]]>
خواطر :
لا تستفزي قلمي وساعديه على نسيانك..سيجعلك أبيات هجاء تردد في كل مكان و زمان..أضحوكة وعناوين نكت في الليالي السمر ..سيجعلك أبيات رثاء و قصائد أحزان تُتلى على القبور و على الأموات.   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عطر الشّهيد

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2015-11-02 ، الوقت: 07:22:59
  • تقييم المقالة:

  عطر الشّهيد

    بهدوء ينام الشّهداء فتبكيهم العصافير، وعندما ترحل العصافير، ينسحبون خلفها بهدوء، وتحزن الزّنابق، وتفيض شقائق النّعمان فتغطّي المكان، يغيبون في الأفق خلف الغيم، وتعود أسراب السّنونو ولا يعودون.

      نتأمّلهم وهم نيام ونلقي عليهم التّحيّة قائلين مساء شهيد، وهل أحلى من مساء الشّهيد، وطلعة الشّهيد، ورائحة الشّهيد، وطهارة الشّهيد، من يأتيني بشيء من عطر الشّهيد، أو بساعة يده، أو بعض أوراق من مذكّراته، أو بعض حروف من كتاباته، أو بحفنة من أحلامه، أو بقميصه لأرتدّ بصيراً، وإن تعذّر ذلك فبحذائه لأصبح أميراً.

     ربّما سيصعب عليهم أن يتعرّفوا عليك، ولكنّني أعرفك، أنت (رائد جرادات) ومهنّد ومحمود وإياد وضياء، وطارق وحسام وبشّار وهمام، وبيان وهديل ودانية وعلي أبو جمل..... كيف لا أعرف هذا الدّم الذي فار لوجه الله، ودفاعاً عن بيوت الله، وثأراً لوجه حرّة في فلسطين ما خضعت، وظلّت بحجاب العفّة تتدثّر، أعرف هذا الدّم الطّاهر بتراب فلسطين معفّر، دمك القاني برائحة المسك والعنبر من مياه زمزم أطهر، أعرفك، وأعرف أكثر من هذا وأكثر، وأعرف أنّ الحور العين ستغسل هذا الدّم عن وجهك بمياه نهر الكوثر.

   أعرفك من رائحتك كرائحة زاوية في المسجد الأقصى خضّبت بالكافور، وصلّى فيها الأحرار الأطهار، ومن حولها صعد النبيّ المختار، أو كرائحة بقعة في قلب الكعبة يحجّ إليها الطّائعون الأبرار، أو كرائحة عمامة نبيّ حفظت في متحف ليتمتّع بعبيرها الزّوّار.

     كيف لا أعرفك؟ أعرفك، عيناك تضيئان كالبرق، يتبعه رعد يجتاح السّماء كمارد جبّار يهدر ويزمجر يثير هديره الرّعب في قلوبهم، وجهك ذكّرَهم بأحد أفلام الرّعب التي كان بطلها مارد عملاق يمدّ يديه من أوّل الأرض إلى آخر السّماء، تكبر يده وتكبر، صارت له كفّ ضخمة، وأصابع طويلة، وبزغ من أصابعه ألف إظفر وإظفر، سحق بها عدوّه وهو يهتف الله أكبر، لكنّ مجهولاً في تلك الأثناء كان يرتّل في أذنيه: " فصلّ لربّك وانحر" {الكوثر، آية 2}.

     وجهك كوجه الأسد الشّرس أرعب جزاريه،فبلغت قلوبهم الحناجر، كيف لا؟ لأنّك تدافع عن حقّ مقدّس، فلوجهك إرهاب مسدّس.

      كلّ فلسطين تعرفك، القدس والخليل وسعير وبيت عينون، تعرفك شوارعها وحاراتها وأزقّتها وبيوتها وساكنيها، كلّ الأسماء هناك ستفتقدك، وكلّ الحصى، وحجارة بيت عينون التي قذفتها يداك ستبكي حجراً حجراً عليك، سيفتقدك الثّرى الذي داسته قدماك،لكن سيسعد بك أكثر الثّرى الذي واراك.

     الجنّة ستتعرّف عليك، عندما تزلف إلى المتّقين وإليك، سترحّب بك وستخفض لك جناح الذّلّ من الرّحمة، وستفرش طيورها أجنحتها قرب نعليك، وتصفّق بأجنحتها فرحاً بقدومك، وسيكلّمك الله كفاحاً دون حجاب، وسيضحك إليك، وسيلقي سمعه وبصره إليك، وستقول لك حورها: ادخل بحذائك حذار أن تخلع نعليك، يا لسعدك يا ولدي عندما تجتاز عتبات الجنّة بقدميك، ويدخل سبعون من أهلك في موكب من حواليك، وتزفّ اثنتان وسبعون حوريّة إليك يقلن: لبيك وسعديك، الجنّة بين يديك، هنيئاً لك ولوالديك.

     ولكن مهلاً ستكون براكينا هذه الدّماء، ستكون براكيناً، ستكون براكيناً في كلّ حيّ وشارع وحارة تتفجّر، كلّ قطرة منها ستتحوّل ناراً تحرق اليابس والأخضر، لن تنسى ذاكرة الشّعوب بسطار جنديّ ملعون يدوس وجه شهيد بالتّراب معفّر، ما أكثر الحفريّات التي ستخطّ في الذّاكرة، وتمتلئ بالدّماء، ستكتظّ ذاكرة هذا الشّعب بصور الشّهداء وتزخر، بصور أسود خرجت إلى الميادين تزأر، لبؤة تمسك بكفّ غضنفر، والكلّ يهتف الله أكبر.

عزيزة محمود خلايلة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق