]]>
خواطر :
اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

ثورة أم انقلاب؟!!!.. سهولة التشكيك وصعوبة التفكيك ..

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2015-11-02 ، الوقت: 02:27:53
  • تقييم المقالة:

تواترت في الفترة الأخيرة الروايات المشكّكة في اندلاع "ثورة"في تونس وهي كلّها تدور حول ربع الساعة الأخير أيْ طريقة إزاحة بن علي من السلطة وتتجاهل تماما ذلك"الخروج" الشعبي المهيب بين 17 ديسمبر و14 جانفي 2011 ، قبل الخوض في هذه المسألة المعقّدة هناك مطلب منهجي علينا تلبيته وهو طرح سؤال الماهيَة : ما "الثورة"؟ !!..   غنيّ عن البيان أنّ الثورة لغةً من الغضب والهيجان والفوران والثائر في "لسان العرب" هو الغضبان، أما ملامسة المعنى الاصطلاحي فتحتاج إلى شيء من التفصيل ..   بدايةً؛ فليسمح لي الدكتور عزمي بشارة بمشاركته سؤاله المربك:"هل هنالك تحديد علمي لمفهوم الثورة؟" .. قطعا لا..فقد انزاح مدلول المصطلح إلى الفضاء الذاتي الإنشائي بشكل صارت معه كل محاولة لتعريفه تعريفا علميّا دقيقا محكوما عليها بالفشل مُسبقا، فـ"الثورة"في الحقل السياسي مفهوم زئبقي بامتياز لا تكاد تمسكه حتى يُفلت من جديد،لكنّنا سنجازف بتعريفها على النحو التالي:"الثورة هي حراك احتجاجيّ جماعيّ يرمي إلى استبدال منظومة حكم مأمولة بالمنظومة الماثلة بهدف إحداث تغيير عميق يحقّق المنشود السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي ويصنع في لحظة(ما) وضعا فرديا وعلائقيا جديدا"، فالواقعة الثورية هي في النهاية "خروج ما" وكام يقول بشارة يف كتابه "الثورة والقابلية للثورة"فإنّ"أقرب كلمة إلى مفهوم الثورة المعاصرة هي "الخروج"بمعنى الخروج لطلب الحقّ"،، رغم ما يحمله هذا التحديد من التباسات الـ "من" والـ "ماذا" أي من يخرج؟ وأيّ حق يطلب؟حتى نقرّ لهذا "الخروج" بأنّه "ثورة".. ثمّ هل يمكننا معرفيا أن نبادئ بالحديث عن "ثورة" دون انتظار المآلات؟.. وفي سياق الاعتداد بالنتائج تتنزّل رؤية الأستاذ "عبد الله الساعي" الذي أعلنها صريحة:"...يمكن تلخيص الشروط التي يجب أن تستوفيها أيّ حركة شعبية لترقى إلى مستوى ثورة وتُحدث تغييرا جذريا وحقيقيا كالتالي، أولا: وجود قيادة للحركة الشعبية تحدّد اتّجاهها وتدير تفاعلها مع الأحداث...ثانيا:وجود مبدأ واضح متكامل الذي على أساسه يُراد تكوين الدولة الجديدة وعلى أساسه تنشأ الأحزاب السياسيّة...ثالثا:اتّخاذ الموقف الصحيح والصارم ضدّ النظام وكلّ أعوانه الذين يُراد إزالتهم فلا تفاوض ولا تنازلات على المبدأ والأهداف المتبناة..." . لو سلّمنا بهذه المشروطيّة المُجحفة فسنتوقّف فورا عن الحديث عن "ثورة تونسية".. فلا شيء من تلك الشروط التي عدّدها "الساعي"قد تحقّق على أرض الواقع ما يجعلنا وفقا لتلك المقاربة الصارمة إزاء ثورات موجودة بالقوّة لا بالفعل. وحتّى لو جادلنا بأن ما حدث لم يكن "ثورة" بالمعنى الدقيق للكلمة فإنّنا لا نستطيع تجاهل توافر مقوّمات "الوضعية الثورية" التي انطلقت من سيدي بوزيد ،ومثّلت العامل الرئيس الذي أدّى إلى زعزعة أركان النظام بهرميّته (الرسمية) الصارمة ولولاها لما حدث ذلك "الشرخ"الذي  يسميه البعض "الانقلاب"على رأس السلطة .       ولئن كنّا نقرّ بتواطؤ عناصر داخلية وخارجية ضد مشروع التغيير و الالتفاف عليه (لاحقا) بطريقة "منمّقة"وغير مألوفة (مقايضة "الستقرار" بالتوافق) إلّا أنّ وقائع كثيرة تعضد حقيقة انطلاق مسار ثوري (ما) لم تترك الجسال فسيحا أمام قوى التغيير من الداخل (اامنقلابيين) لإدارة "التحوّل" بسلاسة ويمكننا في هذا السياق استعادة حوادث "ثورية"بعينها في القلب منها اعتصاما القصبة-1-و-2-  بُعيْد فرار(أو سفر)  بن علي إلى جدة .. إنّ قراءة بسيطة لتاريخ الثورات القديم والحديث  نقف على حقيقة باتت من مسلّمات "سوسيولوجيا الثورة" وهي أنّ الواقعة الثورية حالة "مفتوحة" أيْ إنّها فعل ممتدّ في الزمن  تبدأ بانتقال سياسي محدود قبل أن تتحوّل إلى انقلاب كوبرنيكي تاريخي ..   المبرّر الوحيد الذي يجعلنا ننكر عما حدث في تونس صفة "الثورية" هو ما وقع ما بعد تغييب رأس النظام ؛ هل لامس التغيير نخاع عظم الدولة أم لا؟؟ .. قطعا لا،،لكننا حتى بهذا المعنى لا نحسم المسألة لأنّنا نحتاج إلى فاصل زمني لرصد التغييرات الحاصلة ومدى عمقها ،فقد تقلّبت الثورة الفرنسية بين النظام الملكي والممهوري  تحت وقع مقاصل الداخل وهزائم الخارج وشهدت مخاضا عسيرا استغرق زهاء قرن من الزمان ..   ومهما كانت التفاعلات التي تختمر داخل النظام الحاكم من دسائس ومؤامرات فإنّها لا تنزع عن الحدث صفته الثورية ، وحتى الانتقال الى الأسوأ لا يلغي هذه الصفة ، فالثورات جوهر ماهيتها التقلّب الوئيد المدفوع بروح الانتقال نحو الأفضل وهو ما ينسجم حتى مع الأشكال الأكثر تقليدية للثورة التي رصدها آرسطو على أساس درجة التعاطي مع الدستور سواء إلغاءً أو تعديلا ..   القضيّة الأساسية في رأينا هي حقيقة وقوعنا ضحايا خدعتين كبيرتين:ثورة بلا رأس وثورة بلا دم ..ليس هناك ثورة بلا رأس وليس هناك ثورة بلا دم ،الثورة الفرنسية قادها “روبسبيير”وآخرون وتقدّمت على وقع المقاصل ، الثورة الروسيّة قادها لينين وارتقت على إيقاع الرمي بالرصاص ، الثورة الإيرانيّة قادها الخميْني وعُلّقت المشانق في الشوارع[…]،هذا هو تاريخ الثورات شئنا أم أبيْنا ،لكنّ الدم -الذي نعنيه-ليس بالضرورة ذلك السائل البيولوجي الأحمر ،إراقة دماء رموز النظام السابق يمكن أن تكون مجازيا عبر أضعف الإيمان وهو العزل السياسي ومحاكمة المذنبين..استطاع الغرب إيهامنا بأنّنا قمنا بثورة استثنائية على غير منوال سبق،لا قيادة فيها ولا اقتصاص،، جعلونا نتوهّم أنّ المسار الثوري يمكن أن يقترن بمسار إصلاحي ومنهج توافقي،، لكن رغم هذا وذاك نزعم أنّ تغييرا عميقا قد حصل ، وكما أنّ الدليل على الفطيرة أنّنا نأكلها كما يقول المناطقة فإنّ دليلنا على الحرية أنّنا نمارسها وماكنا لنمارسها لولا وقوع تغيير من الخارج [ثورة(ما)] وليس تغييرا من الداخل [انقلاب ما] ..   صفوة القول؛ رغم المأزق النظري المتعلق بتكييف ما حصل في الدول العربية الأربع والتردّد حيال توصيفه ب"الثورة" فإنّنا لا نستطيع أن ننكر بأيّ حال من الأحوال حدوث حالة ثورية شعبية عامة  يمكن التعاطي معها في أسوأ الأحوال كثورات موجودة بالقوة إن أقررنا أنّها غير موجودة بالفعل، ولاشكّ أنّنا نحتاج للخلوص إلى استنتاجات علمية إلى فاصل زمني لا يقلّ عن جيل [30 سنة]، عندها فقط يمكننا تسجيل "موقف تاريخي" أكثر موضوعية وأقل انفعاليّة في ضوء ما سيظهر من معطيات جديدة تتعاضد في تكوينها أدلة حيّة وموثّقة تميط اللثام عن المسكوت عنه راهنا، كما نحتاج إلى فسحة من الزمن ننتظر فيها ومن خلالها تطوّرات الأوضاع وما "سيستقرّ" عليه الأمر، وبعيدا عن هذا السجال الفكري يجب أن نتّفق على أنّ المتآمرين أو المغفّلين فقط هم من يتحدّثون عن المؤامرة الغربية ودورها في صناعة "الثورات" العربية ..إنّهم لا يريدون أن يروْنا خارج مربّع الاستبداد حتى نبقى أبدا تحت نير الاستعباد، وما حصل في بلدان الثورات "ربيع عربي وشتاء أمريكي "أريدَ له أن يتحوّل إلى "شتاء عربي وربيع أمريكي"، ضرب العسكر بقوّة في مصر وأُطلقت أيادي الميليشيات المسلّحة في ليبيا وأخذت الثورة المضادة في اليمن اتجاهات مختلفة بل ومتعارضة وعاد رموز النظام القديم إلى الحكم في تونس بعد انتخابات مشكوك بنزاهتها وتعرف الثورة السوريّة مخاضا عسيرا أسهم تعارض المصالح الإقليمية وتقاطع الأجندات الدولية في تعميق أزمتها ما عطّل التحوّل وأجّل الحسم..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق