]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

أوربا وطعم الجِراح

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-11-29 ، الوقت: 21:23:47
  • تقييم المقالة:

أوربا وطعم الجِراح

 

محمد الحداد / العراق

من الصعب على الجريح أن يُسلمَ بخسائرهِ ويعترفَ بها حتى وهو ينزفُ آخر دمائه..لا أحد يجرأ أن يكتبَ نهايتهُ بيدهِ وليس ثمة مَن يًحب أن يُعلنَ موتهُ وهو على قيد الحياة..قد يتركُ هذا لعدوهِ الذي سينالُ بذلك شرفَ أن يرفعَ راية النصر فوق جثتهِ لكنهُ لن يفعلها بنفسهِ أبداً..ذلك شرابٌ لا يريدٌ أن يتجرعَ مرارتهُ أحد..

بالنسبة لأوربا لا يزالُ الوقتُ مبكراً لعدِّ الخسائر..فنزفُ الدماءِ لا يزالُ في بدايتهِ والأمرُ يبدو مختلفاً لقارةٍ عجوز تجرُّ ورائها بخيلاءٍ طاووسي قديم أذيالاً طويلة لماضٍ سَقتْ فيهِ الآخرين كؤوسَ الخسارات..كلُّ ما حصلَ حتى اليوم هو محض تدريبٍ أولي لحواسِ أوربا على تذوق طعمِ جراح قادمة..حتى تقبُل الكوارث بحاجةٍ إلى استعدادٍ ذاتي مسبق..ومن دَبغتْ جلدهُ السِياط غيرَ مَن يعُدّها..وهذهِ الغزوات الداعشية على أوربا "ما وقعَ منها وما سيقعُ لاحقاً" حتى لو أضفنا إليها ردودَ الأفعال الأوربية المضادة فهي بمجملها إرهاصات أولية لمعركةِ مصيرٍ كبرى لم تبتدئ بعد..

سأتحدث باختصار عن أولى نماذج ردود أفعال هذا الجريح الجديد الذي لم يَعتدْ سابقاً على تقبلِ منطق تذوق الخسائر..فسعارُ "الإسلاموفوبيا" الأوربية يبدو اليوم على أشدهِ لكنهُ يؤذنُ بتزايدٍ مضطرد تبعاً لتصاعد وتيرة الأحداث التي ربما ستصلُ قريباً مَدياتٍ مرعبة..يكفي أن نعرفَ أن المرصدَ الوطني لمكافحة "الإسلامفوبيا" في فرنسا مثلاً سجلَ بعد هجمات شهر يناير من هذا العام زيادة قدرها 281 بالمئة من إعتداءاتٍ عنصرية على الجاليات العربية في الربع الأول فقط من عام 2015 مقارنة بثلاثةِ أشهر من العام الماضي وقعت فيها إعتداءات مشابهة..أما بعد هجمات باريس الأخيرة فقد سُجلتْ كذلك بعد أيام قليلة فقط حالات كثيرة لاعتداءاتٍ حقيقية جسدية أو استفزازية ذات طابع عنصريأيضاً كانت موجهة ضد مواطنين من أصولٍ عربية مسلمةوإن اتخذتْ بعضها سمات فردية لكن عدد تلك البلاغات ونوعيتها تبعث حقاً على الخوف وتؤشر فعلياً لاحتمالِ أن ينزلقَ الوضعُ كلهُ نحو فوضى تخرجُ عن السيطرة في أيةِ لحظة بحيث لا يستطيعُ أحد أن يتنبأ بنهايتها.

في فرنسا أيضاً نُظمتْ الكثير من التظاهرات التي رُفعتْ فيها لافتات طالبت بطرد المسلمين والعرب من فرنساوكتبَ على مبنى بلدية ايفرو "الموتُ للمسلمين" و"عرب إرهابيون" و"حقيبة سفر أو كفن " كما طبعَ مجهولون صُلباناً معقوفة على بعض المساجد في باريس وفي " بونتارلييه " أيضاً..وفي إسبانيا وهولندا أحرقَ رجالٌ غاضبون مساجد وأحبطت محاولات مشابهة أخرى من قبل الشرطة..وفي كندا أحرق مسجد في مقاطعة "أونتاريو" وأكدت شرطة المقاطعة نفسها أنها جريمة كراهية متعمدة أما في ألمانيا فقد تأسست حركةعنصريةسَمّتْ نفسهاPegida"  "وهذا الإسم يتكون من الأحرف الأولى لعبارة "وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب" وإذا عرفنا أن في ألمانيا لوحدها ثمة خمسة ملايين مسلم يشكلون 5 بالمئة من مجمل سكان ألمانيا فلنا أن نتخيلَ حجم الكوارث التي يمكن أن تنتج عن مواجهاتٍ محتملة لو أصبح كلُّ هؤلاء المسلمين أهدافاً أمام مرمى سهام الثأر كما أن ثمة حركاتٍ مشابهة في بلادٍ أخرى بدأت بالتشكلِ أيضاً وجميعها تأخذ ذات الطابع  العنصري المنظم..

الأخطر من هذا هو ما يقومُ بهِ الإعلام الغربي نفسهُ من حملاتٍ مسعورةمنذ هجمات باريستحديداً وبشكلٍأكثر تنظيماً والغرض منها تعبئة الرأي العام ضد العرب والمسلمين أيضاً وتأجيج مشاعر الكراهية والغضب ضدهم وترغيب الناس على ضرورة تبني مثل تلك المواقف ولعل أغبى تبرير لهذا التوجه الإعلامي المحموم الذي تتبناهُ هذهِ الأيام الدول الكبرى وفي مقدمتها أميركاهو أن يُستخفَ بأرواح الناس وأمنهم ومصالحهم ويتم النظر إلى الأمر من زاويةٍ استعراضية تافهة ومثل هذا الرأي يوضحهُ الصحفي الأميركي "غلين غريينولد " الحائز على جائزة بوليتزر بقوله : "الإعلام الأميركي جائعٌ للحروب وهو يستفيدُ منها..الملايين من الناس يتابعونهُ وبوسع الكثير من مراسليهِ أن يرتدوا بزاتِ الجيش ويتوجهون إلى المناطق الساخنة ويفوزون بجوائز..الأمر مثيرٌ حقاً لذا فالمراسلون متعطشون للحرب" !

أما أغرب ردود الأفعال اللامسؤولة فهي تلك التي تبناها "جان ماري لوبان" مؤسس حزب الجبهة الوطنية اليمينية الفرنسي حينما دعا إلى معاملة ما سماهم "بالمتطرفين" بالمثل وذلك بقطع رؤوسهم كما يفعلُ "داعش" تماماً..فهلبوسع أحد بعد كلِّ هذا أن يتنبأ بما يمكنُ أن يتمخضَ عن عقولٍ تعبّأ بكلِّ بذور الكراهية العمياء هذه..أما الأسوأفهو أن تقفز ردود الأفعال هذهِ فعلاً من مرحلة امتصاص الصدمة لتصعد باتجاه الثأر والاقتصاص خاصة حينما تتولى الماكنة الإعلامية نفسها مسؤولية إيصال الرأي العام إلى مرحلة تعبوية مسعورة تتسترُ بمعاطف دينية مقدسة مزينة بألوان براغماتية تعتمدُ التضليل والكذب والمبالغة .

كلُّ مواطنٍ عربي ربما ستراهُ العيونُ الزرقاء بهيئةِ مشروعِ قنبلةٍ إرهابيةٍ ملغومة تتبخترُ فوق أراضيهم ويجب نسفها قبل أن تنفجر في أحضانهم..كلُّ بشرةٍ سمراء هي هوية لقاتلٍ محتمل يُبيّتُ النية ويضمرُ السوءَ لأهلِ الدار ويجبُ أن يرحلَ أو يموت..وكلُّ حركةٍ مريبة أو التفاتةٍ مفاجئة يميناً أو شمالاً ستترجمُ فوراً على أنها جنينٌ جديد يجبُ أن يُجهضَ فوراً من رحمهِ المظلم قبل أن يلدَ مؤامرة قادمة..ولن نعجبَ في الغد لو أرغمونا أن نلبسَ في بلادهم أجهزة مبرمجة بشكلٍ يُحصي علينا أنفاسنا..والخوفُ كلُّ الخوفِ حينما يتبنى الغربُ هذه النظرة النمطية المسبقة تجاهنا فيغدو العربُ بأعينهم رمزاً للإرهاب والقتل فينسف كل ما بنيناهُ معاً من قيم التعايش والتسامح والسلام عبر عقودٍ طويلة.

الدماءُ الفرنسية التي سقطتْ في باريس أو تلك التي قد تسقط في أيِّ بلدٍ غربي آخر ستصعِّد من الرغبة المحمومة بالثأر والمطالبة بأن تسالَ بدلها بحارٌ من دماءنا في مدننا وبيوتنا وشوارعنا ومدارس أطفالنا..هذا قرضٌ رَبَوي باهض الثمن استدانهُ "داعش" من "الغرب الكافر" لكن وزرهُ سيظلُّ ملتصقاً برقابنا نحن وفي نهاية الأمر سنجدُ أنفسنا ملزمين أن نسددهُ بالنيابة عنهم..

هي بلا ريب غمامة سوداء ملغمة بركامٍ هائل من الكراهية لكلِّ ما يمتُّ للعرب والمسلمين بصلة..غمامة بدأت تتشكل الآن شيئاً فشيئاً فوق سماء أوربا لكنها قد تغطي بسرعةٍ سماء العالم كلهِ بعد ذلك..

الخطر الأكبر هو القادم وليس الذي وقعَ بالفعل..لا شك عندي في ذلك لأن السيناريو الأسوأ هو نسف هذا العالم برمته..والمسافاتُ بين الأضداد المُتصارعة وسط حلبتنا الكبيرة بدأتْ تكبرُ وستزدادُ اتساعاً يوماً بعد يوم..اشتبكتْ مساطلُ الغربِ بمساطلِ الشرق ويبدو أننا سنظلُّ محشورين بينهما ولا أحد بوسعهِ أن يتنبأ بحجم العواصف القادمةوحينما تصبُّ الكوارث نيرانها من مِصهرٍ لا ينفدفلا شيء يصمدُ أبداً أمام بديهيات الأقدار..وعلى مَن يريدُ أن يفهمَ بوضوحٍ أكثر ماذا سنشهدُ من كوارث في الغد فلن نحجرَ على خيالهِ أبداً.. فقط ليطلق لهُ العنانَ على وسعهِ وصدقوني لن يبتعدَ كثيراً عمّا سيحدث !


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق