإنسان من الإنسانية" بسبب طبيعة النظام الرأسمالي، كما ذكر في (مخطوطات ماركس) حيث ".. يصبح العامل أكثر فقرا كلما زادت الثروة التي ينتجها وكلما زاد إنتاجه من حيث القوة والكم، يصبح العامل سلعة أرخص مما مضى كلما صنع المزيد من السلع، انخفاض قيمة العالم الإنساني يزداد في علاقة مباشرة مع زيادة قيمة عالم الأشياء، لا يخلق جهد العامل السلع فقط، ولكنه ينتج أيضا نفسه ويخلق العامل كبضاعة وبنفس المعدل الذي يخلق به السلع.."  و حسبما رأى (ماركس) يتعرض العامل إلى أشكال من (الاغتراب) ، الاغتراب عن منتجات العمل، التي لا تعود ملكيتها للعامل بل للرأسمالي، حيث توضع حياة العمال بالكامل في صناعة أشياء لا يملكونها وبداخل نظام لا يملكون السيطرة عليه، فيصبح جهدهم ذاته سلعة تؤخذ منهم وتباع مثله مثل الأشياء التي ينتجونها، بحيث أنهم قد لا يكونون حتى على علم بما ينتجون، فقد أصبحت أماكن العمل أكثر تقسيما وأقل اعتماداً على المهارة،

(الاغتراب) داخل عملية الإنتاج نفسها حيث يدخل العامل في مهنته داخل قيود العمالة بالأجر وليس لإشباع رغبة حرة بل لإشباع رغبات مستقلة عن العمل نفسه، ونتيجة لذلك لا يصبح العمل عملية مشبعة للذات ولكن يتحول إلى شر لابد منه، تعود ملكية وسلطة التحكم في كل جانب من جوانب عملية الإنتاج إلى الرأسمالي، بدءاً من تصميم المنتج والأشكال الأخرى من العمل الذهني إلى العمل اليدوي للعامل والمنتج الذي ينتجه و يتم التعامل مع العمال كما لو كانوا تروس في آلة منخرطين في مهام رتيبة ومتكررة تهين أجسادهم وتدمر أرواحهم.

فـ(ماركس) لا يعتبر الاغتراب حالة أبدية بل حالة نابعة من اغتراب العمل الذي يميز كل المجتمعات الطبقية، حيث يشعر الإنسان أن ما ينتجه ويبتدعه نتيجة كد يديه وعقله لا يرتد إليه، بل قل إنه يرتد عليه ليزيد من عبوديته وعلى ذلك فإن الاغتراب لدى (ماركس) ما هو إلا صورة من صور عجز الإنسان أمام قوى الطبيعة والمجتمع، حيث يربط (الاغتراب) في المجتمع بشعور الإنسان أن النقد وقيمته المادية هي التي تخلق الإنسان وليس العكس، ويفصل ماركس بحزم بين التموضع الذي يعبر عن جهد الإنسان للتأثير في الوسط المحيط والتأثير في الموضوع لمصلحته عن طريق رفع الإنسان لمستوى ثقافته وبين (الاغتراب) حيث لا يعود مردود هذا الجهد يرتد لصالح الإنسان ذاته، حيث يقول (ماركس) " ..إن ماهية الاغتراب لا تكمن في كون الإنسان يموضِع ذاته بصورة غير إنسانية و في تعارض مع ذاته، بل تكمن في كونه يموضِع ذاته في تمايز عن الفكر المجرد وفي تعارض مع ذاته هو..." 

وأشار ماركس إلى أن هذا النوع من (الاغتراب) موجود أيضا في الطبقة الرأسمالية، ولكن بطريقة مختلفة تماما عما يشعر به العامل، ويفسر ماركس قائلا :  "... يظهر من الطبقة المالكة وطبقة البروليتاريا نفس القطيعة مع البشرية، ولكن تشعر الطبقة المالكة بالراحة والقوة في هذه القطيعة، فهي ترى في القطيعة قوتها الذاتية وما يعطها مظهر الوجود الإنساني، في المقابل تشعر طبقة البروليتاريا بإبادتها، بمعنى أنها تزول من الوجود في هذه القطيعة، حيث ترى فيها انعدام قوتها ووجود غير إنساني.."

فـ(اغتراب) الإنسان عن الإنسان،" ياتي نتيجة لتعميم الطبيعة اللا إنسانية للرأسمالية في المجتمع واستخدام جهد العمال كسلعة، بدلاً من أن يكون نشاط اجتماعي واقتصادي بناء يستخدم لتحسين المجتمع يخلق الرأسماليون في سعيهم وراء الربح الصراعات الاجتماعية حيث يحرضون العمال للتصارع فيما بينهم من أجل الحفاظ على بقائهم عندما يقل نصيب العمال في قيمة إنتاجهم،فـ(الاغتراب) ليس مجرد مفهوم للأكاديميين ليتدارسوه، بل يمكن ملاحظته في كل جوانب الحياة اليومية، سواء كان ذلك شخص من العمال البريطانيين المفصولين يلقى اللوم على مهاجري أوروبا الشرقية لعدم وجود وظائف في بريطانيا، أو شخص يعمل لساعات طويلة في وظيفة مخدرة للعقل مشتاق ليوم إجازته وفرصة الهروب من المشقة والملل في بيئة العمل التي تغيب عنها المهارة، على هذا النحو يحول (الاغتراب) في العمل جوهرنا الإنساني إلى وسيلة للوجود المجرد، حيث تقيد القوى المنتجة في المجتمع والقدرات المحتملة للإبداع البشري ضمن الحدود الجامدة للنظام الرأسمالي، ويحرض العامل العادي، الخاضع لوعي مزيف مفروض عليه، ضد أبناء طبقته من هم في نفس وضعه، لا يمكن التغلب على (الاغتراب) إلا من خلال استعادة الجوانب البشرية للعمل، وهذا لن يتحقق ولا يمكن تحقيقه في ظل نظام مبني على الاستغلال والسعي وراء المكاسب الخاصة و فقط من خلال العمل من أجل تلبية احتياجات المجتمع والسعي وراء إشباع الإمكانيات الضخمة للإبداع البشري، الذي يبقى في الوقت الحاليراكداً وغير مستغل، يمكن للبشر أن يدركوا إمكانياتهم الكاملة وأن يتحرروا بحق".

فأن ظروف العمل كما يقول (ماركس )التي أوجدها المجتمع الرأسمالي تؤدي إلى (اغتراب) العامل، أي لا تعطيه الفرص والإمكانيات الكافية لتحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية التي يسعى من أجلها، فالعامل هو شخص مغترب عن وسائل الإنتاج طالما أنه لا يحصل على القناعة والسعادة من عمله ولا يحصل على ثمرة جهوده وأتعابه. إذن العامل هو كائن مغترب عن الطبيعة الحقيقية للإنسان على حد تعبير ماركس، وهذا يعني أن تقسيم العمل والتوزيع غير متكافئ للسلطة والأرباح، وهذه هي مزايا الإنتاج الصناعي الرأسمالي، منعت العامل عن مزاولة طاقاته البشرية الخلاقة وبالتالي جعلته يستنزف طاقاته الكامنة ولا يستغلها لصالحهفالعامل مغترب لأنه مفصول عن منتوجه ولكن وفي نفس الوقت هو مجبر على التخلي عن هذا المنتوج للآخرين وهذا هو بالأساس نقص التحكم في المحيط الذي يفسر (ماركس) في (الاغتراب)،  بهذا يكون (ماركس) تطرق إلى شكل من أشكال الاغتراب المتناول في الدراسات الحديثة ألا وهو العجز من خلال الحديث عن نقص التحكم وهذه دلالة أخرى يضيفها (ماركس) لمفهوم (الاغتراب) إلى جانب دلالة الانفصال والتخلي التي تحدث عنها كذلك الفلاسفة السالف ذكرهم.

ومما سبق نفهم بان (اغتراب الإنسان) قد جاء من خلال ما أفرزته الظروف الاقتصادية للمجتمع فإن المجتمع الغربي الحديث هو نتيجة لتلاعب قوى كالرأسمالية والديمقراطية والبيروقراطية، والتي أضافت للاغتراب حجم  العجز الذي أفرزته هذه الهيمنة الرأسمالية في طبيعة حياة الإنسان، عجز يخدم اتجاهين الأول أن الفرد البيروقراطي يرى كعاجز كليا في علاقته بالمنظمة ككل فهو غير قادر على تغيير النظام ولا حتى الخروج منه و ثانيا الجماعات كذلك عاجزة ضد آلة البيروقراطية، وبمجرد أن تتموضع البيروقراطية كلية تصبح غير قابلة للكسر، لتكون وكما يقول (ماكس فيبر) فكرة القضاء على البيروقراطية ضربا من المثالية.

ان  اهتمام الذي أولته  النظم الفكرية، من الفلسفة و علم النفس و علم الاجتماع بـحالة (الاغتراب)  على مر العصور عن عمق بحوثها في طبيعة هذا المصطلح ومظاهرة ومصادره وهل هو حالة عقلية أم اجتماعية أم موقف وجودي...؟ يبدو أن جميع هذه النظم تتفق في كون (اغتراب الإنسان هو اغتراب تاريخي ) مرتبط بعلاقته بالوجود التي مرت بمراحل صراع مختلفة أراد الإنسان فيها انتزاع حريته، لذا فإن(( تاريخ اغتراب الإنسانية هو تاريخ بحثها عن الحرية، ولكي لا يشعر الإنسان بالاغتراب تجاه تاريخه فإنه ملزم بتحرير التاريخ من الاغتراب، بمعنى إحداث تغيير في مجرى التاريخ، وهذا يتم بأن يدخل الإنسان في تحديد مسار التاريخ ويتحرك به )) ومن هنا نستنتج بان (الاغتراب ) ما هو الا صراع الإنسان مع أبعاد وجوده، صراع مع القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية  وذلك من اجل تحديد موقفه التاريخي مما يدور حوله، في وقت الذي يكون  حتى مع هذا الموقف مغتربا لأنه لا يتحقق، فيبقى الإنسان مستهلكا مسلوب الذات، يسحق شخصيته الإنسانية ويشوهها فيهرب إلى عالم الخيال، ويقترح للإنسانية أساسا روحيا بدلا عن الأساس الواقعي لها، ويزداد الصراع في هذا البعد كلما ازداد وعي الإنسان بذاته، إذ يبدو له كل ما يحيط به ثقلا عليه ومعبئا بقيود يضيق بها ضرعا ولا يخرج من ذلك تواصله أو علاقاته الاجتماعية، ومن هنا تأتي عزلته، ومن ثم اغترابه عن القيم الواعية التي تحيط به وتحكمه، فيدير ظهره للواقع ويتجه إلى عالم الماوراء في محاولة منه لإدراك حقيقة وجوده وموقفه الكوني منه، وبما أن المعطيات الحسية غير كفيلة بفهم العالم الميتافيزيقي فإن الإنسان يظل في شك مستمر في كون الوجود الذي لم يتحقق.. هل هو وجود فعلي أم محتمل ...؟ ومن هنا يأتي اغترابه الكلي عن شرائط وجوده وهو الأمر الذي يفقم اغتراب الإنسان عن عمله في ظل المجتمع الصناعي الرأسمالي وتقسيم العمل، حيث لم ينفصل الإنسان عن خيرات إنتاجه وحسب، بل وانفصل عن العملية الإنتاجية العامة بأسرها، ولم يعد يرى دوره إلا كقطعة من منظومة كبرى عمياء يخضع لسلطانها ووطأتها كل قواه المادية والروحية.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق